العبادي (22)…بي تايهتن ما أبصرك !!

 


 

د. مرتضى الغالي
16 أغسطس, 2022

 

العبادي كان كثير الإشارة إلى ضرورة ارتباط الشعر بالبيئة المحلية..! ويبدو أنه كان يسمع ويتابع ما يدور بين الأدباء والشعراء والنقاد في تلك المرحلة المبكِّرة حول الشعر القومي؛ (القومية بمعني المحلية وليس بمعناها السياسي)وهي معركة كان من مشعلي شرارتها(حمزة الملك طنبل) وشارك فيها كثيرون (على سبيل المثال معاوية محمد نور وعرفات محمد عبد الله والأمين علي مدني ومحمد عشري الصديق ومحمد احمد محجوب ومحمد المهدي المجذوب)..وطنبل يقول أن الشعر ينبغي أن يحمل ملامح البيئة المحلية لا أن يكون تقليداً للشعر العربي القديم، حتى انه فضّل على كل معارضات الشعر العربي (أهزوجة بابكر بدري) التعليمية لأنها تشف بأن قائلها سوداني يتحدث عن بيئة سودانية:
جاء الخريف وصبّت الأمطارُ والناس جمعاً للزراعة ساروا
هذا بمفرده... وذاك بإبنه والكل في الحش السريع تباروا
وهذه سانحة تذكّرنا بالشاعر "المعهدي" الصميم "خليل عجب الدور" ويمكن أن نسميه "شاعر الريف" (المصريون يسمون محمد عبد المعطي الهمشري "شاعر الريف" وهو ثالث ثلاثة مع التجاني يوسف بشير وأبي القاسم الشابي من حيث تشابه عذوبة الشعر والحِس الكوني والموت المبكّر) وعجب الدور هو شاعر البيئة الزراعية بلا منازع...يقول عن القضارف حيث كان يعيش:
قضارف الخير زاد الله نعمتها : ونجّ محصولها من كل آفاتِ
تجمّع الناس فيها من أبي زبدٍ : غرباً ومن كسلا شرقاً وسنكاتِ
قد مارسوا الحرث بالوابور فامتلأت : كل المخازن من حِمل (السفنجات)
(من صنف شاحنة بدفورد يسميها السودانيون لوري سفنجة)
ثم يقول في قصيدة آخري:
إن الزراعة لهي اشرف مهنةٍ والعاملون بها هم الإبطالُ
يا ساكن الكوخ الحقير معذباً : بالزمهرير تحوطك الأهوال
لا تزهدن هناك زادك من (بني كربو) الفطير تعوسه العمالُ
ثم يصف (عيش المُقُد) الأصفر الذهبي ويذكر احتضان القضارف لجاليات أجنبية كانت تتعامل بالزراعة وتجارة الحبوب:
كالتبر لوناً والحصى ثقلاً ..يكاد لضغطه يتمزق الشوالُ
ومزارعان وتاجران بها هما.. حنا بن روفائيل أو دانيالُ
ويقول في مقطوعة أخرى:
ولقمةٌ من دقيق الدخن دافئةً : ألذ في الطعم من (قراصة الفيني)
صنعتها بيدي في الصاج لينةً : كأنما صُنعت في دوكة الطينِ
لها بخار يروق النفس وهي به : تزداد طعماً ونفعاً للمصارينِ
ملاحها ويكة لايوقة وبها : ملحٌ أجاجٌ وفيه فص عطرون
وقطعة من (كجيك) فيه فائدةٌ : لمن شكا الضعف أو نقص (الفتامين)
الفتامين (جمع تكسير) للـ (vitamin)
***
كان العبادي مهموماً بالعمل على تأسيس جمعيات وروابط لشعراء الأغاني تنظر في (تهذيب الشعر) بل إن عمل مع المبارك إبراهيم كما يقال على جمع بعض الأشعار له ولمعاصريه..وفي كنف هذه الرؤية تمت طباعة ديوانين حول (تهذيب الأغاني أو تجديد الشعر) ويؤكد الطيب أن العبادي أن لديه مخطوطة الديوانين وأن النسختين المطبوعتين من الديوانين كانتا بحوزة الراحل "فيصل سرور" ابن صديق العبادي الأثير والفنان الرائد الكبير محمد أحمد سرور...!
ويرى "مبارك المغربي"أن الروافد التي قادت إلى ثراء شعر العبادي تتمثل قي معرفته العميقة بالبيئة السودانية واتصاله الوثيق بالحياة الاجتماعية والثقافة العامة والمجريات السياسية..واطلاعه على دواوين الشعر وعلى الأدب العربي والتراث الشعبي..واتصاله بعالم الغناء ومجالس الطرب..وتنقله وأسفاره إلى الجزيرة وبحر أبيض وغرب السودان وشرقه..علاوة على ما يتميّز به من دقة ملاحظةلا تفوتها شاردة ولا واردة.. ومن موهبة في الابتكار والابتداع ومحبة السير خارج الدروب المطروقة..مع سرعة بديهة وحاسة فكاهة لا تُجارى (Sense of Humor)..! ويرى أن العبادي مع اعتداده بنفسه وسخريته الحادة اللاذعة كان خفيف الحركة دائم الابتسام..!
