زهير عثمان
ما يحدث في السودان اليوم ليس حربًا أهلية بالمعنى التقليدي، ولا صراعًا عابرًا على السلطة بين جيش وميليشيا
ما يجري هو عملية تفكيك ممنهجة للدولة، تُدار من الداخل وتُغذّى من الخارج، بينما يقف العالم في موقع المتفرج أو الشريك الصامت
السرديات المريحة التي تتحدث عن “إعادة تشكيل الدولة” لم تعد كافية لتفسير ما يحدث
الحقيقة أكثر قسوة , الدولة السودانية تُستبدل تدريجيًا بشبكات قوة مسلحة، واقتصاد حرب، وتحالفات أيديولوجية عابرة للمؤسسات
جيش بلا حياد… وسلطة بلا تفويض
الجيش السوداني، الذي يفترض أن يكون العمود الفقري للدولة، لم يعد يقف على مسافة واحدة من الجميع
ما نشهده هو انزلاق متسارع نحو إعادة تشكيله كأداة ضمن مشروع سياسي ضيق، تتحكم فيه شبكات أيديولوجية تسعى لاستخدام الحرب كوسيلة لإعادة إنتاج نفوذها
هذا ليس اتهامًا سياسيًا، بل توصيف لواقع يتجلى في طبيعة القرارات، والتحالفات، والخطاب
حين يصبح التفاوض تهديدًا، والحرب خيارًا مفضلًا، فنحن لا نتحدث عن مؤسسة وطنية، بل عن سلطة تبحث عن البقاء بأي ثمن
من دولة إلى “سوق حرب”
في السودان اليوم، لم تعد الدولة هي اللاعب الرئيسي.
هناك سوق مفتوح—بكل ما تحمله الكلمة من معنى—تتنافس فيه قوى مسلحة على الموارد والنفوذ، وتُدار فيه الجغرافيا بمنطق الغنيمة لا السيادة
الذهب، الممرات، المساعدات… كلها تحولت إلى أدوات في اقتصاد حرب لا يحتاج إلى نهاية للصراع، بل يستفيد من استمراره
والنتيجة هي دولة تتآكل من الداخل، ومجتمع يُدفع نحو الانهيار.
صراعات الداخل… معركة الغنيمة بدأت
حتى داخل المعسكرات التي تبدو متماسكة، تتصاعد صراعات خفية حول ما بعد الحرب
الخلافات لم تعد حول كيفية إدارة المعركة، بل حول من سيحصد نتائجها
هذه ليست تفاصيل ثانوية، بل مؤشرات على مرحلة قادمة قد تكون أكثر عنفًا، حيث تنتقل المواجهة من خطوط القتال إلى داخل مراكز السلطة نفسها
الإقليم يدخل… لا ليُنهي الحرب بل ليُديرها
السودان لم يعد ساحة داخلية
هو اليوم جزء من صراع إقليمي أوسع، تُستخدم فيه الحرب كأداة لإعادة توزيع النفوذ على ضفاف البحر الأحمر وفي عمق إفريقيا
الدعم العسكري، التحركات السياسية، وإعادة تشكيل التحالفات وهي كلها تؤكد أن السودان أصبح ملفًا في حسابات الآخرين، لا قضية تُحل لصالح شعبه
لكن الأخطر أن هذه التدخلات لا تسعى إلى إنهاء الحرب، بل إلى إدارتها بما يخدم مصالحها
العالم – غياب أم تواطؤ؟
الحديث عن “ضعف الاستجابة الدولية” لم يعد مقنعًا , ما يحدث أقرب إلى إدارة متعمدة للأزمة عبر التجاهل
في عالم منشغل بصراعاته الكبرى، يُترك السودان ليغرق، طالما أن تداعيات الأزمة لا تتجاوز حدًا معينًا من الإزعاج للمصالح الدولية
هذا ليس فشلًا فقط—بل خيار
أي سودان يتبقى؟
السؤال اليوم لم يعد من سينتصر؟ والسوال الاهم – هل ستبقى هناك دولة أصلًا؟
إذا استمر هذا المسار، فإن السودان لا يتجه نحو نهاية حرب، بل نحو تثبيت واقع جديد – بلد مُجزأ، تحكمه مراكز قوة متعددة، وتُدار موارده خارج أي إطار وطني جامع
هذه ليست نهاية مفتوحة، بل بداية طويلة لتفكك قد يصبح دائمًا , بل وفي مواجهة هذا الواقع، لا يكفي الرهان على تسويات شكلية أو ضغوط دولية مترددة
المعركة الحقيقية لم تعد على السلطة—بل على بقاء فكرة الدولة نفسها أقول بكل حزن وابحث حلول في الدنيا مع كل الاطراف , السودان اليوم لا يُعاد تشكيله… بل يُعاد تفكيكه.
zuhair.osman@aol.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم