الطيب صالح: الكتابة لعنة والشهرة توبيخ!

عبد المنعم عجب الفَيا

يحكي الطيب صالح*:
“لم أرغب أن أكون كاتبا في يوم من الأيام ، مثلما لم تكن لي أية رغبة في نشر ما كتبته.
وقبل أن أغادر السودان إلى لندن، كنت قد كتبت محاولتين في القصة القصيرة أو شيئا من هذا القبيل، ومزقتهما وانتهى الأمر عند ذلك الحد.
وعلي رغم أن ميولي كانت أدبية ، فقد دخلت كلية العلوم، خاصة ان مجتمعنا في تلك الفترة كان يحتاج إلى أناس يساهمون في حل مشاكله، وهي مشاكل التنمية والبناء.
كان الناس يفهمون لماذا تصبح طبيبا أو مهندسا أو بيطريا أو زراعيا أو عالما، لكن ان تصبح كاتبا، فهذا غير مفهوم. حتى الفكي (الفقيه) في القرية على أهميته لم تكن له أية وضعية اجتماعية محددة، فهو ليس مثل المزارع.
وعلى رغم انه كان يجب علي مجاراة ميولاتي الطبيعية، وادرس الأدب، فإنني لم أفعل ذلك تحت ضغط البيئة والمجتمع وعاداته. لذلك ستاتي فكرة الكتابة لاحقا بمحض الصدفة. ثم أنني لم احب مطلقا ان يقال أنني كاتب.
**
عندما جئت إلى لندن في فبراير ١٩٥٣، وجدتها تعيش تحت وطاة شتاء من افظع الشتاءات التي عرفتها انكلترا. كان بردا قارسا، ما زلت حين اتذكره تصطك أسناني.
وآنذاك بدأت ألوم نفسي لوما شديدا، كنت اقول: لماذا جئت اصلآ إلى هذا البلد، وما هي هذه المصيبة التي رمتني وساقتني إليه.
في تلك الفترة وتحت وطاة الحنين إلى أهلي وبلدي وعشيرتي، كتبت قصة قصيرة اسميتها “نخلة على الجدول”. كان ذلك عام ١٩٥٣ ونشرت في وقت لاحق ضمن المجموعة القصصية “دومة ود حامد”. قصة بسيطة، كتبتها ببساطة شديدة جدا.
والآن حين أعود إلى قراءتها، أدرك إلى أي مدى كنت تحت تأثير حنين جارف إلى وطني. كانت القصة تعبيرا عن حنين للبيئة ومحاولة استحضار تلك البيئة.
اطلع على القصة معاوية الدرهلي، وهو أحد أصدقائي الفلسطينيين، فاعجبته كثيرا، واذاعها من إذاعة لندن، ثم نشرت في وقت لاحق.
بعض الإنجليز المستشرقين اعجبتهم تلك القصة وقالوا لي: “أنت كاتب”. ودهشت لذلك، بل ان دهشتي ازدادت حين قال لي معاوية الدرهلي، أن أسلوبي فيه ملامح من أسلوب جويس. وبدأ لي ان هذا كلام كبير جدا.
بعد “نخلة على الجدول” بقيت سبع سنوات لم أكتب شيئا. كان الأمر بايجاز شديد، إني رغبت في إقامة جسر بيني وبين عالم تركته دون سبب واضح، وبدأ لي آنذاك، ان الحكاية انتهت عند هذا الحد.
بعد سبع سنوات كتبت قصة أخرى اسميتها “حفنة تمر”. ثم كتبت “دومة ود حامد”، ونشرت في مجلة كانت تصدر في لندن، اسمها “أصوات” يحررها المستشرق الإنكليزي دينيس جونسون ديفيس مع الصديق المصري الراحل ادقار فرج. وبادر جونسون ديفيس الي ترجمة “دومة ود حامد” الي الإنجليزية وارسلها إلى مجلة “انكاونتر” ، وكانت أكبر مجلة أدبية تصدر في بريطانيا في تلك الفترة. ولشدة دهشتي قبلت المجلة القصة ونشرتها.
وسر جونسون ديفيس سرورا بالغا بها. وعندما نشرت دومة ود حامد في مجلة انكاونتر، ألح علي بضرورة مواصلة الكتابة. ولا اخفي انني تعجبت لهذا الطلب، قلت له: “مواصلة الكتابة يعني ان اتحول الي كاتب، هذه مزحة. لقد كتبت ما عندي وخلاص”.
في تلك الفترة زرت جامعة أكسفورد، وكان لي فيها بعض الأصدقاء، منهم الأخوان، بشير حسن بشير، وكرار أحمد كرار، رحمه الله، وهناك التقيت علماء من إحدى كليات أكسفورد اسمها “سانت انتوني”، وكانت مجلة انكاونتر قد نشرت في العدد نفسه الذي نشرت فيه دومة ود حامد، قصة للكاتب الأمريكي نورمان ميلر، وهو من أشهر الكتاب في أمريكا. وأثناء تناولنا وجبة الغداء، قال لي أحد الاساتذة: “هل تعلم أن نورمان ميلر، يمكن أن يتعلم منك؟”
صعقت حين سمعت هذا التعليق.
يتعلم مني انا؟ فاجاب بالايجاب، وراح يتحدث عن مميزات القصة، وقال انها قصة كلاسيكية فيها بساطة شديدة، وجوانب فنية غير مطروقة.
مرة أخرى اسمع كلاما كبيرا جدا.
قلت مع نفسي إن دكاترة الأدب هؤلاء ربما يستهويهم ان ياتوا بمصطلحات وجمل لا أحد يعرف مدى صحتها. ولكنهم ولدهشتي الشديدة، كانوا يتحدثون في منتهى الجدية. استغربت في قرارة نفسي من الصدى الذي وجدته القصة، وقلت لربما ستستمر فعلا حكاية الكتابة هذه.
بعد ذلك كتبت “عرس الزين”، المفارقة انني كتبت هذه الرواية وتركتها ولم تنشر إلا عام ١٩٦٤
كتبت بعدها “موسم الهجرة إلى الشمال”، التي نشرت في مجلة حوار في بيروت عام ١٩٦٦ وكان يحررها الشاعر الفلسطيني الراحل توفيق صائغ.
وبالنسبة لموسم الهجرة، كنت كلما افرغ من فصل، اسلمه لدينيس جونسون ديفيس، ليتولى ترجمته. كان قد ترسخ لديه اقتناع بأنني كاتب جيد. وبعد أن فرغ من الترجمة سلمها إلى دار النشر “هانيمان”، وهي دار نشر انجليزية كبيرة ومحترمة، وصدرت موسم الهجرة إلى الشمال، عن هذه الدار الكبيرة.
**
هكذا بدأت حكايتي مع الكتابة واستمرت، لكنني كنت اكتب دائما تحت ضغط إقامة جسر مع بيئتي الأصلية. كما تولد لدى احساس مسألة أخرى. فقد ظل يراودني شعور بأني تنكرت لعالم أحبه حبا شديدا، خاصة أنني كنت ملتحما بالبيئة التحاما تاما. كنت منغرسا في بيئتي، ثم خرجت من تلك البيئة، والله اعلم اذا كنت محظوظا أو سيئ الحظ، فمن المؤكد أنني خرجت دون مبرر حقيقي.
كان يمكن أن اظل في السودان واتابع دراستي هناك وأعمل في بلدي، واقنع بما أحصل عليه. لأنني لم اتغرب ابدا لاجمع المال أو ابني منزلا وما إلى ذلك. خرجت في وقت لم يكن فيه الناس يخرجون. وهكذا لازمني احساس أنني تنكرت لبيئتي. ولدي اعتقاد أن معظم المتعلمين السودانيين، خانوا الأمانة بشكل أو بآخر. اذ اننا لم نوف أهلنا حقهم. فإذا تاملنا الخرطوم الحديثة نلاحظ أنها بنيت بواسطة أناس جاؤوا من القرى، تعلموا ومكثوا هناك. جيلنا وربما الجيل الذي جاء بعدنا باستثناء قلة، انشغل بنفسه. لذلك اكتفوا ببناء دور لأنفسهم واشتروا سيارات فخمة لكنهم تنكروا لجذورهم.. تولد لدي هذا الاحساس ربما أكثر من غيري، وربما بسبب الغربة، وربما بسبب درجة انتمائي.
ولدي شعور كذلك، وهذه نقطة قد لا يستوعبها كثيرون، أن الشهرة توبخني، لذا لا احس بأية متعة من وراء الشهرة. بعض الناس قد يعتقدون ان ذلك من قبيل التواضع، لكنه قطعا ليس كذلك.
احس بالتوبيخ الداخلي، إذ انني أدرك أن الشهرة جاءتني بسبب تنكري اصلا لبيئتي ولمحاولة إقامة جسر معها من خلال الكتابة. ولا يعني هذا جلدا للذات، الأمر لا يصل إلى حد القسوة، ولكن لدي احساس قوي بالتقريع بسبب عدم الوفاء بالعهد.
بعض الناس يسألونني أحيانا، لماذا لا يكون لي دور توجيهي على الساحة الادبية، أو في مجال الكتابة. والواقع أنني استغرب جدا من هذا السؤال. لست انانيا، لكن حقيقة لا أحس أن لدى شيئا محددا يمكن أن امنحه للاخرين، وكثر الله خير هؤلاء الذين يتكرمون فيقرأون ما أكتب.
ثم إن طريقتي لا استطيع منحها للاخرين، لأنها نابعة من تكوين وظروف خاصة.
وبما أنني لست ملتزما بالكتابة إلى حد كبير، لاعتقادي الجازم أن في الكتابة شيئا من عنصر اللعنة، فكيف اشجع أحدا على أن يصاب بهذه اللعنة. لذا أفضل أن يواجه كل واحد، اختار هذا الطريق، مصيره بنفسه، كما واجهته شخصيا، لأن الكتابة لعنة، ولا يوجد عاقل يتمنى ان يصاب الآخرون باللعنة”.

هوامش:

  • من كتاب (على الدرب مع الطيب صالح، ملامح من سيرة ذاتية) إعداد طلحة جبريل، مركز الدراسات السودانية، القاهرة، ١٩٩٧، ص ١١٣،١١٧

عبد المنعم عجب الفَيا
١٩ ديسمبر ٢٠٢٥

abusara21@gmail.com

عن عبد المنعم عجب الفيا

عبد المنعم عجب الفيا

شاهد أيضاً

في أساليب الكتابة

عبد المنعم عجب الفَيا “.. وعندي أن المعنى العميق للأسلوب، المعنى الذي يجب أن تعنيه …