هذا المقال، لا يطرح حلولاً للحرب الدائرة الآن في السودان ولا لأزمة الدولة فيه، الحلول طرحتها بتفصيل في كتابي تحت عنوان “الكتاب المفتوح وعلى المكشوف، الطريق إلى وقف الحرب في السودان وبناء دولة الحرية والسلام والعدالة” والذي صدر قبل تسعة أشهر عن دار نفرتيتي للنشر والدراسات والترجمة، لكني هنا أشير إلى مداخل ومؤشّرات تستحق أن يتبناها الباحثون عن حلول شافية. لقد ظلّ الوضع المقلوب في السودان، مهيمناً في حياتنا، حيث عدم الاستقرار هو الأصل وغيره استثناء. من حين لآخر تشتعل الحرب هنا وهناك وهي التي ما زالت مستمرة، وهي عبارة تعكس عقوداً من المشهد الحزين. ولعله إذا كان السودان جسداً واحداً، من الطبيعي أن يتألم سائر الجسد بنير الآلام الناتجة عن اشتعال الحرب في جزء منه، لتقود الآلام إلى البحث عن شفاء، ولكن لم يكن ذلك هو الواقع وكأن فواصل جامدة وخلايا ميّتة تفصل بين أعضاء هذا الجسد. فإذا ما خلصنا إلى أن كل تلك الجهود المقدرة التي بُذلت لم تحقق الاستقرار، ذلك يعني أن المسألة في حاجة إلى وقفة مغايرة وتفكير أكثر عمقاً وبحوثاً أعمق وإرادة مختلفة وقدرة على تجرّع الكثير من المرارات لتجاوز العَصِي من الغبن المتأصّل المتنامي المتجدد.
نحن السودانيين، وضعنا أنفسنا على صفيح ساخن، نحن من أشعل النار تحته، والحال كذلك، ليس من مفر إلا أن نمشي عليه ونكتوي بحرارته، لعلها تدفعنا إلى الخوض في المعالجات مرغمين ومهتدين بالإرث البشري الذي يقوم على الاختيار بين خيارين هما البقاء أو الفناء، ولا أحسب أن أحداً يريد الخيار الثاني (الفناء) وإن فرضت معطياته الظهور في أحايين كثيرة، بيد أن الخيار الأول (البقاء) يعني تفعيل إرادة العقلانية والحِكمة والواقعية، وتجرّع سمّ الحلول الشافية رغم مرارتها، بإدراك ومراعاة أن هناك أجيالاً نترقّب ولادتها وأخرى ستأتي تباعاً، من حقّها عندما تأتي، أن ترث وطناً معافاً تعيش فيه، وبإدراك أننا اليوم لماماً من شعوب في وطن أحلناه بأفعالنا، محط سخرية العالم واستهجانه، حيث يفيق من حين إلى آخر على طبول حروب نشعلها لقتل بعضنا البعض، موفرين بذلك مسوغات مجانية للراغبين لتزويد أطرافنا المتحاربة بمعينات استمراريتها. نحن عاجزون عن التعامل مع حقيقة أن ليس كل العالم وردي الوجدان. العالم لا يضعك ولا ينظر إليك إلا من خلال ما ترسمه لنفسك وحيث تختار بأفعالك، موضعك بين الأمم، وهكذا نشهد السودانيين سلعاً مطروحة للبيع في مزادات الذل.
