Sudanile-Logo-SQ

الشفشفة : أقدم مهنة بدائية في السُودان الرعوي

الشفشفة (الإغتنام أو القتال بحثاً عن الغنيمة والسلب المُسلح) pillage ، إلى جانب (٢) السُخرة , (٣) الإسترقاق enslavement , (٤) الدعارة أو الرق الأبيض وصناعة الخمور المحلية في السُودان.

إلخ مِهن القنانة المُسلحة وغير المسلحة ، التي تكتسب خُصوصيتها من عصر الرق الجماعي في (1505).

هي أقدم ثلاثة مهن بدائية مُرتبطة بمُجتمعات تتداخل انساقها الثقافية بين التراكم التجريبي لماقبل الإستعمار ومابعده. مجتمعات تحتفظ بنمط الإنتاج البدائي المشاعي داخل واقع الحداثة الكولونيالية نفسها.

غض النظر عما إذا كانت تلك المجتمعات (المانوية) بتعبير فانون ، رعوية أو فلاحية أو مُجتمعات بدائية من الدرجة الأولى تعتمد على النمط الإستخراجي الكلاسيكي من الصيد وإستغلالٍ الغابات.

في ذلك يجب فهم (تناقُض) الديناميات والتركيب السسيولوجي للمُجتمعات البدائية (غير المُنتجة) ، ودورة الحياة البدائية التي تفتقر وسيلة الإنتاج وثقافته أو أدواته (التكنولوجيا). لا على أنها شكل من أشكال (الإنحراف الأخلاقي) و (السلوكي).

بل على أنها رواسم إجتماعية بدائية ، تفكيكها يحتاج إلى تغيير إجتماعي – ثقافي (مركب) نحو التكييف السلوكي الذهني إلى إستقبال وتوليد نظام قيمي وأخلاقي جديد (بديل) ، بما فيه جهود العمل الإجتماعي والخدمة الاجتماعية والتعليم والتثقيف إلخ.

عملية الإقتلاع من نظام قيمي وأخلاقي ومدونة مُعتقدات سالفة code of ethics ، إلى إستقبال نظام قيمي مُختلف (توطين نظام جديد) ، بأدوات ناعمة أو خشنة ، هو (تحول) غير سهل كما يتصور البعض ويستغرق وقت طويل عملياً.

يمكن أن نترك تشريح طبيعة هذا النظام الإجتماعي البدائي المشاعي لطلاب علم الاجتماع المدرسي ، لكنني أود التوقف عند تحليل مظاهره في الحياة الإجتماعية منذ القرن السادس عشر (قرن الإستعمار والإقطاع الإسلامي) إلى القرن التاسع عشر (قرن الإستعمار الأوربي).

حيث أن مُجتمعات القرن السادس عشر (العربية المسلمة) و(المُعربة) , البدائية والعائدة إلى النمط البدائي المشاعي Re-primarization في سلطنات السُودان ، كانت قد إمتنهت تاريخياً السلب والنهب و(الشفشفة) حال لم تكن منظمة سياسياً و أيدلوجياً (غارات البروليتاريا الريعية الصعاليك والهمباتة) , أو إقتصاد الغنيمة والخِراج الناهب في حال كانت مُنظمة سياسياً (الغزوات والفتوحات) ، كنمط إنتاج بدائي مشاعي .

يجدُر به التنويه أيضاً هنا ، إلى تمييز سمير أمين إصطلاحياً ومفاهيمياً بين النمط (الإستخراجي) extractivism ومابعده في القرن التاسع عشر كنمط إنتاج كولونيالي حديث ، ونمط الإنتاج (الخراجي) في القرون الوسطى الإسلامية والقرن السادس عشر predatory بوصفه نهباً مُنظماً قروسطي.

أود أن أبسط مدخلي إلى هذه المقالة ، بالتمهيد إلى أن دراسة سيسيولوجيا ماقبل الإستعمار ضروري للغاية لتشريح (المشكلة الوطنية) والأزمة الإجتماعية المرتبطة أساساً بتجربة الإستعمار الأوربي وتوطينها في الريف (العالم القروي) أو (العالم الثالث).

راجع مهاتير محمد ، معضلة أمة الملايو.
Mahatir, malay dielmma 1969.

إلى أن (الشفشفة) أو عموماً الممارسات الإقتصادية الإجتماعية المنافية للنظام الأخلاقي الأوربي في عصر الأنوار الذي يعادل عصر الإستعمار الإسلامي في سلطنات جمهورية السُودان. هي في حد ذاتها نمط إنتاج (خراجي) قائم بحد ذاته , أو جزء من نمط الإنتاج البدائي المشاعي. وليست بالضرورة تمثل إنحرافاً أخلاقياً خارج النظام الأخلاقي الأوربي.

فشلت دولة مابعد الإستعمار في توحيد الأنظمة الأخلاقية والقيمية والإقتصادات المحلية وأنماط الإنتاج المنتشرة فى مناطق ومجتمعات السودان ، مثله مثل سائر دول مابعد الإستعمار والدول التي تم تشكيلها بواسطة التدخل الإستعماري الأوربي. بطرق علمية أو منهجية أو إقتصادية خارج إستخدام وتبرير العنف الثقافي والمُعادلة الموضوعية للثورة الثقافية (ما أُسميه مذهب الدفترداريزم) defterdarism.

في الوقت الذي لم ينشئ الإستعمار الإسلامي (1505) دُولاً أو كينونات سياسية مابعد وطنية meta nationalism (ميتا تاريخية) , بل طبقات سلالية أو دينية مُسيطرة ومُستعبدة للناس في الريف.

لا يُمكن تحليل أزمة مجتمعات وسسيولوحيا ماقبل الإستعمار ، من داخل الايدلوجيا الكولونيالية أو البرجوازية الاوربية نفسها.

من خلال مُراعاة مايسميه فرانز فانون في تحليل الإستجابات المُختلفة لصدمة الإستعمار الثقافية الإجتماعية والإقتصادية ، من جغرافيا/فئة/مجموعة لأخرى ، بالمانوية السياسية (ازدواج العوالم الثقافية والتفاوتات الثقافية داخل دولة الإستعمار ومابعد).

بالتالي تنهض الحاجة إلى سسيولوجيا قبل كولونيالية precolonial sociology في تأويل تناقض الثقافات. في تفكيك أنساق التخلف وتداخل تلك الأنماط والانساق في المجال الإجتماعي الواحد ، كما العجز البنيوي للريف من منظور إقتصاد ثقافي لا سياسي بحت.

لا يُمكن النظر إلى الأيديولوجيا السودانية الحديثة منذ العشرينات Sudanese ideology (أيدلوجيا الطبقات المُسيطرة في سلطنات السودان) ، إلا على أنها أيدلوجيا ماقبل كولونيالية متمسحة أو متدثرة بقشور الحداثة الأوربية.

في البلد الذي لم يُنجز تحوله البنيوي القاعدي أصلاً من المرجعية ماقبل الكولونيالية (البدائية العربية الإسلامية والطوطمية الإفريقية) إلى المرجعية الحداثية الأوربية.

كما هو حال القوميات المدنية في تونس أو هونغ كونغ ، أو التوفيق التكييفي accomodation بينهما (المرجعيات الكولونيالية وماقبل الكولونيالية) ، دول جنوب آسيا مثالاً.

بالتالي نحنُ أمام – توفيق ثقافي هش- وغير متماسك.

بعد حرب 15 إبريل التي تحولت من إنقلاب عسكري غير كلاسيكي إلى حرب أهلية مفتوحة ، بفضل فائض الوعي ماقبل الكولونيالي للطبقات المُسيطرة تحديداً طبقة الجلابة (البرجوازية الشمالية النيلية) ، الوعي المُقاوم (من الباطن) sub historian للوحدة السياسية ولوجود الدولة الوطنية والتحول الوطني الديمقراطي أو التغيير الإجتماعي.

