دكتور الوليد آدم مادبو
في السودان لا تموت الحكايات؛ إنها تكبر. تبدأ نكتةً في مجلس، ثم تصبح مثلًا، ثم تتحول، بعد أعوام، إلى مفتاح يفسر مرحلة كاملة من تاريخ البلاد. ولعل هذا هو سر الشعوب التي لم تُتح لها رفاهية كتابة تاريخها على مهل؛ فهي تحفظه في النوادر، وتخبئه في السخرية، وتستودعه ذاكرة الناس أكثر مما تستودعه أرشيف الدولة.
ومن بين تلك الشخصيات التي تتكرر في حياتنا العامة، رجل لا يكاد يخلو منه زمان. تراه مرةً كاتبًا صحفيًا، ومرةً واعظًا، ومرةً محللًا سياسيًا، لكنه في كل الأحوال يتحدث بثقة لا ينافسها إلا جهلها بنفسها. يحفظ من الأغنيات أكثر مما يحفظ من كتب السياسة، ويستعير من البلاغة أكثر مما ينتج من الأفكار، ويخلط بين الآية والطرفة، وبين الموعظة والاستعراض، حتى يخيل إليك أن الثقافة ليست بحثًا عن الحقيقة، وإنما قدرة على احتلال المنبر أطول وقت ممكن.
دخل الرجل ذات مساء إلى الاستديو، وأخذ يحدث الناس عن “الشفشفة”. كان يتحدث عن الأمانة بطمأنينة من يظن أن الفضائل تسجل باسمه في السجل المدني، ويطارد اللصوص بحماسة من لم يخطر بباله أن أخطر أنواع السرقة لا تقع في الأسواق، وإنما في العقول.
ابتسمت، لا لأن حديثه كان مضحكًا، بل لأن الذاكرة السودانية لا تسمع الكلمات وحدها، وإنما تستدعي معها ما يشبهها من الحكايات. فقفزت إلى ذهني قصة قديمة، لا تستحق في ظاهرها أن تُروى كثيرًا، لكنها استحقت أن تُتأمل طويلًا.
تحكي الحكاية عن أن صاحبنا أخذ تمويلاً بغرض استثماري، ثم لما حلّ أجل السداد لجأ إلى مدير البنك طالبًا تصنيف القرض على أنه “قرض حسن”، مع أن القرض الحسن – شرعًا وقانونًا – لا يُمنح لغنيّ مقتدر، ولا لمن لم يتعثر بسبب ظرف قاهر. ولا يهم هنا إن كانت تفاصيل الرواية قد اختلف الناس فيها؛ فالأدب لا يبحث في محاضر التحقيق، وإنما في دلالات الحكايات.
هناك، في تقديري، كانت اللحظة الجنينية التي وُلدت فيها فلسفة الاستيلاء على المعنى.
لم تكن القضية في مال، ولا في عقار، ولا في معاملة مالية. كانت في الفكرة التي اكتشفت أن الأشياء لا تُغتصب بالقوة وحدها، وإنما يمكن امتلاكها بإعادة تعريفها. فمن يستطيع أن يقنع الناس بأن الاستثناء هو القاعدة، وأن الحيلة اجتهاد، وأن الالتفاف حكمة، يستطيع بعد ذلك أن يعيد تسمية العالم كله.
وهكذا بدأت الحكاية الصغيرة تنمو، لا في دفاتر المحاسبين، وإنما في مختبر الأفكار.
فالاستيلاء على المال ليس نهاية المطاف، بل بدايته. أما الغاية الكبرى فهي الاستيلاء على اللغة التي نصف بها المال، ثم على الأخلاق التي نحاكم بها اللغة، ثم على الذاكرة التي تحفظ للأجيال الفرق بين الصواب والخطأ.
وهنا تبلغ الحيلة ذروة نضجها.
إذ لا يعود المرء محتاجًا إلى إخفاء الفعل، وإنما إلى إعادة تعريفه. وما أسهل إعادة تعريف الأشياء حين تمتلك المنبر، والتعليم، والخطاب الأخلاقي، وحق الحديث باسم القيم الكبرى. عندها لا تتغير الأفعال بقدر ما تتغير أسماؤها، ويصبح الخلاف حول الكلمات أكثر من الخلاف حول الوقائع.
