د. صلاح أحمد الحبو
لم تعد الحرب في السودان مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف متنازعة على السلطة، بل أصبحت تعبيراً عن أزمة بنيوية ممتدة في طبيعة الدولة السودانية نفسها، وفي الكيفية التي تشكّل بها الوعي السياسي والاجتماعي منذ الاستقلال. فالمشهد الراهن يكشف أن البلاد لم تعد تعيش فقط انهياراً أمنياً أو انسداداً سياسياً، وإنما دخلت في طور أكثر تعقيداً يمكن توصيفه بـ “الاستنزاف الوطني المركّب”[1]؛ وهي الحالة التي تتحول فيها الحرب إلى بنية شاملة تستنزف المؤسسات والاقتصاد والذاكرة الوطنية والقدرة الجمعية على تخيل المستقبل. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية يصبح السؤال الحقيقي ليس: كيف تتوقف الحرب؟ بل: كيف يمكن إعادة بناء شروط السلام نفسها داخل مجتمع أنهكته دورات العنف المتكررة؟
لقد ظلت المقاربات التقليدية للأزمة السودانية حبيسة تصور ضيق يرى الصراع بوصفه أزمة سلطة قابلة للحل عبر التسويات السياسية وتقاسم المواقع والنفوذ، بينما تكشف الوقائع أن جذور الأزمة أعمق بكثير من مجرد التنافس على الحكم. فالسودان يعاني منذ عقود من اختلال مزمن في العلاقة بين المركز والأطراف، ومن هشاشة متراكمة في بنية الدولة الوطنية، ومن فشل النخب المتعاقبة في إنتاج مشروع جامع يعترف بالتنوع الإثني والثقافي والجغرافي بوصفه طاقة تأسيس لا تهديداً وجودياً. ولهذا فإن الحرب الحالية ليست انقطاعاً عن التاريخ السوداني، بل امتداداً مكثفاً لمسارات طويلة من التهميش والعنف الرمزي والاقتصادي والسياسي.
وفي هذا السياق تبدو أفكار الباحث النرويجي Johan Galtung في كتابه Peace by Peaceful Means ذات أهمية تفسيرية بالغة، خصوصاً حين يميز بين “السلام السلبي” الذي يعني مجرد غياب العنف المباشر، و”السلام الإيجابي” الذي يتطلب إزالة البنى العميقة المنتجة للعنف داخل المجتمع.[2] فالسودان، عبر تاريخه الحديث، عرف أشكالاً متعددة من السلام السلبي؛ اتفاقات توقف القتال مؤقتاً لكنها لا تعالج جذور الأزمة، لذلك كانت الحروب تتوقف لتعود بأشكال أكثر عنفاً وتعقيداً. ذلك أن العنف، وفق مقاربة غالتونغ، لا يتمثل فقط في الرصاص والقتال، بل يتجسد أيضاً في الهياكل السياسية والاقتصادية التي تُنتج التهميش والحرمان والإقصاء، وهو ما سماه بـ “العنف البنيوي”. وهذه المقاربة تساعد على فهم الكيفية التي تحولت بها مناطق واسعة في السودان إلى فضاءات هشّة تتراكم فيها مشاعر الغبن التاريخي حتى تصبح الحرب خياراً قابلاً للتخيل والتبرير.
إن أخطر ما أنتجته الحرب السودانية هو ما يمكن تسميته بـ “تآكل المشترك السيادي”[3]؛ أي انحسار الثقة العامة في الدولة كمؤسسة جامعة ومحايدة، وتحولها في المخيال الجمعي إلى أداة صراع وهيمنة. وعندما تفقد الدولة قدرتها الأخلاقية والرمزية على تمثيل مواطنيها بعدالة، تبدأ الجماعات في البحث عن مظلات بديلة للحماية والانتماء، فتتمدد الولاءات الضيقة على حساب الهوية الوطنية. وهنا لا تصبح الحرب حدثاً استثنائياً، بل نتيجة منطقية لانهيار المجال الوطني المشترك.
لقد أثبتت التجربة السودانية أن الحسم العسكري، مهما بدا ممكناً في لحظة ما، لا يستطيع تأسيس سلام دائم، لأن القوة قادرة على فرض السيطرة لكنها عاجزة عن إنتاج الشرعية والثقة والاعتراف المتبادل. ولهذا فإن استمرار الرهان على الغلبة المسلحة لا يعني سوى إطالة أمد الانهيار. فالحروب الأهلية المعقدة لا تنتهي حين ينتصر طرف بالكامل، بل حين تصل الأطراف والمجتمعات إلى حالة إدراك جماعي بأن استمرار الحرب أخطر من التسوية نفسها. غير أن هذه اللحظة لا تتحقق تلقائياً، بل تحتاج إلى إعادة تشكيل الوعي العام، وإلى إنتاج ما يمكن تسميته بـ “هندسة السلام الإدراكي”[4]؛ أي بناء تصور جديد للدولة والسلطة والعلاقة بين المكونات المختلفة، بحيث يصبح السلام جزءاً من البنية الذهنية والثقافية لا مجرد اتفاق فوقي هش.
