باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الأربعاء, 4 نوفمبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
عبد العظيم الريح مدثر
عبد العظيم الريح مدثر عرض كل المقالات

السوق التي جمعت مدخرات العالم

اخر تحديث: 4 نوفمبر, 2026 6:28 مساءً
شارك

منبر نور: مقالات من بطون كتب ونبض الواقع

السوق التي جمعت مدخرات العالم

من سلسلة: فنون تصنع الثروة والحياة

مقدمة: سوق تتجاوز حدود المكان

تخيّل شركة بدأت بورشة صغيرة، ثم احتاجت إلى أموال أكبر لشراء الآلات، وتوسيع مصانعها، وفتح أسواق جديدة. كان أمام أصحابها في الماضي عدد محدود من الخيارات: أن يمولوا التوسع من أموالهم، أو يقترضوا من تاجر أو مصرف، أو يدخلوا شريكاً يعرفونه. لكن ماذا لو أمكنهم أن يعرضوا جزءاً من ملكية الشركة على آلاف المستثمرين، في مدن وبلدان مختلفة، بحيث يساهم كل واحد منهم بمبلغ يتناسب مع قدرته، ويحصل في المقابل على حصة من ملكيتها؟

هنا تظهر الفكرة العبقرية لسوق الأوراق المالية: تحويل الملكية إلى وحدات قابلة للتداول، وربط أصحاب المشروعات بأصحاب المدخرات، وإيجاد مؤسسة تنظم هذا اللقاء وتوفر المعلومات وآليات التسعير والتسوية.

لكن البورصة تحمل مفارقة تستحق التأمل: فهي تستطيع أن تمول مصنعاً يوفر آلاف الوظائف، كما تستطيع أن تتحول إلى ساحة للمضاربة التي لا تضيف إلى الاقتصاد مصنعاً واحداً. وقد تساعد المستثمر على تنويع مخاطره، وقد تدفعه إلى خسارة مدخراته إذا دخل السوق دون معرفة أو انضباط.

لذلك لا يكفي أن نسأل: كم ارتفع المؤشر؟ بل ينبغي أن نسأل: ما الذي صنعته هذه السوق للاقتصاد الحقيقي؟

أولاً: من تجمعات التجار إلى سوق رأس المال

لم تظهر البورصة فجأة في صورة المباني والشاشات والمؤشرات التي نعرفها اليوم. لقد سبقتها قرون من تطور التجارة والائتمان والتعامل في الديون والحصص التجارية.

كانت المراكز التجارية الأوروبية تشهد تجمعات للتجار والصيارفة وأصحاب الأوراق المالية، يتبادلون الأخبار والأسعار والالتزامات. ومن بين هذه البيئات تطورت أسواق منظمة في مدن مثل بروج وأنتويرب وأمستردام.

وتحتل أمستردام مكانة خاصة في تاريخ السوق الحديثة. ففي عام 1602 طرحت شركة الهند الشرقية الهولندية أسهماً للجمهور، وأصبح بالإمكان تداول حصص الملكية في الشركة بدلاً من انتظار انتهاء الرحلة التجارية أو تصفية الاستثمار. لم تكن المسألة مجرد جمع أموال لرحلة بحرية؛ بل كانت تحولاً في مفهوم الملكية ذاتها: يستطيع المستثمر أن يمتلك حصة في مشروع كبير، ثم يبيعها إلى مستثمر آخر دون أن يضطر المشروع إلى إنهاء نشاطه.

هذه النقلة هي إحدى الركائز التي قامت عليها البورصة الحديثة: فصل قدرة المستثمر على الخروج من الاستثمار عن استمرار المشروع نفسه.

ثم تطورت الأسواق في لندن، وتبلورت بورصة نيويورك عبر تجمعات التجار والوسطاء، ومن أشهر محطاتها اتفاقية Buttonwood عام 1792، التي سبقت التنظيم المؤسسي اللاحق للبورصة.

وهكذا لم تكن البورصة اختراعاً تقنياً بقدر ما كانت ابتكاراً مؤسسياً؛ فقد احتاجت إلى الثقة والقواعد والسجلات والوسطاء، ثم إلى التشريعات والرقابة وأنظمة المقاصة والتسوية.

ثانياً: الكتاب الأول — كيف وُلدت فكرة السوق الحديثة؟

في كتابه The World’s First Stock Exchange، يتتبع المؤرخ الهولندي لودفيك بيتـرام (Lodewijk Petram) نشأة أول سوق أسهم حديثة في أمستردام، ويشرح كيف تحولت أسهم شركة الهند الشرقية الهولندية إلى أداة مالية قابلة للتداول، وكيف نشأت حولها ممارسات وأدوات أكثر تعقيداً مما قد يتصوره القارئ.

والفكرة المركزية التي نستلهمها من الكتاب ليست أن أمستردام امتلكت مبنى بورصة قبل غيرها فحسب، بل أنها ساهمت في إنشاء سوق مستمرة للملكية. فالمستثمر لم يعد مضطراً إلى الانتظار حتى تنتهي دورة المشروع ليستعيد أمواله؛ إذ يستطيع بيع حصته في السوق، إذا وجد مشترياً وبسعر يقبله.

وهذه الخاصية، التي نسميها السيولة، ذات أثر اقتصادي عميق. فكلما اطمأن المستثمر إلى وجود فرصة معقولة للخروج من استثماره، أصبح أكثر استعداداً لتخصيص جزء من أمواله لمشروعات طويلة الأجل.

لكن السيولة ليست ضماناً للربح، ولا تعني أن السعر المتداول يعكس دائماً القيمة الحقيقية للشركة. إنها تمنح المستثمر إمكانية البيع والشراء، ولا تمنحه عصمة من تقلبات السوق.

ثالثاً: ماذا يحدث داخل البورصة؟

من المفيد هنا أن نفرّق بين سوق الأوراق المالية والبورصة. فسوق الأوراق المالية أوسع من مكان التداول؛ فهي تشمل المؤسسات والقواعد والوسطاء والمستثمرين وأدوات التمويل، بينما تمثل البورصة منصة منظمة للتداول في أوراق مالية محددة.

وأهم هذه الأدوات:

الأسهم: تمثل حصة ملكية في شركة. فشراء السهم يعني أن المستثمر أصبح مالكاً لجزء من الشركة، وقد يستفيد من توزيعات الأرباح أو ارتفاع قيمة السهم، لكنه يتحمل أيضاً مخاطر انخفاض السعر وتراجع أداء الشركة.

السندات: تمثل في العادة ديناً على الجهة المصدرة، سواء كانت شركة أو حكومة. ويشتري المستثمر السند مقابل عائد وفق شروط الإصدار، مع تحمل مخاطر الائتمان والتغير في أسعار الفائدة والتضخم.

الصكوك: أدوات تمويل متوافقة مع هياكل شرعية محددة، ترتبط بحسب هيكل الإصدار بأصول أو منافع أو مشروعات، وتختلف حقوق أصحابها ومخاطرها باختلاف العقد المستخدم.

الصناديق الاستثمارية والصناديق المتداولة: تتيح للمستثمر شراء وحدات تمثل استثماراً في مجموعة من الأصول، بدلاً من وضع كل أمواله في شركة واحدة. وهي وسيلة مهمة للتنويع، لكنها لا تلغي مخاطر السوق.

وهنا نصل إلى تمييز بالغ الأهمية بين سوقين:

السوق الأولية هي التي تصدر فيها الشركة أسهماً جديدة أو تطرح سندات للحصول على تمويل. في هذه الحالة تدخل حصيلة الإصدار إلى الجهة المصدرة، بعد خصم التكاليف والالتزامات ذات الصلة.

أما السوق الثانوية فهي التي يتداول فيها المستثمرون الأوراق المالية القائمة فيما بينهم. فإذا اشترى شخص سهماً من مستثمر آخر في السوق الثانوية، فإن ثمن الصفقة يذهب عادة إلى البائع، وليس إلى الشركة التي أصدرت السهم.

وهذا لا يعني أن السوق الثانوية عديمة الفائدة للشركة. فهي توفر السيولة للمستثمرين، وتساعد على اكتشاف الأسعار، وتمنح المستثمر فرصة للخروج، وقد تجعل الإصدارات الجديدة أكثر جاذبية في المستقبل. لكن ينبغي ألا نخلط بين تداول الأسهم القائمة وبين دخول أموال جديدة إلى خزائن الشركات.

إن هذا التمييز وحده يصحح فهماً شائعاً: ليس كل مبلغ يتداول في البورصة تمويلاً جديداً للإنتاج.

رابعاً: الكتاب الثاني — لماذا لا تكون البورصة دائماً على حق؟

في كتابه الشهير A Random Walk Down Wall Street، الذي صدر أول مرة عام 1973، يقدم الاقتصادي الأمريكي بيرتون مالكيل (Burton G. Malkiel) قراءة واسعة لطبيعة الأسواق المالية، وكيف تتكون الأسعار، وما حدود قدرة المستثمر على التنبؤ بحركتها.

ومن أبرز الأفكار التي يناقشها الكتاب أن أسعار الأوراق المالية تعكس قدراً كبيراً من المعلومات والتوقعات المتاحة للمشاركين في السوق، ولذلك يصعب على المستثمر أن يتفوق باستمرار على السوق بمجرد متابعة الأخبار أو البحث عن نمط سحري في حركة الأسعار.

لا يعني ذلك أن الأسعار صحيحة دائماً، أو أن الأسواق لا تعرف الفقاعات والأخطاء. بل إن تاريخ الأسواق مليء بفترات اندفاع جماعي نحو أصول ارتفعت أسعارها لأن المشترين توقعوا أن يشتريها آخرون بأسعار أعلى، لا لأن قيمتها الاقتصادية تبرر ذلك.

وهنا تظهر أهمية التمييز بين الاستثمار والمضاربة. المستثمر يشتري أصلاً بناءً على تقدير لعائده ومخاطره وآفاقه المستقبلية، أما المضارب فقد يركز على تغير السعر خلال فترة قصيرة. ولا تكون المضاربة بالضرورة مخالفة للقانون أو عديمة الفائدة؛ فهي قد توفر سيولة وتساعد على تداول المعلومات. لكن عندما تتحول إلى اندفاع جماعي ممول بالديون، أو تقوم على التضليل والتلاعب، فإنها تصبح خطراً على المستثمرين والسوق والاقتصاد.

ويذكّرنا مالكيل أيضاً بأهمية التنويع. فبدلاً من وضع المدخرات كلها في سهم واحد أو قطاع واحد، يستطيع المستثمر توزيعها على أصول متعددة، بما يقلل أثر تعثر شركة أو نشاط بعينه. غير أن التنويع لا يزيل المخاطر العامة التي تصيب السوق بأكمله.

والدرس الأهم من الكتاب أن السوق ليست آلة تمنح الأرباح لمن يراقب شاشتها أكثر من غيره. إنها بيئة احتمالات ومعلومات ومخاطر، ويحتاج التعامل معها إلى معرفة وانضباط وصبر.

خامساً: كيف تجذب البورصة رؤوس الأموال من العالم؟

من أهم التحولات في الأسواق الحديثة أن المستثمر لم يعد محصوراً في بلده أو مدينته. فالمؤسسات الاستثمارية وصناديق التقاعد وشركات التأمين والصناديق العالمية والأفراد يستطيعون، وفق القواعد المنظمة، توجيه أموالهم إلى أسواق وشركات خارج حدودهم.

وهذا يفتح أمام الشركات فرصاً أوسع للحصول على رأس المال. فقد تلجأ شركة إلى طرح أسهمها لجمهور المستثمرين، أو إلى إصدار سندات، أو إلى إدراج أسهمها في سوق تتمتع بقاعدة مستثمرين أوسع. وقد تستخدم الشركات الكبرى أدوات مثل شهادات الإيداع الدولية للوصول إلى مستثمرين في أسواق أخرى، بحسب القواعد المعمول بها.

لكن جذب رأس المال العالمي لا يحدث لمجرد فتح باب التداول. المستثمر الأجنبي يبحث عن معلومات موثوقة، وحقوق ملكية قابلة للحماية، وقواعد واضحة، وإمكانية تحويل الأموال، ونظام ضريبي مفهوم، ومؤسسات مستقلة، وسوق يستطيع الخروج منها عند الحاجة.