نشأت دعاية سياسية وحملة من التحريض الإجتماعي ضد مُجتمعات غرب السودان وجنوب دارفور وإثنيات البقارة تحديداً ، غايتها إثبات وحشية وهمجية هذه المجتمعات (~ as savage people) بما يُمهد لتجريدها من آدميتها وتبرير إبادتها لأسباب ثقافية كما كان الحال مع الجنوبيين (في الستينات) ، الذين كان يصفهم البشير حتى نهاية حكمه (بالحشرات) ، إمتداداً لخطابات إبراهيم عبود وحسن المُبشر وجعفر نميري الخ. أعلام الانتلجنتسيا الشمالية.

كانت ظاهرة (الشفشفة) سبباً رئيسياً ، لهذه التُهمة الثقافية المُقنعة (قانونياً). التي لا يراد لها أن تتحول من مجرد إدعاء ثقافي إلى مجرد تهمة جنائية (غير فردية) بل وصمة إجتماعية. ولذا تم تشريع قضاء ومحاكم سياسية وثقافية (محاكم التفتيش ضد المُتعاونين).

لا يكفي إعادة سرد التاريخ وإستدعاءه وحده لتفكيك هذا الخطاب المائز ، كونه جُزء من حملة إرهاب سياسى مُنظمة ومُعممة ، للجهاز الايدلوجي لنظام الجبهة الإسلامية للقوميين الشماليين وشتي الأحزاب الشمالية السبعة منذ 1955 و 1989. ضد تمردات وثورة الشعوب الوطنية الأخرى.

بهدف إخضاعها وتأديبها. والإمعان في إستخدام خطاب إستشراقي لتجريدها من إنسانيتها وحق البقاء الوجودي ، لا تتبع منهج تحليل ثقافي لتفسير التخلف وتضارب الأنظمة الأخلاقية والإجتماعية والإقتصادية في الدولة الواحدة.

لقد مارست مُجتمعات السودان النهري (العربية والمُعربة) إقتصاد السلب والنهب لمدة ثلاثة قرون من تدميرهم دولة سوبا عام 1505 ، وتشريدهم شعبها الأصلي (الداجو) وإبادة سُلالتها الحاكمة (الاكسوميين العنج).

في مطلع القرن التاسع عشر وبالتواطؤ مع الإستعمار الأوربي التركو مصري ، الذي خضعوا وإستسلموا له بسرعة دون أية مُقاومات شعبية أو نُخبوية مُسلحة خارج حادثة مملكة الشايقية في كورتي.

إمتهنت مُجتمعات (السودان النهري) عائدة إلى بدائيتها المشاعية ذاتها أو تمسكاً بها ، مارست إقتصاد خطف البشر (الإسترقاق) enslavement ، بكثافة كانت الغاية منها تحقيق التراكم البدائي لمُجتمعات (إكتفاء ذاتي) في الأصل ، إنتهزت فرصة التحول البرجوازي (من إقتصاد غير منتج إلى إقتصاد غير منتج أيضاً).

من أجل إقتناص فرصة التحول إلى مجتمع برجوازي بسرعة ، دافعت عن هذا الإقتصاد (غير المشروع) إلى الحد الذي دفعها إلى الدفاع عن مصالحها الميكافيلية من وراء ذلك بأي ثمن ((ثورة الزبيرتاريا أو المهدية)).

وتجشُم كُلفة مواجهة الدولة التي قررت حرمانهم من (ريع تجارة الرق المركنتيلي) وتصفية شارلس غوردون بقطع رأسه ، إنتقاماً من سياساته الإصلاحية الهيكلية بالنيابة عن الخديوي.

راجع :

دكتور عبدالله علي إبراهيم.
عن ثورة تجار الرقيق الإجتماعية أو طبقة الجلابة ، تحت (غطاء) راية الثورة الثقافية (المهدوية).

هُناك جزء من مُجتمعات السودان النهري كانوا حتى ثلاثينات القرن العشرين (1840-1940) ، يمتهنون خطف البشر كمكسب مالي تجاري ، ويقومون بخطف المُسافرين إلى الحج تحديداً وبيعهم في أسواق الرقيق في جدة.

في برلمانات مابعد الإستعمار 1945 جميعها ، رفضت انتجلنتسيا الجلابة التي أنجزت تحولها البرجوازي من خلال إمتهان خطف البشر (الإسترقاق) ، بكل السُبل نقاش مسألة الرق أو تجريمه أو الإعتراف بوجوده.

في تواطؤ مع مصالحهم الإقتصادية القائمة والمنقضية ، ليس لإعتبارات الحرج الأخلاقي ، بل بسبب وعي إقتصادي براغماتي خالص. لا مكان فيه للأخلاق السياسية أو إعتبار مآسي الأمم الأخرى الإجتماعية.

كما تفادي إمكانية طرح التعويض التاريخي والإدانة التاريخية في المحاكم العدلية الدولية.

كان خطف البشر أو (الإسترقاق) نمط الإنتاج الذي حققت به البرجوازية النهرية تحولها الإجتماعي ، وهو ليس نمطاً بدائياً (فوق بدائي) بالمُناسبة. مثله مثل (السُخرة) في مُجتمع السلطنات المُنحلة وممالك ماقبل الإستعمار الإسلامي (كوش).

في ذلك يجب فهم (الشفشفة) أو إقتصاد النهب والسلب pillage ، كنمط إنتاج بدائي تحاول به مُجتمعات الثورة الجديدة (الكفاح المسلح) أو عمقها الإجتماعي الطبقي ، العبور الطبقي (الكفاح الطبقي) من البروليتاريا الرعوية أو النفطية في حالة (مليشيات ام باقة مثلاً). نحو ضفة التحول البرجوازي. مُنطلقاً أصيلاً لعلاج المُشكلة ، لا تأثيل الصراع.

بطبيعة الحال ، ومثلها مثل خطف البشر ، إرتبطت هذه الإقتصادات بالقسوة وربما الوحشية المُميتة. لكها نزعة رغبوية في المقام الأول بوجود العنف والتوحش أو بدونه.

لا يمكن التخلُص من إقتصاد الشفشفة أو إقتصاد (القِنانة) المُسلحة وغير المُسلحة. بالُعنف التشريعي وحده.

كما هو في تجربة مُكافحة مهنة صناعة الخمور البلدية (الفِدادة) ، التي تعود إلى عصر الإسترقاق (الجماعي) و (الفردي) مُنذ القرن السادس عشر إلى التاسع عشر. من خلال قوانين 1983.

لا يمكن تفكيكها أو تصفيتها de-primarization بدون إيجاد بدائل إقتصادية ، للفاعلين المُنخرطين والمُجتمعات أو العائلات المُستفيدة.

بسبب طبيعة مهن الإقتصادات البدائية المشاعية ، التي لا تحتاج إلى رأسمال ولا وسائل إنتاج (مُعقدة) ، المقاومة لأزمة الإقتصاد الوطني منذ لحظة مابعد الإستعمار التي هي أزمة التوزيع القومي العادل لريع الثروة (أزمة توزيع فائض الإنتاج وتفويض السُلطة) devoultion of power.

  • باحث في علم الاجتماع السياسي , مُهتم في سياسات الهُوية وأزمة دولة مابعد الإستعمار .

Northernwindpasserby94@gmail.com

عن زرياب عوض الكريم

Avatar

شاهد أيضاً

ديسمبر : إنتفاضة الخُبز رقم (z) بين قابلية الثورة ووعي القربان

زرياب عوض الكريم إنتفاضات الخُبز المُتتالية داخل (البندر) أو الحواضر مابعد الإستعمارية في السودان الأنغلو …