الصراع في السودان بين مواتر تسعة طويلة
ومواتر ضحايا الثورات المجيدة .
بقلم / عمر الحويج
وأعني بهذا العنوان الرمزي ، الهزائم والنكبات التي لحقت بشعب السودان في تاريخه القديم ثم الحديث ، حتى الأحدث منه . وقد استوحيت العنوان ، من المعارك التي خاضتها ثورة ديسمبر للبقاء ، بالمواتر التي تنهب الأرض نهبًا لإنقاذ مصابي سيل رصاص الإنقلابيين بفرعيهما ، في مواجهة مواتر التسعة طويلة التي كانت تنهب الأرض والبشر نهبًا وترهيبًا وترويعًا ، ومن هذين النقيضين ، أحكي عن صراع الخير والشر في السودان .
إن مكامن الصراع في السودان ليس خفيًا ، وليس جديدًا ، إنه صراع طويل قادته فئات أو قل طبقات ، تعمل لسودان يحقق لها طموحاتها في الإستئثار بالثروة والسلطة والنفوذ “المحتمية دائمًا في مسارها بتسعة طويلة بأشكال مواترها المختلفة والمتنوعة” ، وفئات أخري أو طبقة أخرى وهي . الطبقة التي تسحقها أحلام وتطلعات الطبقة الأولى المستاثرة بكل شئ ، وهي طبقة الشعب ، بأغلبيته المسحوقة . “المحتمية في مسارها بمواتر إسعاف مصابيها ، عند كل ضرورة وحاجة وثورة تغيير” .
ولم يقعِد بالسودان الإ هذا النزاع أو الصراع المتواصل ، وغير المتكافي . وإذا تابعناه بشكل مختصر وسريع ، وجعلناه مجرد سرد لخطوط عريضة ، حتى لاتتأذى العين ، ويتورم القلب ، وتنفقع المرارة . ونتلمسه من قديمه وليس أقدمه ولنقل منذ قيام الثورة المهدية التي إندلعت عام 1881م بقيادة محمد أحمد المهدي ، ونجحت لأنها كانت في حينها وأوانها وظرف زمانها ، ثورة كاملة الدسم ، في تحرير السودان من الإستعمار الثلاثي المصري التركي البريطاني ، وطرده من بلاد السودان ، ونجحت كذلك في تأسيس دولة كاملة الأركان ، ولكن قبل هزيمتها بيد المستعمر ، كانت قد هُزمت قبل ذلك بيد مواترها بقيادة تسعتها الطويلة ، بل ومن داخلها وبيد خليفة مهديها ، الذي حين بدأ أول ما بدأ ، بالإقصاء من داخلها ، باستبعاد بعض قادتها وصناعها وفاعليها ، ثم أعقبها بالحروب مع الجهات الأخرى “حربه مع الأشراف”. التي لها رؤى أخرى في مسار الدولة ، ليس بالقبيلة والعشيرة وأهل الولاء وإن لم يستوعبها العصر في حينها لبديلها الموسوم بالكفاءة ، وحربه المفتعلة مع الكثير من قبائل الشمال ، والتاريخ يسجل ، الكثير منه والمسكوت عنه وأغلبه بدواعيه من شرور التسعة طويلة . كل ذلك مع سوء ادارة الدولة ، حتى وصل شعبها إلى مجاعة سنة سته المشهورة (1889م- 1890 م) وهكذا الثورات تأكل بنيها ( إلا في حديثها حين الإنقاذ اكلت أبيها – كما قال أحدهم ساخرًا ) ، وبذلك هُزمت الثورة المهدية في مهدها ، بفعل قادتها ، وإن جاهدت وهبٌَت مواتر الإسعاف الثورية من أبناء الشعب عمومًا ، في موقعة كرري ، لإنقاذ الثورة ، من براثن الإستعمار ، فماتوا أبطالًا . واستشهد منهم الآلاف . وتبعتها الهزيمة الأخيرة في معركة أم دبيكرات ، واستشهد فيها جُلَ قادة الثورة المهدية ، وعلى رأسهم خليفتها عبدالله ، وكانت الحصة وطن ، وسجل التاريخ نهاية الثورة المهدية ، التي لم يتبين قادتها ، صراع المواتر هذا ، لأنهم لم يستوعبوا هذا الصراع ، ولم يستصحبوا معهم ، أهداف ومرامي الثورة ، ووفروا للمستعمر ثغرات إحهاضها .
وهكذا حتى ثورة 24 . التي كان من الممكن أن تكون بذرة لسودان جديد متنوع ومتوحد . خرجت لها مواتر تسعة طويلة . وأجهضت مراميها بدواعي عنصرية متخلفة ضد قادتها الأفذاذ والذين كانوا يمثلون جموع أهل السودان ومشاربهم العرقية والإثنية . وتتواصل تسعة طويلة ، في إجهاض المسيرة والثورات ، لإغلاق أية كوة تفتح الأبواب لسودان حديث .
نجدها تسعة طويلة تواصلت حتى مؤتمر الخريجين ، الذي تَكوَّن برؤى متقدمة ، ومستنيرة ، أُعلنت قبره بل دفنه ، حين خرجت البلاد بحصيلة حزبين طائفيين امتلكا النفوذ والسلطة والثروة والجاه ، وهرع إليه من هرع ، من المستنيرين من قيادات مؤتمر الخريجين ، ومنه تكونت نخبة أساسها وسندها مظلة الحزبين الطائفيين حين تماهت معهما بل أندمجت فيهما ، وأدمنت الفشل معهم وبهم ، نتاج خطأ تاريخي لازلنا نعاني منه حتى يوم الناس هذا ، هذه الخلطة التي كان موقعها وميسمها رجعية ،سماها أحد أفذاذها الراحل محمد إحمد محجوب ، حين مواقف ثورية قبل الإستقلال . وانداحت هذه الطبقة المستنيرة ، الطبقة الوسطى أو طبقة البرجوازية الصغيرة التي تكون منها حزب الوسط ، وهو حزب الوطني الإتحادي الذي ساهم قادته وقادوا قاعدته الجماهيرية في الإتجاه الصحيح ، ذلك الزمان ، حتى نال السودان استقلاله ، ومن هذا النجاح ، شكل الحزب الوطني الإتحادي ، أول حكومة وطنية . ولكن جرثومة تسعة طويلة تدخلت ، وتحولت الحكومة بفعل فاعل صوب خطأ تاريخي آخر . والتزمت برفعها شعار تحرير لا تعمير ، واسقطوا رؤية التنمية ، من برامجهم ، واهتموا فقط بالصراع حول من يتسلط ، قبل الآخر المنافس . إلا أن تمكنت تسعة طويلة ، من تسليم السلطة و”الجمل بما حمل” إلى إنقلاب الجنرال عبود ، وانتظمت ، مواتر الإسعاف الثورية ، في عملها ، وبجميع مكونات الشعب ، حتى انتصرت في ثورة اكتوبر المجيدة ، وهنا ترعرعت وفرهدت وحضرت تسعة طويلة ، بكامل أسلحتها الفتاكة لإجهاض الثورة ، ونجحت هذه المرة نجاحًا منقطع النظير ، لدخول عنصر جديد قائدًا لها ، نعترف له بحنكته ، وقدرته على التخطيط التآمري ، وهو بالطبع تنظيم الأخوان المسلمين ، الذين قادوا كل جهدهم لإجهاض الثورة تحت قيادتهم المستَترة بغطاء الحزبين الطائفيين ، والغطاء الديني ، وبقدرتهم المعروفة في استخدامهم لعنصر الدين والغاية تبرر الوسيلة ، ساعدهم في ذلك إنقياد قيادة الوسط ، التي إنصاعت لهم صاغرة ، وقادت جماهيرها في هذا الإتجاه الملتوي ، باسم الدين التي جاءت الثورة للإساءة إليه ، وأدى إجهاض الثورة ، الى دفع اليسار ، إلى حين ، لمساندة إنقلاب نميري ، بعضهم نكاية في تحالف اليمين ، في إسقاط ثورة أكتوبر ، وبعضهم رغبة في إستعادة أشواق وأحلام شعاراتها ، إلا أن الإنقلاب بعسكره إنقلب عليهم وأكلهم جميعًا يوم أَكل ثورهم الأبيض في 19 يوليو 1971م .