مأساتنا في السودان ليست في حكومة ما وأفعالها، بل هي أعمق من ذلك بكثير، بدليل تبدّل الحكومات، لكن المأساة نفسها تبدو في ثوب جديد في كل مرة، لأن العلّة فينا أفراداً وجماعات. هيمنت الحكومات العسكرية على أكثر من 80% من فترات الحكم عقب الاستقلال، تلخّصت حقيقتها في انعكاس العقيدة المختلّة أو المجافية لما ينبغي أن يكون عليها منسوبوها في حماية الشعب والوطن، ربما يمكننا الإشارة إلى أن حقيقة اختلالها تجسّدت مراراً في المواقف التي وقفها عسكريون قلائل مناقضون لهذه العقيدة ومصطفّون إلى جانب رغبة الشعب حين لم يكن هناك بد إلا أن يختاروا بين أمرين أحلاهما مر، وهما إمّا أن يقتلوا الشعب كما تأمرهم بذلك قياداتهم الحاكمة أو يَحْكُم القانون العسكري عليهم بالقتل. ذلك ليس انعكاساً لحقيقة العسكرية وإنما انعكاساً أعمقاً لوجدانيات البعض منّا في النظر إلى السلطة وممارستها، عسكرية كانت أو مدنية بمفاهيم عوجاء تقوم على تمايز الانتماء واحتكار المواطنة، بيد أننا شهدنا تجلّيات عنفوان النتائج أكثر في ظل الحكومات العسكرية بحكم طبيعة المؤسسة والأدوات المستخدمة.
خلال 70 عاماً بعد الاستقلال، فقدنا أكثر من ثلاثة ملايين من الأرواح في حروب داخلية بيننا، تحت شعارات مشاكسة لبعضها البعض، حرية، تهميش، كراهية، عنصرية إثنية، شريعة إسلامية، شيوعية، اشتراكية، عرب، أفارقة، أولاد بلد، غرابة ومعها سلسلة ترفّع واهية بأسماء ما يقارب من ستمائة قبيلة، حوّلنا حتمية تعارفها الإيجابي إلى تنافر سافر، وأثبتنا قدرة في العجز على تطويع التنوع وترويض الثنائيات. شعارات كثيرة بتناقضاتها لم يتحقق أيُ منها، لأننا عجزنا عن أن نضعها في سياقات المعالجة السليمة.
نحن ما زلنا عاجزون عن أن ندرك أنه ليس من بين الملايين الثلاثة الذين فقدناهم في حروبنا مع بعضنا من هو أعز من الآخر، وأن من يريد أن يُعزّ البعض على حساب الآخر فهو يهزم شعار العدالة الذي يرفعه. نحن بارعون في إنتاج الفضيلة ثم أخذها إلى المقصلة ومن ثم تشيعيها وتأبينها بالدموع، إذ بينما تنتقل الأوطان بثبات وثقة وعزيمة نحو التطور، اقتداءً بأثر من سبقوهم، نتسابق نحن أفراداً وجماعات نحو من يستأثر أكثر بمقدّرات الوطن للوصول إلى درجة الاحتكار والاعتكاف في قمقمه. نحن أيضاً نغفل أنه من المحال تبنّي مبدأ حِفظ المروءة في حضرة الجشع، إذ حين يتنفّس الجشع تختنق المروءة.
من منظور آخر وأوسع لما حولنا من أقاليم ضمن العالم المتمدد، ما زلنا نغض الطرف عن حقيقة أننا نعيش في عالم، القوة هي المهيمنة فيه على صكوك إدارة الملفات عبر الأقطار، حيث المصالح هي الأهداف المتحرّكة. فالعالم وإن تسمّى بالبشرية والإنسانية، فالجانب المظلم من ممارساته يتجلّى ويتجسّد في الأفعال حين يغيب قمر الأخلاق ومن طبع القمر في كوكبنا أنه يغيب ويهل، تبقى الحقيقة في كيفية قدرة الأمم على إدارة شؤونها في فترات الغياب، وهذا ما لم نبلغه بعد. العالم ينظر إليك ويتعامل معك من خلال الحجم الذي اخترته وأردت به أن تضع نفسك بين الأمم من حيث النماء والتطور والقوة والقدرة على المناورة في مسارات حادة التعرّج، ولكنك لن تقوى على مجابهة تحديات التعامل مع العالم الآخر حين تقهر حكوماتك الشعب الذي هو رصيد قوّتها بشكل مباشر في التنافس على الهيمنة على السلطة والاستفراد وبشكل غير مباشر في الانقلاب على العدالة في المواطنة المتكافئة حين تقترب.
