الشرطة والأجهزة الأمنية: سنتان زيرو إنجاز وهاهُم يتداعون ليحكمونا مرّةً أخرى. .. بقلم: شرطه م محمد عبد الله الصايغ


وهكذا على بعد عامين تبقّى الشرطه في القبضه الحديديه للأجهزه العسكريه ويبقى جهاز الأمن الداخلي في علم الغيب ويبقى جهاز الامن والمخابرات رطباً فتيّاً كيومِ تركهُ البشير.
يستمر التنوير والأُعطَيات لقوات الشرطه منذ بداية الإنتقاليه تنوير وعطاء من لا يملكون فصاروا يملكون بقوة البندقيه وتراخي وانحناء من يملكون بموجب الوثيقه وبموجب تفويض الشعب مالك زِمام الأمر.. وصاروا يملكون لأنّ قيادات الشرطه تظلُّ باقيه منذ عهد البشير فمنها ما يدينُ بدين البشير ومنها من يرمي إلى تمضية ما تبقّى من سني خدمته في دِعَةٍ ثم يَخلَد لما يدُرّهُ المعاش من خيرٍ وفير.
لم يفارق همنا أبداً محطة الكرامه الإنسانيه إذ أننا نؤمن انّهُ لا حياةَ للبشر بغيرِ كرامه وذلك ينسحبُ على المؤسسات التي يكوّنُها البشر وهذه تكونُ أدعى للعملِ على ترسيخ هذا المبدأ لها أو عليها.

نحنُ نعلمُ أنّ جهاز الشرطه قد حيل عمداً بينَهُ وبين ركب الثوره شأنَهُ شأن كل أجهزة الدوله الأخرى ونحنُ نتعثّر لاكثر من عامين في أوحالِ عدم النُضج الذي وَسَمَ من تسلّطوا علينا من التوليفه المدنيه والعسكريه والمليشياويه.

في ابريل ١٩٨٥ عندما تحركت مواكب أطباء السودان ( المهيبه )وهي تتخطّى بوابات مستشفى الخرطوم إلى فضاءات شارع القصر الرحيبه لتتجه شمالًا لقلب الخرطوم تحرّكت قوات الشرطه متقدّمةً تجاهها وعندما اقتربت منها جلس كل الأطباء على رصيف الشارع في غيرِما هرجٍ او إرتباك فتراجعت الشرطه ولم تتعامل مع جموعهم بل ظلت تحرُس تقدّمهم وجلوسهم التكتيكي وكنا نتابع عبر راديو النجده كل ما كان يدور فنمتلئُ فخراً بالمؤسستين الاطباء والشرطه.

بعد الخامس والعشرين من اكتوبر رأينا عجباً في الشارع السوداني اعتقدنا انه صار إلى أضابير التاريخ المؤلم. كنت قد كتبتُ مراراً عن اشغال الشرطه العمليه والتي في جزءٍ منها تهتم بكيفية التعامل مع احداث الشغب والمواكب السلميه وغير السلميه حيثُ يبدأُ الأمر من مخزن تسليح القوه ليتم استلام كل شرطي لبندقيته بالرقم وعدد الذخيره المصروفه له لتُستعاد بعد نهاية المهمه برقمها وعدد الذخيره حسبما تمّ صرفهُ. أيّ ذخيره ناقصه يتم فتح مجلس تحقيق فيما يليها وكذلك كانت تُحسَب علب الغاز المسيل للدموع عند الخروج وعند الإعاده ويتم تقييم الوضع استناداً على ذلك. حسب القانون يتشكّل بلتون الشغب من ثلاثين فرداً في مقدمته تسليح بعِصي ودرق يليه حَمَلَة الغاز المسيل للدموع ثم بعد ذلك حَمَلَة السلاح الناري وعلى رأس القوه ضابط خريج كلية الشرطه يعلم بدقّه ماذا يفعل والكل يعلم حدود سلطاته ولم تكن عقيدته تختلف عن عقيدة من يتعامل ضدهم فالمشروع الوطني ظلّ واحداً وقبل خروج القوات يتم تنويرها بواسطة القاده وتذكيرهم بقواعد الإنسانيةِ وبحدود القانون. القاضي ، وكيل النيابه الان ، كان اهم رقم في هذا التشكيل يقوم بمكبّر الصوت بأمر التجمع بأن يتفرّق لعدّة مرات. وعندما يأمر باستعمال القوه يتدرّج ذلك ، بأمرِهِ ، ايضاً. لم يكن رفض الضابط الخروج بقواته لعدم حضور القاضي مما يُصنّف بمخالفة التعليمات فقد حدث ان رفض زملاء الخروج عندما تأخر القاضي رغم ان الأمر كان يقتضي السرعه ولم يشكّل ذلك اي مخالفه.

لم يكُن ليُسمح بوجود اية قوات اخرى تتشارك مع الشرطه مسرح الأحداث. ما حدث بُعَيد إنقلاب اكتوبر ٢٥ كان مثار تساؤلات فقد رأينا عجبًا. رأينا افراداً باللبس المدني وجوههم مقنّعَه في سيارات يرتدي افرادها الزي الرسمي. وراينا عربات تجوب الشوارع في سرعةٍ كبيره وتطلق الغاز في كل الاتجاهات ورأينا إخرين باللبس المدني يحملون السلاح ورأينا أفرادا يصوبون أسلحتهم نحو أهدافٍ بشريه دونما مراعاةٍ للقوانين التي تحكم هذا النوع من الأداء ورأينا أشخاصًا على اسطُحِ العمارات المُطِلّه وظللنا نسمع لعلعة الرصاص بلا توقفٍ او أنقطاع ورأينا تساقط الشهداء وغياب الاسعاف بل وعرقَلة إسعاف المصابين. إنّ ما حدث قطعاً يجعل الموت نتيجه راجحه وليست محتمله وهو ، قطعاً ، ما رمى إليهِ مطبخ القرار.

أين كانت غرفة عمليات هذه القوات ومن كان يجلس وراء إدارتها؟ هل كان شرطياً ام غيرُ ذلك؟من سمح بكل هذا الهرَج والتلاعب بأرواح الناس وتصيُّدِها رخيصةً في إطار مشروع القتل المستمر لوأد ثورة السودان؟ اين كانت القيادات الشرطيه المنوط بها حفظ الأرواح ؟ نحن نشهد بأن كل المواكب التي خرجت لم تجنح للتخريب او الأذى بل كان كلّ منسوبيها في اعلا مستويات المسؤوليةِ والوطنيةِ والرُّقي.

ستظل الفتره الانتقاليه منذ بدايتها حتى الأحداث الاخيره عارٌ على كلّ من أوكِلَ اليهم أمرنا من المدنيين الذين ما أهمهم غير مشاحناتهم وتشاكسهم وتحاصصهم وتغليب مصالحهم. لم يكن في أجندتهم الوطن وإصلاح حاله وحال مؤسساته خاصّةً الأمنيه. سيظل بقاء الشرطه حتى الآن بهيأتها الانقاذيه وتخلّي رئيس الوزراء عنها وعن كل ما يتصل بها وصمة عارٍ في جبين مدنيينا الذين اداروا الإنتقال أفرادًا واحزاب. لم يلتفتوا إلى ما ظللنا ننصح به والآن يعودون ( ونفسهُم فاتحه ) ليحكمونا مرّةً أخرى. اما نحنُ فسنظلُّ نحفِرُ في الجدار فسودان الغد ليس حكرًا إلّا على الشباب الوضيئ الذي قام بهذه الثوره والخُلّص من أبنائهِ.

melsayigh@gmail.com


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 شارك