وجاء يومهم الأخير ، وعادت الكرة مرة أخرى ، يوم أكلوا جميعًا ، للمرة الثانية لغفلتهم ، حين انقض عليهم حليفهم الإسلاموي الذي ساروا وراءه ، مغمضي الأعين ، جريًا وراء مصالحهم الذاتية والحزبية . وكان ذلك حين عقدهم الخياني الذي وقعوه مع نظام مايو بمصالحته عام ٧٧م ، عقب فشل غزوتهم المسلحة ، وما يلي ذلك معروف . فقد رتبوا أمورهم ، وساعدت مواتر تسعة طويلة داخل المجلس العسكري ، بعد ثورة ابريل 85 م وتسيدوا الساحة بعد أن أعانهم تساهل الراحل الصادق المهدى في ديمقراطيته الثالثة ، ونشطت وتواصلت طيلة تلك الديمقراطية جهود تسعة طويلة الأسلاموية ، بعد انقذتهم الثورة من انتقام النميري ، وبكل مكتسباتهم من مصالحة الخيانة ، أعلنوه إنقلاب إنقاذ سموه ، نكاية في شعب السودان عام 89م ، حين انقض على السلطة بكاملها وملأ بعدها الأرض جورًا وفجورًا وتخريبًا ، في ذلك الإنقلاب المشؤوم .
لينعتق شعب السودان من قبضتهم بإندلاع الثورة العظيمة في ديسمبر المجيدة. إلا أن عجلة مواتر تسعة طويلة لم تتوقف ، تقابلها هذه المرة بقوة اكثر وعزيمة خرافية وإصرار متين ، قاده الجيل الراكب رأس ، صاحب المواتر الإسعافية ، لإسقاط إنقلاب 25 اكتوبر ، وإن هزموه إلى حين ، بحرب الخيانة ، وليست الكرامة ، صبيحة اليوم الحزين في 15 أكتوبر ، حتى يومنا ومتواصل حزنها .
فيا قادة جماهير أحزاب الوسط المستنير ، بجماهيركم ومواليكم ، مؤيديكم وتابعيكم ، بكتابكم ومثقفيكم ، وصحفييكم ، هل ستواصلون أخطاءكم التاريخية وتقفون مع جماعة مواتر تسعة طويلة ، أم تساندون مواتر اسعاف جرحى وشهداء ثورات التغيير وآخر فرصها ديسمبر المجيد ، وأنتم على يقين وتعرفون كجوع بطونكم ، وبطون شعبكم التي قضى عليها النزوح والتشرد ، الجوع والمسغبة ، المتطاولة زمانًا طويلًا مغبونة وحزينة و مقهورة . هل تعوون وتتعلمون ، وتعملون جهدكم بوحدتكم ، على وقف الحرب ، لعودة الديمقراطية والدولة المدنية ، وأن تكونوا دائمًا في صف مواتر اسعافات الثورة وضحاياها ، لا مع مواتر التسعة طويلة المشؤومة ، التى ظلت بتآمراتها منتصرة ، طيلة تاريخ الإنتكاسات التي عاناها الشعب السوداني طيلة تاريخه القديم حتى حاضره الحديث . والنصر لمواتر إسعافات الجرحى والمصابين والشهداء ، ولتسقط مواتر تسعة طويلة المشؤومة ، بحربهم الخيانة التي أسموها نكاية في ثورة ديسمبر ، بحرب الكرامة .
***
[ لا للحرب ..نعم للسلام .. والدولة مدنية ]
omeralhiwaig441@gmail.com