وتشير بيانات اتحاد البورصات العالمية إلى أن القيمة السوقية للأسهم المدرجة عالمياً بلغت نحو 151.94 تريليون دولار في نهاية عام 2025، مع نمو ملحوظ خلال ذلك العام. وهذه القيمة تمثل القيمة السوقية للشركات المدرجة، وليست مبلغاً جديداً ضُخ كله في الشركات خلال السنة؛ فارتفاع القيمة السوقية قد ينتج عن ارتفاع أسعار الأسهم القائمة، وليس عن إصدار أسهم جديدة.

وهنا ينبغي أن ننتبه إلى الفرق بين ثلاثة أرقام كثيراً ما تختلط: قيمة الشركات في السوق، وقيمة التداول اليومي أو السنوي، وحجم الأموال الجديدة التي جمعتها الشركات والحكومات من الإصدارات. لكل رقم معنى اقتصادي مختلف.

سادساً: متى تصبح البورصة أداة للتنمية؟

تستطيع سوق رأس المال أن تؤدي دوراً مهماً في التنمية عبر قنوات متعددة.

أولها تمويل التوسع الإنتاجي. فالشركة التي تحتاج إلى إنشاء مصنع جديد أو تطوير تقنية أو زيادة طاقتها الإنتاجية يمكنها جمع رأس المال من المستثمرين بدلاً من الاعتماد الكامل على القروض المصرفية.

وثانيها تمويل المشروعات طويلة الأجل. فالسندات والصكوك، إذا صممت على أسس سليمة، يمكن أن تتيح تمويل البنية التحتية والطاقة والنقل والخدمات، مع توزيع الالتزامات والعوائد على آجال مناسبة.

وثالثها تحسين الحوكمة. فالشركات المدرجة مطالبة عادة بدرجة أعلى من الإفصاح والشفافية، وتخضع لمتطلبات تتعلق بالقوائم المالية والإعلانات الجوهرية وحقوق المساهمين. وقد يؤدي ذلك إلى تحسين الإدارة وتقليل مساحة القرارات غير المنضبطة، وإن لم يمنعها بصورة مطلقة.

ورابعها تعبئة المدخرات. فبدلاً من بقاء المدخرات معطلة أو محصورة في أوعية محدودة، تستطيع الأسواق المنظمة أن تتيح قنوات متنوعة للاستثمار، بما يساعد على توجيه جزء منها نحو الشركات والمشروعات.

لكن كل ذلك مشروط بوجود اقتصاد قادر على الإنتاج، وشركات لديها خطط قابلة للتنفيذ، ومؤسسات قادرة على الرقابة، وقانون يحمي الحقوق. فالبورصة لا تصنع النجاح من العدم، ولا تحول الشركة الضعيفة إلى شركة ناجحة بمجرد إدراج أسهمها.

سابعاً: الوجه الآخر — عندما تصبح البورصة مصدراً للخطر

إن القوة التي تمنح البورصة قدرتها على تعبئة الأموال هي نفسها التي تجعل اضطرابها مؤثراً في الاقتصاد.

أول المخاطر هو تقلب الأسعار. فقد تنخفض قيمة الأسهم لأسباب تتعلق بأداء الشركة، أو بظروف القطاع، أو بتغير أسعار الفائدة، أو بالخوف العام، أو بأحداث سياسية واقتصادية لا تملك الشركة السيطرة عليها.

وثانيها الفقاعات السعرية، عندما ترتفع أسعار الأصول بعيداً عن الأسس الاقتصادية، ويشتري الناس بدافع الخوف من تفويت الفرصة، ثم يندفعون جميعاً إلى البيع عند ظهور أول إشارة سلبية.

وثالثها الرافعة المالية، أي استخدام الاقتراض لزيادة حجم الاستثمار. فهي تضاعف المكاسب المحتملة، لكنها تضاعف الخسائر أيضاً، وقد تجبر المستثمر على بيع أصوله في وقت غير مناسب إذا عجز عن الوفاء بالتزاماته.

ورابعها التلاعب والمعلومات الداخلية. فإذا استطاع بعض المتعاملين التأثير في الأسعار بصورة مصطنعة، أو استغلال معلومات جوهرية غير متاحة للجمهور، فقدت السوق عدالة المنافسة وتضررت ثقة المستثمرين.