ربما يتميّز العبادي عن أقرانه بكثرة مشاركته في المنتديات والحوارات الإذاعية والمناظرات الصاخبة ومن هذه مشاركته في مناظرة حول (الشعر الغنائي قديمه وحديثه) في مدرسة المؤتمر الثانوية عام 1961 عندما كان ناظرها المربي والمعلم الكبير الطيب شبيكة.. فانظر كيف كان نظّار المدارس حينها يشيعون أجواء الثقافة في المدرسة وفي المجتمع والدِربة على الحوار والتثاقف بين التلاميذ..!
العبادي المولود في ام درمان تشرّب منح واريها وانتقل من خلوة الطاهر الشبلي إلى المدرسة الأولية ثم إلى المرحلة الوسطى (الابتدائية) حيث قطع دراسته فيها في السنة الثانية لأن والدهر أي انه نال ما يكفي من التعليم النظامي واصطحبه للعمل معه في (زريبة المواشي)..! ومع ذلك استمر في التزوّد من خلوة الشيخ البدوي بالقرآن ومبادئ الفقه..ولكنه عاش في السوق الكبير وعرف شيئاً من مسك الدفاتر من صديق له من الشوام ثم عمل لاحقاً مع كبار التجار ككاتب تجاري ومحاسب و(مصفّي أعمال) وربما كان من هؤلاء (صيدناوي ومصطفى غالي وعبد المنعم محمد وبدران)..!
وبمناسبة خلوة الشيخ محمد البدوي فقد كان العبادي صديقاً لابنه (الفاتح) وقد قال فيه في قصيدة (حفلة بشير ما أعجبا):
يا فاتح الله ينصرك
بي تايهتن ما ابصرك..!
عاليه صدر زي عُنصرك
وضمير ارق من خُنصرك..!
****
تلك أيام ميلاد الأغنيات من أجواء حفلات الزواج التي كان العبادي حاديها الأشهر:
هاك يا صاحي بعد السيرة وصف الحفله
أيام فزنا بيها..والدهر في غفله
كم طرفاً تمتّع بي محاسن طفله
والعجب العجيب يا صاحي يوم القفله..!
ومنها:
الجو اجتلى وأيضاً تجلّى النادي
بي نغمات رخيمه لطيفه غنّى الشادي
الطنباره زامو وشال برق عبادي
أمطر درّه في قالب غصيناً نادي..!
****
هناك حلقة مهمة في التأثير المتبادل بين العبادي و"محمد ود الفكي" ففي مقابل ما جاء به ود الفكي من تجديد في في الروايات اللحنية كان ود الفكي أيضاً يرى جديداً في نظم العبادي.. بل كان ود الفكي يطمبر بمقاطع للعبادي ومن هذه:
هاك يا سرور وصف الحكايه
زي البدور أول بدايه
عينيها حور كاويات عدايا
وسته السطور في الخد نهايه
ومنها ما هو مطلع وما هو متن:
الساميه في جيلا / كريم لمتين اناجيلا
**
هاك يا خلي تبجيلا
اديبه وراسيه في جيلا
سعيد الحظ يناجيلا
تديرلو ظروف فناجيلا
وتشبيه اتساع العيون بالفناجين من التشبيهات المُستخدمة في البيئة الشعبية السودانية..وفي المقابل لا بد أن يكون العبادي قد أفاد من شعر الدوبيت الذي كان ينظمه (شعراء السافل) ويردده ود الفكي..ومن بين هؤلاء الشعراء (الحسن ود سالم) و(ود بعشوم) و(ود الهيد) و(ود الطاش)..هؤلاء شعراء دوبيت وطمبرة في غاية الخطورة...! والحسن ود سالم (ما ساهل) فهو الذي يقول:
نامو الخلوق والليل جنْ
مرسالي جا وقال لي جن
ماشات عليك يدرّجن
ماهن خفاف يتبرّجن
وفيها:
أصبحت حاير بي دليل
كايس لِماك ما لقيت دليل
كاتلاني عندي عليك دليل
عينيك صاد (ود الدليل)..!
ود الدليل هذا خطاط مشهور..!! والعيون الجميلة الواسعة توصف برسم (حرف الصاد)..!!

murtadamore@yahoo.com

////////////////////////

 

آراء