ومنذ تلك اللحظة، لم تعد المشكلة في أن تُرتكب الأخطاء، بل في أن تفقد الأخطاء أسماءها. ولم تعد الأمانة خلقًا يُقاس بالأفعال، وإنما خطابًا يُقاس بحسن الإلقاء. ولم يعد الزهد سلوكًا، بل صورةً عامة. ولم يعد الدين مرجعًا يراقب السلطة، بل صار، في بعض التجارب، لغةً تستعيرها السلطة كلما احتاجت إلى حصانة أخلاقية.
ذلك هو التحول الذي يستحق التأمل.
فالسلطة، في صورتها التقليدية، تستولي على الأرض، وعلى المال، وعلى المؤسسات. أما السلطة التي تتدثر بالمقدس، فإنها تطمح إلى ما هو أبعد من ذلك: أن تستولي على حق تعريف الأشياء. ومن يملك حق التعريف، يملك، إلى حد بعيد، حق الإدانة وحق البراءة معًا.
وهكذا لم تعد القضية قضية خزائن، بل قضية قواميس. ولم تعد المعركة على الموارد وحدها، بل على اللغة التي نصف بها الموارد.
ثم اكتشفت هذه الفلسفة أن المؤسسات قد تنهار، وأن الحكومات قد تتبدل، أما الذاكرة الوطنية فهي أبقى من الجميع. ومن هنا يبدأ السعي إلى إعادة تأليف الماضي، لا بحذف الوقائع، وإنما بتغيير معانيها. فتصبح البطولة وجهة نظر، والهزيمة مجرد ابتلاء، والخطأ اجتهادًا، والاعتراض خروجًا على الإجماع.
وهنا تبدأ أخطر أنواع “الشفشفة”.
شفشفة الوعي.
وشفشفة التاريخ.
وشفشفة الضمير.
ولعل أخطر ما يصيب أي أمة ليس أن تخسر خزائنها، بل أن تخسر قدرتها على تسمية الأشياء بأسمائها. لأن المجتمع الذي يفقد لغته الأخلاقية يفقد، معها، بوصلته كلها. فلا يعود الناس مختلفين حول المصالح فحسب، بل حول معنى العدالة، ومعنى الأمانة، ومعنى المسؤولية نفسها.
وحين تبلغ الحيلة هذه المرحلة، يصبح إصلاح الاقتصاد أسهل من إصلاح الثقة، ويصبح بناء الجسور أيسر من إعادة بناء الضمير العام.
ولهذا، فإن الخسائر المادية، مهما عظمت، يمكن تعويضها. والدول، مهما ضعفت، تستطيع أن تنهض إذا استعادت مؤسساتها. أما القيم، إذا تحولت إلى أدوات في الصراع، والذاكرة الوطنية، إذا أُعيد تشكيلها على مقاس اللحظة السياسية، فإن ترميمهما يحتاج إلى أجيال، لأن الأمم لا تعيش بالخبز وحده، وإنما تعيش أيضًا بالمعنى الذي يمنح الخبز قيمته.
ولهذا، كلما سمعت أحدًا يتحدث بحماسة عن “الشفشفة”، لا أتوقف طويلًا عند الكلمة، بل أتساءل: أي شفشفة يقصد؟
أهي تلك التي تمتد فيها اليد إلى المال؟ أم تلك التي تمتد فيها اليد إلى اللغة، فتسلب الكلمات معانيها، ثم تعيد بيعها للناس مزينة بشعارات الفضيلة؟
فالأولى خسارة في الحسابات.
أما الثانية، فهي خسارة في الحضارة.
والأولى تُفقر الخزانة. أما الثانية، فتُفقر الضمير.
ولذلك، فإن أعظم ما ينبغي أن تخشاه الأمم ليس اللص الذي يسرق أموالها، بل الخطيب الذي يقنعها بأن السرقة اسم آخر للأمانة، وأن الحيلة مرادف للحكمة، وأن تغيير المعاني أهون من تغيير الواقع.
هناك تبدأ المأساة الحقيقية.
وهناك لا تُسرق الثروة وحدها، وإنما يُسرق المعنى الذي تقوم عليه الأوطان.
auwaab@gmail.com