ومن هنا فإن التحول المدني الديمقراطي في السودان لا يمكن اختزاله في ترتيبات انتقالية أو انتخابات معزولة عن السياق البنيوي للأزمة. فالديمقراطية في المجتمعات الخارجة من الحروب ليست إجراءً سياسياً فحسب، وإنما عملية معقدة لإعادة بناء الثقة العامة وترميم المجال الأخلاقي للدولة. كما أنها تتطلب إعادة تعريف العلاقة بين السلطة والمواطنة، وبين المركز والهامش، وبين الهوية الوطنية والتنوع الاجتماعي. فالدولة المدنية الحقيقية لا تقوم فقط على إبعاد العسكريين عن الحكم، بل على تأسيس نظام عدالة وتوزيع وفرص واعتراف يمنع احتكار القوة والثروة والرمزية الوطنية.
ويزداد المشهد السوداني تعقيداً مع تمدد اقتصاد الحرب وتحول العنف إلى بنية مصالح متكاملة. فالحروب الطويلة لا تنتج فقط دماراً مادياً، وإنما تخلق شبكات اقتصادية وسياسية تستفيد من استمرار الفوضى، وتجعل السلام نفسه مهدداً لمصالح قوى عديدة. ولذلك فإن وقف إطلاق النار، رغم ضرورته الإنسانية، لن يكون كافياً ما لم يترافق مع تفكيك تدريجي للبنية الاقتصادية والثقافية المنتجة للعنف. وهنا تبرز أهمية مقاربة غالتونغ مرة أخرى، إذ يرى أن التنمية والعدالة ليستا قضايا منفصلة عن السلام، بل هما جزء من بنيته التأسيسية؛ لأن المجتمعات التي تعيش التفاوت والإقصاء المزمن تظل قابلة للانفجار حتى وإن توقفت المعارك مؤقتاً.
كما أن الأزمة السودانية تكشف حدود المقاربات الدولية التقليدية التي تتعامل مع السلام بوصفه ملفاً تفاوضياً بين النخب، بينما تتجاهل التحولات العميقة التي أصابت المجتمع نفسه. فالسودان لا يحتاج فقط إلى اتفاق سياسي جديد، بل إلى إعادة بناء الإنسان السوداني نفسياً وثقافياً بعد سنوات طويلة من الخوف والعنف والانقسام. ذلك أن المجتمعات الخارجة من الحروب تحمل داخلها ندوباً خفية تعيد إنتاج الكراهية والشك حتى بعد انتهاء القتال. ومن هنا تصبح الثقافة والتعليم والإعلام والعدالة الانتقالية جزءاً من مشروع السلام لا ملفات ثانوية ملحقة به.
إن السودان يقف اليوم أمام لحظة تاريخية فارقة؛ فإما أن يستمر في إعادة تدوير أزماته داخل الحلقة القديمة نفسها، وإما أن ينتقل إلى أفق جديد يعيد تأسيس الدولة على قاعدة المواطنة والعدالة والتعدد. ولن يتحقق ذلك عبر انتصار عسكري أو صفقة سياسية عابرة، بل عبر ثورة وعي وطنية تعيد تعريف معنى الدولة بوصفها فضاءً مشتركاً لا غنيمة مغلقة. فالأمم لا تنهض فقط حين تتوقف الحروب، وإنما حين تمتلك الشجاعة الأخلاقية والمعرفية لإعادة مراجعة الأسس التي قادتها إلى الحرب أصلاً.
وفي هذا المعنى يصبح السلام في السودان ليس مجرد نهاية للقتال، بل مشروعاً لإعادة اختراع الدولة والمجتمع معاً، وإعادة إنتاج المعنى الوطني على أسس أكثر عدالة واتزاناً وإنسانية.
هوامش المفاهيم
[1] الاستنزاف الوطني المركّب:
حالة تتحول فيها الحرب إلى عملية شاملة تستنزف الدولة والمجتمع والاقتصاد والهوية الوطنية بصورة متزامنة، بما يؤدي إلى إنهاك فكرة الوطن نفسها لا مؤسسات الحكم فقط.
[2] يميز يوهان غالتونغ بين “السلام السلبي” باعتباره غياب العنف المباشر، و”السلام الإيجابي” بوصفه إزالة البنى المنتجة للعنف البنيوي وتحقيق العدالة الاجتماعية والتنموية.
[3] تآكل المشترك السيادي:
حالة فقدان الثقة الجماعية في الدولة كمظلة محايدة وعادلة، ما يدفع الجماعات إلى البحث عن بدائل حمائية فرعية كالسلاح أو القبيلة أو الجهة.
[4] هندسة السلام الإدراكي:
مفهوم يشير إلى إعادة تشكيل الوعي السياسي والاجتماعي تجاه الدولة والتنوع والصراع، بما يجعل السلام جزءاً من البنية الذهنية والثقافية لا مجرد اتفاق سياسي مؤقت.
المراجع
Johan Galtung، Peace by Peaceful Means.
William Zartman، Ripeness: The Hurting Stalemate and Beyond.
Stathis N. Kalyvas، The Logic of Violence in Civil War.
Francis Fukuyama، State-Building: Governance and World Order in the 21st Century.
Mahmood Mamdani، Citizen and Subject.
Alex de Waal، The Real Politics of the Horn of Africa.
habobsalah@gmail.com