وهناك مخاطر أخرى تتعلق بضعف السيولة، وتقلب العملات، والاختراقات الإلكترونية، وتعثر الوسطاء أو مؤسسات التسوية، وانتقال الأزمات بين الأسواق. وقد تتضخم هذه المخاطر عندما تكون المؤسسات المالية مترابطة بدرجة تجعل تعثر جهة كبيرة مؤثراً في جهات أخرى.

لهذا لا يمكن أن تقوم سوق مالية سليمة على حرية التداول وحدها. إنها تحتاج إلى رقابة مستقلة، وإفصاح دقيق، ومراجعة حسابات موثوقة، وقواعد تمنع التلاعب، ونظام فعال للمقاصة والتسوية، وآليات لحماية المستثمرين، ولا سيما صغارهم.

ثامناً: ماذا يمكن أن تعني البورصة لإعادة بناء السودان؟

في اقتصاد يحتاج إلى إعادة بناء مؤسساته ومنشآته وقطاعاته الإنتاجية، يمكن لسوق رأس المال أن تصبح إحدى أدوات تعبئة الموارد، لكن ليس باعتبارها حلاً سريعاً أو بديلاً عن الإصلاح الاقتصادي.

توجد مدخرات محلية ومدخرات للمغتربين، كما توجد شركات ومشروعات يمكن أن تحتاج إلى تمويل طويل الأجل. ويمكن، في مرحلة مناسبة، تصميم أدوات لتمويل قطاعات إنتاجية مثل الزراعة والصناعات الغذائية والتعدين والطاقة والنقل والإسكان، وفق دراسات جدوى واضحة، وهياكل تمويل قابلة للرقابة.

ويمكن أن تتيح سوق منظمة للمستثمرين السودانيين في الخارج فرصة المشاركة في ملكية شركات ومشروعات وطنية، بدلاً من اقتصار مساهماتهم على التحويلات والاستهلاك. كما يمكن للسندات والصكوك الموجهة إلى مشروعات محددة أن تساعد في تمويل بعض احتياجات البنية التحتية، إذا توافرت شروط الإفصاح والضمانات والحوكمة.

غير أن الطريق يبدأ قبل إنشاء شاشة التداول. يبدأ باستقرار نقدي ومالي نسبي، وبيئة قانونية تحمي الملكية والعقود، ومؤسسات مالية قادرة، وحسابات شركات قابلة للمراجعة، وسلطة رقابية مستقلة، ونظام مدفوعات وتسوية موثوق، وسياسات واضحة بشأن تحويل الأرباح ورؤوس الأموال.

ومن المهم أيضاً ألا تتحول السوق إلى نافذة لبيع أصول عامة أو خاصة بأثمان غير عادلة تحت ضغط الحاجة إلى السيولة. فإعادة الإعمار لا تعني التفريط في الأصول، بل تعني تقييمها بشفافية، وتحديد أفضل طريقة لاستثمارها، وتوزيع المنافع والمخاطر بصورة عادلة.

إن السوق المالية التي يحتاج إليها السودان ليست سوقاً يرتفع فيها المؤشر بضعة أيام، بل مؤسسة تستطيع أن تربط المدخرات بمشروعات منتجة، وتمنح المستثمر حقوقاً واضحة، وتوفر للاقتصاد تمويلاً طويل الأجل.

تاسعاً: فكرة منبر نور — من مؤشر الأسعار إلى مؤشر رأس المال المنتج

بعد قراءة بيتـرام ومالكيل، نخرج بفكرة ثالثة: لعل الخطأ الأكبر في تقييم البورصات هو الاكتفاء بمراقبة المؤشر العام، والقيمة السوقية، وحجم التداول، وكأن ارتفاع هذه الأرقام يعني بالضرورة أن الاقتصاد أصبح أكثر إنتاجاً.

نقترح أن نضيف إلى مؤشرات السوق التقليدية مفهوماً نسميه «مؤشر رأس المال المنتج».

هذا المؤشر لا يسأل فقط كم ارتفعت أسعار الأسهم، بل يسأل: كم من الأموال الجديدة وصل فعلاً إلى الشركات؟ وما نسبة ما وُجه منها إلى الاستثمار الرأسمالي والتوسع الإنتاجي؟ وكم مشروعاً جديداً بدأ؟ وكم فرصة عمل أُنشئت؟ وهل تحسنت إنتاجية الشركات وحوكمتها؟ وهل تمكنت المشروعات الصغيرة والمتوسطة من الوصول إلى التمويل؟ وما مدى استدامة العوائد؟

قد ترتفع سوق الأسهم في فترة معينة بفعل المضاربات أو توقعات المستثمرين، بينما لا يتغير حجم الإنتاج أو التشغيل. وقد تكون سوق أخرى أقل صخباً، لكنها تمول شركات توسع مصانعها وتزيد صادراتها وتخلق وظائف جديدة.

ومن هنا فإن نجاح البورصة لا ينبغي أن يقاس فقط بما يربحه المتعاملون في الشاشات، بل بما تضيفه إلى الاقتصاد خارج الشاشات.

هذه الفكرة لا تلغي المؤشرات المالية المعروفة، وإنما تكملها بمقياس تنموي يربط أداء السوق بأثرها في الاقتصاد الحقيقي. وهي تصلح لأن تكون مدخلاً لدراسة دور سوق رأس المال في إعادة بناء الاقتصادات التي تحتاج إلى تحويل المدخرات إلى طاقة إنتاجية.

خاتمة: البورصة ليست الثروة، بل طريق محتمل إليها

لقد ابتكر الإنسان البورصة ليحل مشكلة اقتصادية عميقة: كيف نربط صاحب المال بصاحب المشروع، وكيف نمنح المستثمر فرصة المشاركة والخروج، وكيف نوزع المخاطر، وكيف نجعل الملكية قابلة للتداول؟

وقد نجحت هذه المؤسسة في تعبئة رؤوس أموال هائلة، وأسهمت في نمو شركات وصناعات وأسواق، لكنها كشفت أيضاً أن المال حين يتحرك بلا قواعد كافية قد يتحول من قوة للبناء إلى قوة للاضطراب.

إن البورصة في جوهرها فن مؤسسي يقوم على الثقة والمعلومة والانضباط والحوكمة. وهي لا تصبح أداة للتنمية لمجرد أن أسعار الأسهم ترتفع، بل عندما تصل الأموال إلى مشروعات قادرة على الإنتاج، وتعود المنافع على المستثمرين والعاملين والمجتمع.

وربما تكون العبارة التي تختصر رحلتنا هي:

ليست أعظم بورصة هي التي تتداول فيها أكبر الأموال، بل التي تستطيع أن تحول أكبر قدر من المدخرات إلى إنتاج وفرص عمل وثروة مستدامة.

مراجع المقال

  1. Lodewijk Petram, The World’s First Stock Exchange: How the Amsterdam Market for Dutch East India Company Shares Became a Modern Securities Market, 1602–1700, Columbia University Press, 2014، 304 صفحات.
  2. Burton G. Malkiel, A Random Walk Down Wall Street, first published 1973، وتوالت طبعاته المنقحة؛ تختلف أعداد الصفحات
  3. عبد العظيم الريح مدثر

مؤسس منبر نور البحثي

sanhooryazeem@hotmail.com

Author
عبد العظيم الريح مدثر

عبد العظيم الريح مدثر

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
المليشيات بين “الأحضان” والدمج “الكيري”
منبر الرأي
إريتريا: من حلم العودة في 1991 إلى كابوس المنفى المفتوح
منبر الرأي
الشيوعيون وحزبهم ..!! بقلم: نور الدين عثمان
منبر الرأي
طائر الشؤم الأمريكي ينثر فضلاته على رمال الخليج البيضاء! .. بقلم: مجدي مكي المرضي
بيانات
بيان من هيئة محامي دارفور حول هجوم مليشيات النظام علي معسكر خمسة دقائق بزالنجي

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

وشهد شاهد منهم .. بقلم: نورالدين مدني

نور الدين مدني
منبر الرأي

لغة السلطة

صباح محمد الحسن
منبر الرأي

الدكتور مضوي إبراهيم و العدالة المفقودة .. بقلم: زين العابدين صالح عبد الرحمن

زين العابدين صالح عبد الرحمن
منبر الرأي

بعض من مطالبنا العاجلة .. بقلم: سهير شريف ـ لندن

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss