العسكرة: تغييب الشعب وموت السياسة

أبرزت الحرب الحالية تحول العسكرة وبلوغها القمة حتى أضحت قاعدةً للفعل السياسي كافةً، إذ سادت وترسخت منذ استقلال السودان يصاحبها في أغلب الأحوال مسار مدني يستعصي على التغيير. ورغم أن توجهات التغيير في ثورة ديسمبر 2019، أبرزت الخيار المدني للسلطة و الدولة بوصفه خيارًا وحيدًا، وطالبت في شعارٍ صريح ما عرف (المكون العسكري) بالرجوع للثكنات في حالة القوات المسلحة، و الحل الفوري لقوات الدعم السريع، إلا أن مسار الأحداث و تفاعلاتها أكدت و أبرزت (المكون العسكري) فاعلاً و أساساً ذي جذرٍ تاريخي للصراع تنقسم وتذوب فيه القوى المدنية بكل طيفها المؤيد والقائد للثورة – و المعارض الذي أسقطته الثورة المجيدة، ثم انحسر (المكون المدني كله) و حوصر بين المكون العسكري بشقيه الجيش الوطني ورديفه الدعم السريع، وتجلى ذلك أوضح ما يكون بين يدىّ الحرب ولدى اندلاعها في 15 أبريل. الحادث الأخير الذي انقلب واضطرب بكل تاريخ الدولة الوطنية في السودان يستدعي إعادة متابعة الجذر التاريخي لجدلية العسكر والمدنيين والسلطة منذ ما قبل الاستقلال واستكشاف المسار التاريخي الذي أعطى للعسكرة هذا الدور الحاسم في صراع السلطة، ولجوء القوى المدنية وتوظيفها له ولو أدى المساق الى الاحتراب.

بالتأمل في طبيعة دولة المستعمر التي أرست نموذجاً في السودان يقوم على (إلغاء الشعب)، والاعتماد على ما عرف بالإدارة غير المباشرة والتي تستند على القبيلة والطائفية، مستفيدة من الزعامة الأبوية السائدة والمتبعة لإخضاع الجماهير بإخضاع زعامتها. وعلى هذه الخلفية أسس المستعمر دولته التي يقودها خواجة أجنبي، محروس بجيش لردع المستَعمَرين والأهم هو الحامي لمؤسسات دولة المستعمر وضامن استمرارها، (1) تساعده القبلية والطائفية. و الأكيد هو (فشل النخبة) بعد الاستقلال في تغيير المرتكزات التي أسس عليها المستعمر إدارته غير المباشرة لدولة السودان، وإعادة تأسيس السلطة فيها على قاعدة (الشعب)، ليعبُر أولا تحديات التغيير من (إدارة استعمارية) إلى دولة حديثة الشعب فيها أساس غائب، و يؤسس لتجاوز الجيش و القبلية و الطائفية و يفتح أفق و مجال (الجماهير) لتتأسس عليه القوى و الفعل و النشاط و المنافسة السياسية، لكن النخبة إذ لم تتجاوز مأزق المستعمر الذى انتبه إلى أنه طارئ على الحالة السودانية و لذلك عمل على تؤدةٍ على وضع النخبة المتعلمة لتقود دولة سيحكم مسارها كل ما هو حديث، وفقاً للنمط والنموذج الذي اعتمده في غالب مستعمراته في آسيا وأفريقيا و أطلق بدايات نظام ديمقراطي ليضع النخبة الحديثة في المسار الذي يدفع بها هي فقط لمقام السلطة و قيادة الدولة الحديثة.

حدثت الردة الأولى بعد الاستقلال بانقلاب نوفمبر 1958م الذي جاء رافضا للديمقراطية كنظام، و معلنا العودة الى منصة التأسيس الاستعماري المؤسسة على الجيش والطائفية كما تجلى واضحاً في مذكرة (السيدين) التي أعطت انقلاب العسكريين شرعيته التي لا نقاش بعدها و لا مقاومة، ثم انفرد الجيش بالسلطة دون الطائفية ليضعنا في المسار الذي ستتبناه النخبة الحديثة منذ مايو 1969، ضمن عملية إحلال وإبدال داخل معادلة المستعمر (لإدارة مستعمرته) أزيحت فيه الطائفية و القبلية لتحل هي (النخبة) مكانها، مستصحبة القوات المسلحة باعتبارها (قوى حديثة)، وكل ذلك لتجاوز حضور الجماهير الذي مثل تحدي النخبة الحديثة الأكبر أمام الطائفية و ما يزال إلى اليوم ماثلا بوجهها.

كذلك مثل توريث المستعمر دولته بعد الاستقلال لنخبة الوسط النيلي كونها الأكبر عددا والأكثر تعليما وخبرات بالعمل في مؤسسات دولة المستعمر، مثل تحدي كبير للنخبة ما يزال حاضرا وفاعلا بقوة اليوم، ويعكس أحد أقوى نتائج فشلها كونها لم تجتهد بأي مستوى لترفيع شرعية دولة الاستقلال بتوسيع وجودها لتشمل وتجمع كل أرجاء السودان وجودا وتأثيرا بدلا من الإبقاء على ضعفها وانحصارها كنخبة في الوسط النيلي، الأمر الذي سيكون له أثر كبير على تفعيل وتفاعل العسكرة وتسيدها الفعل والمشهد السياسي. (2)
إذن تمثل فشل النخبة على هذا المستوى في إهمالها وانصرافها عن تأسيس الدولة على قاعدة (الشعب)، و الاستناد عليها لتجاوز القبلية و الطائفية لتؤسس لدولتها كقوى حديثة بعد الاستقلال، و إهمالها حتى توسيع و تأسيس شرعية دولة الاستقلال و شرعيتها خارج النخبة النيلية عبر توسيع مشاركات النخب لتشمل كل مناطق و اطراف السودان بصورة تدعم مستقبل حضورها كقوى جماهيرية قائدة و صاحبة مبادرة باتجاه الحداثة و الديمقراطية من جهة أخرى.
كذلك مثل انقسام النخبة الحديثة في مستوى عام إلى يسار و يمين، كلاهما مناهضة للغرب و الإمبريالية، يسار يتبنى الحداثة و التوجهات الغربية ، و يمين يتبنى خيارات الاسلمة و التقاليد المحلية. ووجود انقسام على مستوى ثاني داخل النخب ذاتها يسارية كانت أو يمينية، يمكن تصنيفه على أساس أهل الأيديولوجيا ومشروع التغيير (المبدئيين)، وأهل السلطة وامتيازاتها (الانتهازيين). كذلك كان لتبني قوى النخبة الحديثة للمثال الطائفي الأبوي للزعامة كنموذج لإدارة وقيادة المنظومات الحزبية الحديثة أثره الكبير في مسارها و خياراتها، و الذي تمظهر في أن هذه القوى في اليسار أو اليمين الموصوفة بالحديثة لم تعرف في بنيتها الداخلية (الديمقراطية) لا على مستوى القيادة إذ يبقى القائد مدى الحياة، ولا على مستوى القاعدة (عضوية الحزب) إذ ساد وسطها الجمود عبر تبني (الديمقراطية المركزية) في حالة اليسار، و (الشورى المعلمة غير الملزمة) في حالة اليمين.

كان لكل ذلك أثره البالغ على الصراع بين القوى الحديثة و داخل مؤسساتها و منظوماتها الحزبية، و يبقى أبرزها وأخطرها هو إنتاج آلية (الإقصاء) التي ستتسيد كل المسار التاريخي منذ الاستقلال و تتطور فيه حتى الحرب الحالية. وسيكون رصد آلية الإقصاء وآثارها هو المسار الأهم لفهم ما جرى ويجري، واستكشاف دور النخبة المدنية الحديثة الأساسي في عسكرة السياسة.
للإقصاء تمظهرات كثيرة وكثيفة في المشهد السياسي تحديدا، لكننا هنا سنركز على الإقصاء كأداة مدنية تم إنتاجها وتطويرها ويتم استخدامها من قبل القوى السياسية المدنية من جهة، ودورها كأداة لا تدفع إلا للعسكرة وترسيخها من جهة أخرى. ففي خمسينات وستينات القرن الماضي مثلت الانقلابات العسكرية موضة شاعت وانتشرت بين القوى الحديثة عبر كل القارة الإفريقية خاصةً في مواجهة القوى التقليدية والرجعية، وكأداة لحرق المراحل والتعجل بإنفاذ التغيير. ضمن هذا السياق مثل انقلاب 17 نوفمبر نكسة كبيرة وتحدي للقوى الحديثة كونه جاء مناقضا لأحد أهم سمات الموضة وقتها أن الانقلابات العسكرية يقودها صغار الضباط فقط، لكن انقلاب نوفمبر جاء على مبادرة وتأييد ورعاية طائفية، دفعت قيادة القوات المسلحة لاستلام السلطة في وجه (الصغار) من الضباط الذين حاولوا مع كبيدة أول محاولة انقلاب ثم تتالت انقلاباتهم يحفزهم مثال زملائهم من حولهم في الإقليم. لكن انقلاب الفريق عبود جاء كما تريد له الطائفية، ليضع حق التغيير على مساره الصحيح كما هو نموذج المستعمر، أولا كحق للكبار (القادة) في وجه الصغار (صغار الضباط – كبيدة) من جهة، وثانيا عودة بنظام الحكم إلى التقاليد المؤسسة للدولة كما كانت مع المستعمر الإنجليزي من جهة أخرى، واعتبار ذلك هو النظام لتكون محاولة الصغار استلام السلطة نزوع مستهجن نحو الفوضى، تماما كما جاء في حيثيات محضر التحقيق مع انقلابي نوفمبر 1958م. (3)

حمل انقلاب نوفمبر 1958 بعدين، أحدهما كونه انقلاب جاء ضد الديمقراطية كنظام، و رافض لمسار الديمقراطية الذي تبناه المستعمر بين يدي الاستقلال لوضع النخبة الحديثة في مسار الدولة الحديثة التي أبعدت عنه طيلة مدة بقاء المستعمر السابق لإطلاقها في 1953م، و هو بُعد و موقف يعبر عن الطائفية التي لم تر في الديمقراطية سوى فوضى تستوجب الردع و العودة لنظام (دولة الإدارة) الاستعمارية الذي يحتاج فقط لإحلال حاكم عام (سوداني) محل الخواجة – كان السائد وقتها أن السيد عبدالرحمن المهدي سينصب ملكا أو حاكم عام بنجاح الانقلاب -، أما البُعد الآخر فمثل مؤسسة الجيش و كان ردع صغار الضباط عن التمرد على الكبار و عصيان نظم الضبط و الربط السائدة ضمن المؤسسة العسكرية الهم الأكبر و الأقوى، و كذلك ميلهم القوى للعودة لنظام دولة الإدارة الاستعمارية التي أُسس الجيش ذاته ضمنها و تطبع عليها بل مثل قاعدة بقائها و استمرارها. تمثل خذلان الجيش للطائفية هنا في أن (الحاكم العام) البديل جاء من مؤسسة الجيش وبحسب معادلة (الكبار) كان قائد الجيش الفريق عبود هو البديل الأفضل، كما أن العودة لنظام دولة الإدارة الاستعمارية استوجب استعداد الجيش لردع الرافضين العودة لنظام الإدارة الاستعمارية والمؤيدين للديمقراطية الأمر الذي استوجب سيطرة تامة وكاملة للعسكر، وتأييد كامل وقوي من قبل الطائفية.

عند هذه المرحلة من التاريخ استشعرت النخبة الحديثة أنها مستهدفة من قبل أقوى أركان دولة الإدارة الاستعمارية (الجيش والطائفية)، وأن استعادة النظام والمسار الديمقراطي هو سبيلها الوحيد في وجه أرباب الاستعمار من الطائفية والعسكر. كان لليسار العريض الوجود الأبرز والأقوى إذ مثل الثقل الأكبر للنخبة الحديثة، وقاد أكبر تحالف وتنظيم وسط النخبة عرف ب (الجبهة الديمقراطية) وتحالف آخر وسط عسكر المؤسسة العسكرية عرف بـ (تنظيم الضباط الأحرار)، وكان ناجحا في تأسيس وقيادة النشاط النقابي الذي كانت نقابة العمال عنوان نجاحه الأبرز. قاد اليسار معركة استعادة الديمقراطية استنادا على خطة (العمل بين الجماهير) التي اقترحها وقادها الحزب الشيوعي السوداني، والتي تقوم على القوى الحديثة وسط المتعلمين وموظفي مؤسسات الخدمة المدنية، وتنظيم وقيادة قطاعات العمال والشباب والمرأة عبر العمل النقابي، واستصحاب الجيش على أن يكون دوره داعم لحركة ونشاط الجماهير وجزء منها ومنع انفراده بقيادة عمل مسلح أيا كان. (4)

انقلاب نوفمبر 1958 أوضح أهمية مؤسسة الجيش في أي تغيير، و أوضح أن (كبار) مؤسسة الجيش الذين قادوا الانقلاب ضد الديمقراطية لن يكونوا جزء من قوى التغيير بأي حال، لذلك كان الخيار هو صغار الضباط كونهم أقرب ميلا و توجهات للقوى الحديثة، و هم من جاءوا على قيادة الانقلابات التي سادت وانتشرت وعمت الإقليم إفريقيا و عربيا وقتها، و لتلافي خطر انفراد العسكر بالسلطة نشط اليسار العريض وقتها في تجنيد من سيدخلون مؤسسة الجيش و يكونوا فيها ضباطا، بل مضى أبعد من ذلك و عمل على تجنيد وقيادة تنظيم وسط ضباط صف وجنود القوات المسلحة، وكان له نجاح كبير على هذا الصعيد، و كل ذلك ليضمن أن دور الجيش سيكون جزاء و ضمن حركة الجماهير و ليس خصما عليها و لا ضدها.

ثورة أكتوبر 1964م جاءت لتمثل تعبيراً عملياً لنجاح خطة العمل بين الجماهير بكامل تفاصيل مسارها المرسوم، ومثلت مشاركة صغار ضباط الجيش ودورهم أمكانية وصدق المثال المخطط وتحققه واقعا مع الثورة وإيقاع أحداثها. لكن حدث مع ثورة أكتوبر فرز كبير لقوى النخبة الحديثة وقوى الطائفية مع مسار الصراع الذي أفرزته والتداعيات التي ترتبت عليه. كان واضحا للطائفية خطر فقدها للجيش وأنها تحتاج لمواجهة القوة التنظيمية للنخبة الحديثة التي باتت بعد أكتوبر تمثل التحدي الحقيقي أمامها، لكن هذه المرة بأدوات غير العسكر والمؤسسة العسكرية. مع الانتخابات نجحت الطائفية في كسب السلطة ودفعت بالنخبة الحديثة لتكتشف ضعف نفوذها وتمثيلها لجماهير شعوب وأقوام دولة السودان (وفقاً للتوصيف الدقيق للدكتور منصور خالد) وانحصارها ضمن المتعلمين وموظفي مؤسسات الخدمة المدنية والعمال، هنا بدأت النخبة أهم معاركها مع الطائفية ضمن النظام الديمقراطي الذي يخرجها لضعف جماهيريتها خارج إطار الديمقراطية ونظامها ذاته. هنا أخذت معركة مقاعد الخريجين تأخذ أهميتها كصيغة تجعل للنخبة الحديثة وجود ما ضمن الديمقراطية، رغم أن نظام دوائره خاصة بالخريجين، كما أن ناخبيه محصورين فيهم وضمنهم، فهو بذلك يظل خارج إطار المنافسة الجماهيرية ولا يفتح عليها أفق أو باب. هنا خاضت الطائفة أكبر وأول معارك الإقصاء التي ستتداعى آثارها وتفاعلاتها لتقود كل المشهد السياسي حتى الحرب الحالية. إذ اتخذت من حديث طالب بمعهد المعلمين العالي بمبادرة من جبهة الميثاق ذريعة لطرد نواب الحزب الشيوعي من البرلمان الذين حققوا نتائج أكبر عبر دوائر الخريجين. هنا شعر اليسار وكل ممثلي النخبة الحديثة أنهم بلا مكان أو داعم قوي لهم ضمن النظام الديمقراطي الانتخابي الذي لن تكسب عبره إلا الطائفية. اضطرت النخبة الحديثة الممثلة باليسار وقتها الى العودة وإعادة النظر في القوى التي أنجزت ثورة أكتوبر، وأجرت مراجعتها على خلفية أن لا حل للنخبة الحديثة أمام الطائفية إلا استلام السلطة بانقلاب عسكري بواسطة نفس تنظيم الضباط الأحرار الذي كان له السهم الأبرز في نجاح الثورة ونجاح العمل الجماهيري واستعادة الديمقراطية.

التخطيط و التنفيذ لانقلاب مايو 1969م أفضى إلى انقسام وسط تيار اليسار العريض، و الى انقسام داخل الحزب الشيوعي الذي كان الرمانة و الدينامو المحرك لكل تيار اليسار، و رغم نجاح الانقلاب إلا أن الحزب الشيوعي انقسم بين مؤيدين للانقلاب و معارضين له مثلهم عبد الخالق محجوب السكرتير العام للحزب، وتيار المعارضين كان يرى أن الانقلاب العسكري يعني نهاية المسار الناجح للعمل بين الجماهير الذي أنجز ثورة أكتوبر 1964م، و أن دخول العسكر لن يفضي إلا إلى دكتاتورية عسكرية ستكون خصما على الديمقراطية و على اليسار و خطه تحديدا. الصراع داخل الحزب الشيوعي أنتهى إلى انشقاق كبير وسطه، بل قاد إلى فرز ضباطه ضمن تنظيم الضباط الأحرار وقيادتهم لانقلاب هاشم العطا 19 يوليو 1971م التصحيحي والذي حوكم وأعدم على أثره قادته الكبار، لكن ما ترتب على ذلك كان خطيرا.

مع نجاح انقلاب مايو 1969م فقدت الطائفية مؤسسة الجيش بحيث لم يعد هناك (كبار) يمكن الاستعانة بهم لاستعادة نموذج دولة الإدارة الاستعمارية التي تُخضع النخبة الحديثة للجيش ولها، كما أن المعارك التي خاضتها مايو ضد طائفة الأنصار 1970م جعلت من الجيش عدو للطائفية و مناصر للنخبة الحديثة، الأمر الذي دفع بالطائفية – بشقيها انصار و ختمية وانضمت لهم جبهة الميثاق- لتأسيس وقيادة أول عمل مسلح خارج المؤسسة العسكرية الذي سيقود عملية الجبهة الوطنية لاستلام السلطة العام 1976م التي اشتهرت بالغزو الأجنبي (المرتزقة). بالمقابل خسر الشق الذي دعم مايو من اليسار كثيرا أمام ظهور أصحاب نظرية مركزية ودكتاتورية التغيير (منصور خالد، جعفر محمد علي بخيت) الذين تسيدوا الساحة ونظروا ونفذوا رؤيتهم للحزب الواحد (الاتحاد الاشتراكي) التي انتهت خصما عليهم وكانت هزيمة كبيرة لليسار العريض. هنا نحن أمام محطة مهمة جربت القوى المدنية الطائفية منها والحديثة الانقلاب العسكري حد النجاح واستلام السلطة، وشهدنا أول تأسيس لعمل مسلح خارج القوات المسلحة، بمبادرة من قوى الطائفية (طائفة الختمية) ومناصرة من الإسلاميين الذين سيكون لهم جولتهم ضمن صراع القوة المسلحة.

يؤرخ العام 1976 لنهاية حقبة وبداية أخرى، إذ خرجت الطائفية تماما من معادلة توظيف العسكر في صراع السلطة، وكفر اليسار العريض كله بالجيش، بل ناصبة عداءً مطلق. (5) ودخل الإسلاميين الملعب بعد أن حدث تغيير كبير في رؤيتهم للمؤسسة العسكرية، وادخلوا على تنظيمهم إصلاحات اعتمدت الكثير من طرق اليسار ومنهجه في التنظيم والبناء المؤسسي خاصة فيما يلي التعامل مع مؤسسة القوات المسلحة. خلاصة هذه الحقبة هي أن الصراع على السلطة انحصر بين النخبة وبالتحديد بين من عرفوا بالتنظيمات الحديثة يسارا ويمينا، لكنها ظلت تدور حول السلطة وتوظيف القوة المسلحة في ذلك الصراع، منصرفة تماما عن الجماهير على مستوى النشاط والتنافس السياسي، والشعب على مستوى إعادة تأسيس دولة السودان.

أهم أحداث حقبة ما بعد المصالحة الوطنية 1976م جاءت مع العام 1983م تاريخ نكوص مايو عن اتفاقية وحدة السودان (اتفاقية أديس أبابا) بتقسيم الجنوب إلى ثلاث أقاليم، وإعلان قوانين الشريعة الإسلامية في سبتمبر من نفس العام. قوانين الشريعة رغم أنها جاءت بقرار من رئيس النظام إلا أن تأييد الإسلاميين لها دفع بالموقف المعارض إلى أقصاه، ليس رفضا لقوانين الشريعة والمطالبة بإلغائها، بل دفع بالمطالبة بعلمنة الدولة كما في نموذجها الغربي كرد فعل لا يقبل التغيير ولا التفاوض. هنا عشنا الإقصاء فعلا ورد فعل، يستند على قوة مسلحة لها وجود ودور على الأرض. ذلك أن القوى المعارضة لقوانين سبتمبر 1983م في الفترة الانتقالية ومع الديمقراطية الثالثة، لجأت إلى توظيف الحركة الشعبية لتحرير السودان كداعم لها ومطالب بإلغاء قوانين الشريعة وبعلمانية الدولة، وبذلك دخلت مشكلة جنوب السودان لأول مرة بوصفها ورقة ضغط ومساومة سياسية بين اليسار واليمين مهددة بالانفصال في حالة عدم إلغاء الشريعة. كانت تلك أول بادرة للمساومة بأزمة الأطراف والهامش ككروت للتضاغط والصراع السياسي بين اليسار واليمين، وكانت بمثابة نقلة للصراع حول إلغاء قوانين جاءت بقرار فوقي الأمر الذي يجعل حلها الأنسب من جنسها بإلغائها بقرار فوقي مماثل، بل تحولت إلى قضية تمثل للإسلاميين باب كسب التأييد الجماهيري الذي ظل تحدياً صعب المنال وقد تيسر لهم مع إعلان نميري قوانين الشريعة. ومثل النكوص عن دولة الحداثة الموروثة عن الاستعمار في إبعادها عن المزيد من التقرب للنموذج الغربي الأم القائم على علمانية الدولة بالنسبة لليسار. بل في تلك الفترة مضى اليسار أبعد من ذلك بعمله على إقصاء الإسلاميين تحديدا (الجبهة الإسلامية القومية) عبر تكوين التجمع الحزبي والنقابي لقوى الانتفاضة و إعلانه وتوقيعه و كل القوى السياسية وحتى المؤسسة العسكرية على وثيقة ميثاق الدفاع عن الديمقراطية و أقصيت الجبهة الإسلامية عن التوقيع إذ أن الميثاق يستهدفها تحديدا.

لكن رد الفعل الأقوى و الأبلغ جاء مع انقلاب الجبهة الإسلامية الذي عرف بالإنقاذ 1989م، واستلام الإسلاميين للسلطة، كما جاء رد الفعل المعارض مشابها و مماثلا لرد فعل الطائفية و الإسلاميين على انقلاب مايو 1969م، بتداعي كل الأحزاب و الطائفية على رأسها لتؤسس (التجمع الوطني الديمقراطي المعارض) خارج البلاد، وتبنى (الانتفاضة المحمية بالسلاح). ضم التجمع أكثر من تنظيم مسلح منها الجيش الشعبي لتحرير السودان، وقوات التحالف السوداني، وجيش الأمة وجيش الفتح. الواضح هنا أن التجربة اختلفت عن تجربة الجبهة الوطنية في السبعينات في أنها جمعت أحزاب طائفية وأخرى يسارية وعلمانية وحركة مسلحة من الجنوب، تعددت أحزابها لكنها كذلك اختلفت في تعدد الجيوش بدلا عن جيش واحد كما مع تجربة الجبهة الوطنية، ليمثل التجمع الوطني المعارض أول تجربة تفتح المجال لتعدد الجيوش المسلحة خارج القوات المسلحة. ومن وقتها صارت التسميات للمجموعات المسلحة تبدأ ب (جيش كذا) وفي ذلك إشارة لمنازعة الجيش الرسمي للدولة (القوات المسلحة السودانية) مباشرة وواضحة، يؤكد ذلك ما عرف ضمن تجربة التجمع الوطني المعارض بالقيادة الشرعية للقوات المسلحة. ومن وقتها لم يجر توصيف أي جهة تحمل السلاح خارج القوات المسلحة ب(مليشيا)، فبظهور وتكاثر الحركات والمجموعات المسلحة خاصة منذ استلام الجيش للسلطة في العام 1989م، تأكدت أن منازعة القوات المسلحة هي الأقوى والأعلى حضورا.

مع الإنقاذ وبين يدي الانقلاب سنشهد فشل محاولة أخرى لبناء شعبية حقيقية لكن هذه المرة مع الإسلاميين. شهدنا نجاح محاولة بناء عمل جماهيري وقواعد جماهيرية مع تجربة عبد الخالق ونجاحها مع ثورة أكتوبر 1964م ثم انتكاستها مع انقلاب مايو 1969م والتداعيات التي قادت للانقلاب التصحيحي في 19 يوليو 1971م والتي انتهت بكفر اليسار العريض كله بالجيش ومناصبته العداء المطلق. رغم أن المصالحة الوطنية نقلت الإسلاميين الى إعادة النظر في التعامل مع المؤسسة العسكرية وضرورة اتباع منهج اليسار في توظيفها في صراع السلطة، لكن بقيت نظرة الإسلاميين لمؤسسة القوات المسلحة حاضرة ويمكن تلخيصها في أن القوات المسلحة هي العلمانية ذاتها كونها في وجهة نظرهم غير قابلة للتغيير أو حتى التعديل، بل غير قابلة أن تكون مجال للتجنيد أو أن ينصح أخ مسلم بالانضمام لها فالانضمام لها يعني بعدك وغربتك عن الإسلام والإنسانية والوطنية. كما أن النقلة نحو الشعبية حدثت مع إعلان نميري لقوانين الشريعة الإسلامية، حيث أيدها الإسلاميين وقادوا ما عرف وقتها بالمسيرة المليونية لتأييد الشريعة الإسلامية. هنا تملك الإسلاميين شعور نجاحهم الجماهيري وتملكهم وسيطرتهم على الشارع، وزاد ودعم ذلك الشعور نجاحهم في تأسيس الجبهة الإسلامية القومية ثم نجاحهم في انتخابات 1986م وحيازتهم على 50 مقعد بالبرلمان. كان ذلك دافعهم للتهديد بالشارع خاصة في صراع بقاء أو إلغاء قوانين الشريعة الإسلامية. لكن تبين لهم فشلهم وأنهم بعيدين جدا عن الشارع وتملكه، الأمر الذي رفع مؤشر الخطر عندهم ودفعهم للعودة إلى ترتيبات الانقلاب العسكري وتوظيف الجيش، وكان سائدا بينهم أن هناك أكثر من مجموعة ترتب لانقلاب وأن التعويل على الشارع سيضعهم في الهامش والخطر تماما كما حدث مع الحزب الشيوعي.

كذلك ظهر أثر نظرة الإسلاميين للقوات المسلحة في التخطيط والتنفيذ للانقلاب للدرجة التي وصفه د. خالد التجاني بـ(انقلاب مدني بغطاء عسكري) (6)، لكنها جاءت أقوى وأوضح مع تأسيس الدفاع الشعبي إذ يقوم على نظريتهم في تحويل المؤسسة العسكرية إلى جهة إدارية تنحصر مهمتها في تنظيم القوات المقاتلة عند الحاجة، وأن يكون الشعب كله مقاتل ومستعد للقتال عند النداء والطلب. لكن الجيش أحبط ذلك المشروع مبكرا وقام بامتصاصه أولا بتمرير ما عرف بـ(الخدمة الوطنية) ثم أنصرف عنها لاحقا مستفيدا من توظيفها كأداة جباية ومصدر لجمع المال. لكن قوة الرؤية السائدة والتي لا ترى في مؤسسة الجيش سوى الخطر دفعت الإسلاميين للسلوك الذي شهدناه في تكوين الأجهزة الموازية خاصة فيما يلي (القوى النظامية) تحديدا مثل الشرطة الشعبية، والأمن الشعبي، ثم ساد وانتشر وعم كل مؤسسات الدولة بما فيها البنك المركزي وولاية الدولة على المال العام بالسماح لكل وزارة أو مؤسسة ب(التجنيب) مما أخرج وزارة المالية والبنك المركزي من الولاية على المال العام. (7)

بالمقابل شهدنا رد فعل مؤسسة القوات المسلحة على تزايد وتمدد قوات جيش تحرير السودان بزيادة عدد وانتشار ما عرف بـ(القوات الصديقة)، ويأتي هذا ضمن المعتاد ضمن أنشطة القوات المسلحة في تسليح المجموعات المعارضة أو القبلية ضد حركة التمرد بالجنوب. لكن تمدد حركة تحرير السودان بعد ذلك في جبال النوبة والنيل الأزرق ودارفور وحتى الشرق، دفع بردود الفعل من قبل الجيش والإسلاميين لمجابهتها بقوات مسلحة من خارج الجيش، ومثل ذلك للإسلاميين عدم ثقتهم في الجيش لذلك طوروا تجربة المراحيل وأطلقوا تجربة الدفاع الشعبي، ومثل للجيش تقليل جهود القتال المباشر بإشراك مجموعات يتم تسليحها وتدريبها وإدارتها ورعايتها من قبله تقليلا للمجهود الحربي المباشر الذي توسع في وجه مؤسسته القائمة على الضباط والمفتقرة للجنود.

وهكذا مع الإنقاذ تم دفع صراع (العسكرة) الى أقصاه، ومع استعداد الجميع واتجاههم نحو الصراع المسلح، تحول الفضاء السياسي بالتمام والكمال نحو العسكرة، غابت الأحزاب وكل أشكال النشاط والانتظام السياسي، وغابت حتى ثقافة ولغة الحوار والنقاش السياسي وكل شيء ارتبط بالنشاط السياسي المدني على ضعفه وفقره. و تحولت الحركات الإقليمية من سياسية مطلبية إلى حركات مسلحة، بل أصبحت تلك الحركات و قضايا الهامش كروت مساومة في صراع السلطة بين القوى السياسية يسارا و يميناً خاصة في دفعهم باتجاه العسكرة و الصراع المسلح مع ضعف و غياب السياسة و موتها.

بقي أن نشير الى الصراع داخل تنظيم الإسلاميين، الذي انتهى إلى ذات النهايات التي انتهت إليها تجربة الحزب الشيوعي مع مايو 1969 و يوليو 1971م، إذ انتصر أهل السلطة على أهل المشروع فأسقطوا الحزب و المشروع – مع بعض الفروقات بين التجربتين – ليجدوا أنفسهم تحت رحمة الجيش و أنه لا سبيل لهم إلا الخضوع التام له، و أصبح همهم هو موازنة الجيش بقوة تماثله، الملفت هنا أن مرجعية و تجارب النخبة (يسارا و يمينا) واحد حد التطابق و التكرار، ذلك أن الإسلاميين الذين فضلوا السلطة و ناصروا خطها على خط التنظيم و مشروعه، لجأوا لحركة تحرير السودان بخطة أن توازن معادلتهم كمدنيين مع الجيش. لكن مثلما مالت حركة تحرير السودان بمشروعها وأولوياتها مهملة قوى المعارضة المدنية المتحالفة معها، لم تناصر أو تدعم خطط الإسلاميين تجاه الجيش، بل مضت خلال الفترة الانتقالية لتحقيق أهدافها مهملة الجميع في الحكومة التي وقعت معها اتفاقية السلام والمعارضة التي اضطرت لتوقيع اتفاق منفصل بينها وحكومة الإنقاذ. ولما كان أحد أهم أهداف الإسلاميين من اتفاق السلام هو فتح أبواب التعامل مع المجتمع الدولي، إلا أن ذلك جاء وبالا عليهم إذ دفع بالصراع في اتجاه حمل عنوان التخلص من الإسلاميين ذاتهم، بل وجد أقوى استجابة منهم وفيهم، إلا أن التطورات أوضحت أن المخطط لا يستهدف الإسلاميين، بل الدولة السودانية ذاتها، لندخل في المسار الذي انتهي للحرب الحالية تحديدا.

المدهش أن المخطط حظي برعاية إسلاميين له رغم هدفه البارز (التخلص من الإسلاميين) وتزعمه الرئيس وقتها عمر البشير، ومدير جهاز الأمن صلاح قوش، ثم قفز فيه طه عثمان الحسين مدير مكاتب الرئيس. لذلك كنا نتسامع عن تخلي صلاح قوش عن الإسلاميين وتحوله إلى اتحادي ديمقراطي، ثم الغضبة الكبيرة التي واجهته مع التغيير في ثورة ديسمبر 2018 ودوره فيها الذي دفع باتهامه بالخيانة.

المخطط له أهداف أخرى أكبر وأخطر من التخلص من الإسلاميين لكنه اتخذ مسار بذل فيه مجهود كبير لفرض قوات الدعم السريع كقوة منفصلة عن الجيش، بل كان المجهود الأكبر مبذول باتجاه فرضها وتحقيق مقبولية لها بين الحكومة وقوى المعارضة الرئيسية منها على الأقل، بكلمة واحدة تطبيع تلك القوات رغم شذوذ وضعها كله، وكل ذلك كان مخطط له أن يتم عبر (حوار) يجمع الحكومة والمعارضة. ضمن هذا السياق شهدنا مؤتمر المستشارية الذي قاده صلاح قوش وتمت الإشارة ضمنه للتخلي عن الشريعة الإسلامية لكن المخطط فشل وكان أقوى أسباب فشله ليس حرب المؤتمر الوطني له، بل موقف حزب الأمة بانسحاب زعيمه الصادق المهدي من الحوار حيث كان التعويل عليه لتمرير الوضع المخطط لقوات الدعم السريع.

المحاولة الثانية جاءت مع حوار الوثبة الذي أعلنه الرئيس البشير (صار يعرف بالحوار الوطني) الحوار الذي جمع كل طيف القوى السياسية المحسوبة على اليمين واستبعد كل القوى المحسوبة على اليسار، لكنه فشل مرة أخرى بسبب انسحاب حزب الأمة، بل وهذه المرة بإعلان زعيمه رفضه ومعارضته لقوات الدعم السريع الأمر الذي استدعى سجنه وقتها على إثر ذلك ثم ليتطور الأمر كله بعودة صلاح قوش والعمل على إنهاء نظام الإنقاذ ذاته. أما المحاولة الأخيرة فجرت مع (الحوار الإطاري) وأهم تغيير هنا جاء بإبدال كل قوى اليمين بقوى اليسار ونجاح انضمام حزب الأمة للحوار هذه المرة، ختم كل ذلك باندلاع الحرب التي نعيشها الآن.

قبل الختام يجب الإشارة إلى المراحل الانتقالية والفترات الديمقراطية التي أعقبت ثورات أكتوبر 1964 وأبريل 1985 وأخيرا ديسمبر 2018م بأنها مثلت فترات الترتيب لتغيير بواسطة قوى مدنية ستنجح بتحالف مع الجيش في استلام السلطة وتدشين حكم دكتاتوري سيكون حتما تحت السيطرة الأتم والأكمل للجيش. وبذلك لا يمكن حساب الفترات الانتقالية أو ما عرف بالديمقراطية الأولى والثانية …إلخ كفترات تجارب ديمقراطية، بل هي حقيقة فترة إعادة ترتيب أوضاع تجديد استلام العسكر للسلطة بترتيب ودفع من قوى سياسية مدنية، وبالتالي لا وجود لفترات ديمقراطية منذ الاستقلال كل ما هناك حكم عسكري يوضح بما لا يدع مجالا للشك جوهرية القوات المسلحة ضمن نموذج دولة الإدارة الاستعمارية ودور الجيش كضامن لوجود مؤسسات الدولة واستمراريتها.

الفشل الجماهيري الذي لازم تجارب النخبة الحديثة يسارا ويمينا كانت نتيجته المباشرة هي البقاء ضمن بنية دولة الإدارة الاستعمارية والارتهان لمعادلتها المرتكزة على القوات المسلحة. كما مثل الصراع بين النخبة الحديثة وداخل منظوماتها السياسية والحزبية بعدا آخر للفشل، بسبب الصراع على السلطة وامتيازاتها الأمر الذي انصرف بالصراع ليكون حول المواقف علمانية- إسلامية وليس باتجاه تغيير أساسي وحقيقي يفتح آفاق السياسي ليتأسس إيجابا على كل الخلفيات المحلية والعالمية دينية وعلمانية وغيرها ويسمح بالانتقال بالسودان لدولة حقيقية بدلا عن سجنه في نموذج دولة الإدارة الاستعمارية. فشل النخبة في تغيير بنية دولة الإدارة الاستعمارية، بل تفضيل النخبة الحديثة البقاء ضمنها لتلافي تحدي الجماهيرية والشعبية، هو الذي أدى إلى موت السياسة. ذلك لأننا ورثنا سياسة لا تعرف إلا الإقصاء و إنكار الآخر (لا يوجد كيان سياسي مدني يعترف للآخر بوجود و دور) و رفض كل شيء مطروح من قبله كما صورتها المقولة الشهيرة للزعيم الأزهري (مرفوضة وإن جاءت مبرأة من كل عيب)، لم نرى أو نعيش أي أعراف أو تقاليد للتعامل بين الأحزاب، بل رفض لبعضنا الآخر لا يعرف الحدود، فعشنا أجيالا منذ الاستقلال وحتى حرب 15 أبريل موت السياسة والعجز عن أي دور باتجاه تغيير ذلك أو حتى إصلاحه، بل ظللنا نعيد إنتاج نفس المسار و على ذات النهج و التكرار لوقائع و نحن نعلم أن تجريب المجرب يؤكد الفشل لكن الاصرار عليها كان دليل عجز النخبة و عجزنا عن الخروج عن بنية دولة الإدارة الاستعمارية و الخوف من خوض مخاطر التغيير مفضلين الطريق الذي حسبته النخبة مختصرا و سهل (الاستيلاء على السلطة) لكنه كان شرك بقاءها ضمن إطار بنية دولة الإدارة الاستعمارية و سيطرة و رحمة العسكر أو العسكرة.

مصادر الورقة:
(1) الجيش والمنظومة السياسية أثناء وبعد الانتقال السياسي حالة السودان والجزائر
(2) الإدارة البريطانية والحركة الوطنية في السودان جعفر محمد علي بخيت.
(3) محضر التحقيق في الأسباب التي أدت إلى انقلاب 17 نوفمبر 1958م
(4) الجيش والسياسة، جاك ووديز، ص 140 آراءه حول رأي الحزب الشيوعي في الانتفاضة المسلحة والانقلاب العسكري والإضراب الجماهيري.
(5) الحركة الإسلامية واليسار والديمقراطية اللبرالية، د. عبد الله علي إبراهيم.. قدم الكتاب أفضل تشخيص لكفر اليسار بالجيش والديمقراطية.
(6) عن تكاثر الزعازع وتناقص الأوتاد، خالد التجاني، مقال بصحيفة التغيير الإلكترونية
(7) حركة الإخوان المسلمين في السودان 1944-1969م، حسن مكي محمد أحمد.

abuzaryassin27@gmail.com

عن أبوذر على الأمين ياسين

شاهد أيضاً

كسر عظم الازمة السياسية .. بقلم: أبوذر علي الأمين ياسين

هذا المقال محاولة للمساهمة وتطوير النقاش الذي طرحه د.الواثق كمير في مقاله المعنون (القوى المناهضة …