عبدالمنعم عجب الفَيا
كتب الطيب صالح *:
“.. لو كنت حكيما، لنفصت يدي حينئذ، ورضيت من الغنيمة الإياب، كما فعل أحمد قورو، ولكنني قلت أسافر إلى مقديشو على أي حال. وقد استبد بي ان أعرف أي دولة هي هذه الدولة العجيبة، التي اقحمت نفسي في امورها طواعية واختيارا.
وكان صاحبي “مستر سين” يتابع مصاعب علاقتي بالصومال، لا يكاد يخفي سعادته أنني دخلت في ورطة. سوف يقعد مني فيما بعد، مقعد القاضي من المتهم، انني بددت مال المنظمة على قلته، في السفر والدراسات وارسال الخبراء إلى الصومال، دون أي أثر يذكر.
ولم أكن وحدي في ذلك، لو يعلم، فقد وجدت في مقديشو عشرات أمثالي، من موظفي منظمات الأمم المتحدة وخبرائها، ومنظمات الجامعة العربية وغيرها، يلاحقون سراب الصومال الخادع.
لم أجد أحدا ينتظرني حين وصلت، كنت قد تنقلت من طائرات إلى طائرات، وغفوت وصحوت في مطارات بعد مطارات. حتى مكتب الأمم المتحدة للتنمية لم يحرك ساكنا. وجدت فيما بعد أن مديره الهولندي قد يئس تماما من عمل اي تنمية في الصومال، فاستسلم إلى تيار الخمول السائد، وانصرف الي لعب الجولف، وصيد السمك وعمل رحلات في البر، والصومال بلاد متنوعة الجمال، مليئة بالمسرات لمن يطلبها.
ولم أجد أحدا من المسؤولين في وزارة الاعلام والثقافة والسياحة. لا الوزير ولا نائب الوزير ولا وكيل الوزارة ولا مدير عام الوزارة.
وكنت أجد دائما مدير المطبوعات، وهو مسؤول عن شؤون الرقابة. واذ أنني لم اتبين صحفا ولا كتبا، فقد عجبت من أمره.
أصبحت الاحق المسؤولين كمن يطلب دينا. ثم ذات يوم، وبمحض الصدفة، وجدتهم جميعا مرة واحدة، وقابلتهم جميعا، الواحد تلو الآخر، ببساطة، كأنهم كانوا موجودين دائما ينتظروني، وانني لم أجدهم لأنني أعمى، لا أرى الشىء وهو واضح أمامي.
استقبلوني بحرارة بالغة ولطف عجيب، وذلك في طبع الصوماليين عموما، ثم لأنني سوداني، فبين الصومال والسودان صلات وعلائق من نوع خاص، يرون في السودان القدوة والمثل. مثلهم من (عرب الأطراف) عروبتهم قد يطلب لها البرهان. وأيام الاستعمار الانجليزي، كانوا يرسلون الصوماليين في بعثات الي مدارس السودان، وإلى كلية غردون، وجامعة الخرطوم.
بعد الاستقلال، اعتنى السودان بالصومال، اعانهم بالأطباء والمدرسين والمهندسين القضاة وخبراء الزراعة وغير ذلك. شعب الصومال الوفي لم ينس ذلك للسودان. هذا الي جانب وشائج أخرى. فوجوه الصوماليين وسحنهم، لا تكاد تميزها عن السودانيين. وموسيقاهم واغانيهم، يحبون أحمد المصطفى وحسن عطية وأغاني البلابل مثل السودانيين.
**
اعترض طريقي منذ اول يوم، رجل معتدل القامة، متوسط العمر، دقيق تقاطيع الوجه، كأنه من قبيلة ال(بني عامر) في شرق السودان، الدم الحامي والسامي فيه بكميات متساوية. ليس به عاهة ولا توجد في عينيه ذلة أو انكسار، تقدم نحوي كأنه كان ينتظرني، ونظر الي نظرة تقرب من الوقاحة:
“يا سوداني هات (…) شلن”.
أعطيته ما سأل، عددتها عدا، لا أقل ولا أكثر، كأنني أقضي دينا، كأنني أوفي نذرا، كأنني أكفر عن خطيئة.
صار هذا شاني معه، مدة اقامتي، وحين انتقلت الى هوتيل ال (كروشي دي سود) لحق بي، لم يكن عسيرا عليه أن يعرف أين ذهبت. لم يكن متسولا. كان طالب حق، يدخل يمشي على مهل وقد يحيى أحدا، وقد يجلس في المقهى، وقد يطلب قهوة.
لا يتحدث معي ولا يشكرني. يأخذ (حقه) دون أي احساس بالجميل. لا يعرف اسمي ولا عملي، وانا لم اسأله عن اسمه ولا عمله. كان عاطلا بلا عمل، لا شك.
انا (سوداني) وكفى.. لست انجليزيا ولا فرنسيا ولا إيطاليا.. الناس الذين تسببوا في البداية فيما حدث له..لا، ولست زياد بري، الرجل المسؤول مسؤولية مباشرة انه الآن عاطل عن العمل.
ماذا أعطيته؟ بضعة شلنات. لا أظنه أخذ مني طول مدة إقامتي أكثر مما قيمته عشرة دولارات. يذهب في سبيله واذهب في سبيلي.
أحيانا أراه في المسجد القريب من الهوتيل في صلاة العشاء. كان يحلو لي أن أصلي في ذلك المسجد. صوت الإمام حنون حزين، يرتب القرآن بقراءة ورش. أراه نظيف الثياب، حسن الهندام، موتزرا ازارا يمانيا، وعلى رأسه الطاقية الصومالية المزركشة، يتجاهلني كلية كأنه لا يعرفني. انه هنا شخص آخر..
انه هنا، في هذا المكان، يعلم في حقيقة نفسه ان الأمر بيد الذي لا مانع لما اعطي ولا معطي لما منع. سوداني، أو صومالي، مثله عابر سبيل، ضيف على مائدة الحياة. وكون الحياة اعطتني أكثر مما أعطته، وجعلتني اعيش في باريس، وهو في مقديشو، واعمل في منظمة اليونسكو، وهو عاطل بلا عمل.. اه. تلك ايام يداولها الله بين الناس وهو العليم الخبير”.
هوامش:
- من كتاب (ذكريات المواسم) كتاب رقم ٨ بسلسلة مختارات الطيب صالح، وهذه المختارات تجميع للمقالات التي كان ينشرها بمجلة المجلة اللندنية وغيرها في فترة الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي بما في ذلك ما ظل ينشره اسبوعيا تحت عنوان (نحو أفق بعيد) بالصفحة الأخيرة من المجلة المذكورة.
- عين الطيب صالح سنة ١٩٨١ مستشارا بمنظمة اليونسكو بباريس، وقد تولى شؤون الصومال بالمنظمة في بدايات الحرب الاهلية. وصل الرئيس الصومالي، زياد بري، الي الحكم بانقلاب عسكري في ١٩٦٩ واطيح به في ١٩٩١
عبد المنعم عجب الفَيا
١٠ ديسمبر ٢٠٢٥
abusara21@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم