العبادي (7): هل في طُرق الأحلام مُراقب..؟! .. بقلم: د. مرتضى الغالي


العبادي أفضل من يلقي قصائده وأشعار أغانيه؛ وهو صاحب مقدرة فائقة في توضيح المعاني من خلال نبرات الصوت ولغة الجسد..وليتنا نسمع تسجيلاً له في قصيدته في حفل تلك الزيجة الشهيرة في دار (آل صالح جبريل) بحي القلعة التي مطلعها (كانت ليله في غاية الكمال والصوله / كرّات العريس طرتنا سيف الدوله) كما انه كان من اكبر ظرفاء عصره ومن جاء بعدهم؛ وقد كان صاحب دعابة وبديهة..! كان مرّة على رأس لجنة إجازة الأغاني بالإذاعة ولم يستلطف قصيدة لشاعر معروف له صلة بمهنة (الميكانيكا) أو لعله أراد أن يغيظه مداعباً..وعندما كان الشاعر يلقي قصيدته أوقفه العبادي في منتصفها قائلاً: (القصيدة دي فيها صوت كرَنك)…!!
العبادي كان من شهود اللحظة الفارقة التي حدث فيها (إضراب الطنابرة) وهو حدث أشبه بالنقطة المفصلية.. وقد كان إضراب الطنابرة – كما قلت مرة – أول إضراب يقوم به قطاع منظّم في السودان بعد إضراب طلبة كلية غردون عام 1931 بل انه سبق إضراب الكلية بحوالي عقد من الزمان..! ومخطئ من يظن أن إضراب الطنابرة هو السبب في ميلاد أغنية الحقيبة.. لأن كل الظروف الطبيعية والموضوعية كانت قد تهيأت لظهور هذه النقلة الفنية والاجتماعية الكبرى؛ ولكن امتناع الطنابرة من مرافقة سرور كان كما يقول خبراء (حل النزاعات) بمثابة الشرارة أو الوصول إلى درجة الإشتعال (ignition point)..والله أعلم..!
والعبادي (شاهد عصر) فهو الذي قام بتوثيق هذا الحدث..وكان من شهوده وفي (منتصف دائرته)..حيث انه كان العرّاب الأكبر لهذا التحوّل في مسيرة الأغنية السودانية من (الحومبي والطمبرة) إلى الأغنية المدنية التي خرجت منها النسخة (الأكثر نعومة) والمتمثلة في “المدرسة الوترية” مع أن أغنية الحقيبة (لم تكن فقيرة ولا كسيرة) أو أقل إبداعاً في بنيتها اللغوية ومضامينها وأخيلتها وحتى ألحانها وميلوديتها..وهذا موضوع آخر (فيه قولان) وأكثر..! قال العبادي في التوثيق لإضراب الطنابرة وأهل المحفل: (جزاهم الله خير كل الحساب حسبولنا/ وضعولنا الكراسي وفي الوساع نصبولنا/ من جهة التكرّم كادوا أن يحبولنا/ ما خلولنا شي..إلا الطنابره أبولنا) ..!
نأتي إلي تشطير العبادي لقصيدة ود الرضي (متى مزاري) التي أشرنا إليها وتحدثنا عن إعجاب العبادي بها.. وهذا أيضاً حدث أدبي فني واجتهاد شعري انفرد به العبادي؛ فلم نعرف أغنية غيرها تم تشطيرها ووجدت ذلك الذيوع العريض..كما إن العبادي من محبته لهذا الأغنية قام بتشطيرها ولم ينشئ أغنية مستقلة (مجارياً لها) كما هو الحال في كثير من أغاني المجاراة أو المعارضة التي كان ينظمها كثير من شعراء ذلك العصر..!! والتشطير عندما يتم بأصوله المرعيّة – رغم انه صِنعة- ليس عبارة عن (خياطة وتفصيل)..ولكنه انفعال ينشأ عن معايشة دقيقة لروح الشعر والمعاني واستلهام (الموجة الوجدانية) الكامنة في كل مقطع ثم المهارة في الإضافة والتنويع عليها بتكثيف الشعور وإثراء الأفكار…!: قصيدة ود الرضي رباعية المقاطع: ثلاثة أشطر بحرف روي واحد وينتهي الرابع بحرف روي مخالف؛ يماثل حرف نهاية المصراع الأخير من مطلع القصيدة (ر+ ر+ ر+ ف) أو (مزار+ غزار+ مُزار+ كيف) أو (يفرحوني+ لحوني+ ينصحوني+ طيف) ويجري الآمر هكذا إلى نهاية القصيدة.. يقول ود الرضي في أول مقاطع الأغنية بعد المطلع: (ما أقول إمتى المزارِ/ إلا تجري دموعي الغزارِ/ جاني ناسم شاقني المزارِ/ لو يزورني الطيف يبقى كيف)..؟! والتشطير يتم بأن يُدخل العبادي شطرة من عنده بعد كل شطرة من القصيدة الأصل هكذا: (ما اقول امتي المزار/ وتذكر سجع الهزارِ/ إلا تجري دوعي الغزار/ منها اغرق وتبلل إزاري/ زارني ناسم شاقني المزارِ/هو الدعاني اخلع عِذاري/ لو يزورني الطيف يبقى كيف)..؟!
لا بد من ملاحظة استخدام هذه الثقافة اللغوية عند العبادي لعبارة (خلع العذار) فيقول أن زيارة هذا النسيم جعلته يخلع عذاره..وخلع العذار تعبير فصيح بمعني التخلي عن الحياء والتجرّد من الخجل..والإمعان في مسايرة الهوى..وبعض المطربين يرددون هذا البيت بتبديل موضع الإزار بالعذار في حين أن الإزار ثوب (الدموع تبلل الإزار) أما العذار فهو ما ذكرنا أعلاه (خلع الحياء)..!!
ويمضي التشطير على الأصل )يا أماني من كل واقب/ يا بياني الفاحم المشاغب/ يا جميل يا سمح المناقب/ مالو طيفك لي ما هو راغب/ هل في طرق الأحلام مراقب/ فيها يرعى ويخشى العواقب/ خالني مُذنب وقاصد يعاقب/ أم محاذر أمراً مخيف)..؟! ثم منها: (ديسك أجعد زي حظ حسودك/ محمي حيّك ضاريات اسودك/ أعمى طيفي وضلّل قصودك/ نُرت ضاحك بدرك فصودك/ كم غضنفر فاتكابو سودك/ إنتَ هيبة ومين اليسودك/ رغم انف العاذل حسودك/ المها تهواك يا خُشيف..)..والخُشيف تصغير لولد الظبية الصغير.. ومنها (يا لهيبي الزاد اشتعالا/ كان في عوني مولاي تعالى/ ياما قدمي الأطلال سعالا/ لي جمر الغضا انتعالا/ يا نسيم المحبوب تعالا/ شوف زفيري الزايد تعالا/ داوي كبدي وزيل انفعالا/ ومن أريجك ارحم بي هيف)..!!
الأغنية طوييييييلة فيها اثنا عشر مقطعاً في كل مقطع ثماني شطرات..ومنها بعد التطشير: (امتداحك بقى لي قرايه/ لامو ضلّو المالُن درايه/ خلي عاذلي اليرفعلو رايه/ لي تملّي القرطاس مرايه/ الوحايح فصَمن عُرايا/ ديما ساهر نايح برايا/ جاهل القدامي وورايا / ها جزاء من يعشق ظريف)..! تستاهل…!!

 

murtadamore@yahoo.com


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!