السودان واضمحلال القوة الكابحة للطغيان .. بقلم: د. النور حمد
لا توجد دولة مؤتمنة، بطبيعتها، على مصالح شعبها، ترعى مصالحه من تلقاء نفسها. فالصراع بين الدولة، أية دولة، والشعب، أي شعب، مستمر. قد يكون ظاهرًا، وقد يكون كتيمًا، مستترًا. فما دام هناك حكام ومحكومون هناك صراع. هذه طبيعة الأشياء. ولذلك، إن جرى تطبيق القيمة الجوهرية للديمقراطية، على الوجه الصحيح، تنظم هذا الصراع، فتهذبه، وتلطفه، وتنزع منه فتيل العنف. لكن، كما هو معروف، حين تنسد الأبواب، جميعها، أمام الجماهير لأخذ حقوقها عن طريق الضغوط السياسية، والطرق السلمية، تشتعل الثورات.
ظل الصراع بين قوى اليمين واليسار، في ما بينها، وبين كل واحدةٍ منها، والقوى التقليدية في السودان، صراع ثارات، لم يراع الدستور، ولا الثوابت الوطنية، ولا القيم الديمقراطية. فمن يظفر بالحكم يتجه إلى القضاء على خصمه قضاء مبرمًا. سيطر الشيوعيون على الحكومة الانتقالية التي أعقبت ثورة أكتوبر 1964، مدعومين بالحركة النقابية، فرفعوا شعار “لا زعامة للقدامى”. أوجدوا أوضاعا خاصة للعمال والمزارعين، في نظام الحكم، لأن ثقلهم الجماهيري كان وسط هاتين الفئتين. وقد قصدوا بذلك إزاحة القوى التقليدية بأحزابها الطائفية. وبعد عام فقط، انقلبت القوى التقليدية وأحزابها الطائفية، عليهم، عقب حملة تعبئة وتحريض ضدهم من الإسلاميين، فجرى تعديل الدستور، وجرى حل الحزب الشيوعي، طُرد نوابه المنتخبون من البرلمان.
بدأت لعبة التخلص من الجميع، في الحقبة التي أدارها الشيخ، حسن الترابي، بنفسه، بين 1990و1999، فجرى إبعاد القوى السياسية، وتفتيت الأحزاب، واحتواء النقابات، والسيطرة على الاقتصاد السوداني، والعمل على إفقار الجميع، غير أن اللعبة ارتدت على الشيخ الترابي نفسه، فجرى إقصاؤه من الحكم. وبعد عشر سنوات مما سُميت “المفاصلة” بين الشيخ الترابي وعمر البشير، أخذ الإسلاميون يقفزون من مركب نظام الحكم الذي أتوا به، واحدًا تلو الآخر. ولم تنته اللعبة إلى هذا الحد، فقد دارت الدوائر على الجيش نفسه. فالجيش، بعد تململ قطاع مؤثر من الإسلاميين، ومنهم عسكريون اتهموا بمحاولات انقلابية، أصبح موطن التهديد الداخلي الجديد. فجرى تهميش الجيش، وأنشئت في مقابله مليشيا، سميت “مليشيا الدعم السريع”، كما تحول جهاز الأمن إلى قوة مسلحة مقاتلة.
لا توجد تعليقات