الحرب هي لغة العاجزين في المنطق وإن امتلكوا القوّة والاتفاق يعني الالتقاء عند المفترق من أجل السير معاً في اتجاه واحد، هي محطة باكرة وضرورية للسير نحو معالجة أزمة الدولة في السودان. السلام ورتق النسيج المجتمعي يعنيان، أن أحافظ على سلامتك وأن تحافظ على سلامتي وأن نحافظ معاً على سلامة المجتمع وتحافظ الدولة على سلامة الجميع. السلام لم يكن يوماً عصيّاً على التطويع، لكننا نصر على أن نكون عاصين على التفاعل مع مقتضياته وبذلك نخلق فارقاً بين الحالة عندنا والحالة عند الغالب من شعوب الأمم الأخرى، إذ بينما نبحث نحن عن السلام المفقود، يبحثون هم في تعزيز وتحسين الموجود، لذلك، ما زلنا عالقين في شراك الأسباب وبعيدين عن الانطلاق إلى الاستتباب.
الشعور بوحدة الانتماء لبعضنا البعض، هو الطريق إلى الوجدان الواحد والذي سيتحوّل إلى الهوية الواحدة والتي ستقود إلى المواطنة الواحدة والتي ستنعكس في تجسيد روح الانتماء للوطن والتي ستقود إلى الوحدة الوطنية والتي ستحوّلنا من مجموعة شعوب متنافرة في دواخلها إلى أمّة تعمل على الحفاظ على وطن واحد قابل للبقاء والتطور. لا يمكن بلوغ هذا المرتقى ونحن وطوال مئة عام، نروي شجرة الفرقة لتنمو ويقوى جذعها وعندما تبلغ مرارة ثمارها ألسنة الجميع، نتسابق إلى محاولة قصقصة أطراف فروعها ظنّاً منّا بأن الصفق الجديد هو ما يزوّد الثمار بالمرارة، وهنا أعني كيف أننا فقط في كل مرة حينما يحين موعد يستوجب طرح أزمة الدولة في السودان على طاولة المعالجة الشافية، نفتعل أزمات فرعية لننتج افرازات وتداعيات جديدة نتمسّك بها ونتعامل معها فقط لتجاوز مرارة الطعم على اللسان، اعتقاداً بأن ذلك يمكّننا من ازدراد الأزمة الأساسية. لقد بلغنا بهذه الحرب مبلغاً من انتاج الافرازات والتداعيات ما يجعلها مكافئة من حيث الوزن للأزمة الأساسية نفسها، وبات من الضرورة بمكان الإتيان بحلول أقل ما يمكن وصفها بأنها سحرية، حلولٌ تربط بين محو آثار الإفرازات والتداعيات وتفكيك أس الأزمة ومعالجتها. محتاجون إلى صنفرة الوجدان لإزالة ما هو عالق بها من نفور. يجب إدراك حقيقة أنه لن يتجاوز السودانيون منصّة شتات شعوبه إلى مرتبة الأمّة لطالما بقي معيار المواطنة مختلاً في الوجدان قبل الإعلان.
رغم الحقيقة التي ختمتُ بها الفقرة السابقة، أجد الحال الذي نحن فيه الآن يدفعني، أن أطرح تساؤلاً محورياً هو، هل السودان اليوم في حاجة إلى القصاص من أجل الانتقام والتشفّي، أم في حاجة إلى العدالة الانتقالية والعفو المشروط اللذان يقودان إلى التعافي؟ وأنا أطرح هذا التساؤل، أجد أنه من الحكمة أيضاً أن أطرح مفهوماً أرادف به التساؤل، لعله يرنّ في مسامع الواقعية لدينا، بأن العفو هو أَقْسَى درجات القصاص، لأنه يُجسِّد العقوبة الحيّة والمؤلمة التي ستُلازم مُرتَكِب الجُرْم طوال حياته إذ هو يمشي بين الناس، لماذا لا يمكننا وضع هذا المفهوم في سياقه الأكثر فاعلية؟ إجاباتكم للتساؤلات ستُحدد ما إذا كُنت هنا أخاطب بشراً من لحم ودم، أو أنني مجرّد غارقٌ في أحلامِ يقظةٍ أخاطب جلاميد صخورٍ صمّاء، حيث ستمضي الشجرة تنمو.
عبد الجبار دوسة
17/3/2026م
jabdosa@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم