العلاقات السودانية الأثيوبية (2) .. بقلم: أم سلمة الصادق المهدي


umsalsadig@gmail.com

بسم الله الرحمن الرحيم

مياه النيل

في الجزء الأول من هذا المقال كنا قد تناولنا ما يربطنا من أواصر وتواصل مع جارة الشرق أثيوبيا، وقلنا أن أربعة عوامل يمكنها أن تكون جنة تلك العلاقة كما يمكنها أن تكون نارها. وناقشنا مسألة الحدود على رأس تلك القائمة ببعدها التاريخي وآخر ما كان من أمر هذا الملف الهام وطرحنا استعانة بخبراء القانون الدولي كيف يمكن أن تزهر علاقات الجوار ثمرا وخضرة وزيتونا ونخلا ان تمت معالجتها بحكمة يجب أن لا تنقص أهل السياسة في بلدينا.
نتناول في مقال اليوم ملف حوض النيل الذي يجدر بنا الولوج إليه من خلال مؤثرات عديدة تعمل في اتجاهات مختلفة تجعل توخي الحذر والتزام الحكمة واستصحاب الخبرات المختصة من فنية وسياسية أسلحة ضرورية ..
أولى تلك العوامل التي تجعل ملف مياه النيل ملفا ملحا ذا حساسية عالية هو موضوع التنازع نفسه فالمياه سلعة نادرة وتخبرنا الدراسات المتعلقة أنه بالرغم من أن المياه تشكل 70% من مساحة الكرة الأرضية إلا أن المياه العذبة تشكل نسبة ضئيلة فقط 2.5% من المياه في العالم والأنكى أن 99% من تلك المياه العذبة غير متاحة لأنها متجمدة في قطبي الكرة الأرضية .هذا يعني أن البشر مع أعدادهم المتزايدة إذ بلغ عدد سكان العالم اليوم ما يربو على السبعة مليار نسمة يتنافسون على كمية محدودة ولا تزيد من المياه.مصادر المياه العذبة هي مياه الأمطار،الأنهار، والمياه الجوفية.
العامل الثاني الذي يضفي تعقيدات إضافية خارجة عن الإطار الثنائي بين السودان وأثيوبيا هو الأثر التاريخي الذي تم تقسيم مياه النيل على ضوئه. وبالخصوص كنا قد تكلمنا الاسبوع الماضي عن اتفاقية 1902 وأطرافها بريطانيا بحكم احتلالها للسودان وأثيوبيا فيما يتعلق بالحدود بين الدولتين وقد ورد في الاتفاقية التزام بشأن المياه من الامبراطور منيلك تجاه الحكومة البريطانية بألا يقيم أو يسمح بإقامة أي أعمال ري على النيل الأزرق أو بحيرة تانا أو نهر السوباط تحجز انسياب المياه الى النيل إلا باتفاق مع الحكومة البريطانية وحكومة السودان.
اتفاقية 1929 التي أبرمتها الحكومة البريطانية مع الحكومة المصرية نيابة عن دول الهضبة الأفريقية التي تحتلها يتضمن اقرار تلك الدول بحصة مصر المكتسبة من النهر وروافده وان لمصر حق الفيتو في الاعتراض في حالة إنشاء هذه الدول مشروعات جديدة على النيل وروافده وحقها في انشاء منشآت تزيد من ايرادات المياه لصالحها داخل الأراضي السودانية بالاتفاق مع السلطات المحلية (من أمثلة ذلك خزان جبل الأولياء في السودان).
اتفاقية 1959: وهي الاتفاقية التي أبرمت بين السودان ومصر وأتت مكملة لاتفاقية 1929 وليست لاغية لها ،وقد أتى في الديباجة أن الغرض من الاتفاقية اتفاق وتعاون بين البلدين لانشاء المشروعات التي تعمل على ضبط مياه النهر وزيادة ايراده .
ثبتت الاتفاقية لمصر(48 مليار متر مكعب عند أسوان سنويا) وللسودان( 4 مليارمترمكعب) حقوقا مكتسبة قبل الحصول على الفوائد المستقبلية من زيادة الايراد- انشاء السد العالي ، خزان الرصيرص وبحساب صافي الفائدة على اساس 84 مليار متر مكعب بعد استبعاد الحقوق المكتسبة(4 مليار للسودان و48 مليار لمصر) ومتوسط فاقد التخزين ويوزع صافي الفائدة المائية من السد العالي بنسبة 14.5 للسودان و7.5 لمصر فيكون نصيب السودان 18.5 مليار مكعب ونصيب مصر 55.5 مليار مكعب– دفع 15 مليون جنيه مصري تعويضا عن الأراضي التي يغمرها السد – تتعهد حكومة السودان بترحيل سكان حلفا قبل يوليو 1963 –التنازل عن التخزين في جبل اولياء لبحث ما يعمل بالخصوص-انشاء مشروعات زيادة ايراد النيل من المياه الضائعة في مستنقعات بحر الجبل والزراف وتكون التكلفة مناصفة بين البلدي وكذلك الفوائد – اذا دعت مشروعات التوسع الزراعي في مصر انشاء مشروعات لزيادة النيل تخطر السودان بذلك قبل سنتين من التنفيذ الذي تنفق عليه من عندها لحين أن ترغب السودان في استثمار تلك المياه فتدفع حينها بنسبة استفادتها من المشروع بحيث لا تتجاوز حصة اي من الجمهوريتين نصف الفائدة الكاملة من المشروع- انشاء هيئة فنية لمتابعة الارصاد على النهر وزيادة ايراده ومهامها رسم الخطوط الرئيسية لمشاريع زيادة الايراد، و تنفيذ المشاريع المتفق عليها،وضع نظم التشغيل، النصح في أوقات شح المياه- الاتفاق على رأي موحد متى ما كان هناك بحث خارج حدود الدولتين –بحث مطالب الدول الأخرى والاتفاق على رأي موحد تجاهها ليحسب ما تم التنازل عنه عند أسوان مخصوما مناصفة من نصيب مصر والسودان، تنظم الهيئة ضمان عدم تجاوز البلد المذكور للكميات المتفق عليها- الاتفاق على نظام التوسع الزراعي قبل تنفيذ السد العالي- يسري الاتفاق بعد التصديق عليه .
عند النظر لتلك الاتفاقات المبرمة لتقسيم مياه النيل يتضح بجلاء أنها اتفاقيات أبعدت دول الحوض الأخرى والدولة الوحيدة التي أعطيت نصيبا في المياه هي السودان بشح واضح وهي اتفاقات لصالح الدولة المصرية تماما.
العامل الثالث هو تطور القانون الدولي بشأن المجاري المائية وآخرها اتفاقية 1997 التي تمثّل عصارة التجارب الإنسانية في قانون المجاري المائية الدولية. فقد درست لجنة القانون الدولي على مدى ثلاثة وعشرين عاماً، وتحت قيادة خمسة مقررين، القواعد والقرارات التي أصدرتها جمعية القانون الدولي (بما في ذلك قواعد هلسنكي لعام 1966)، وكذلك تلك التي أصدرها معهد القانون الدولي. كما درست اللجنة كل الاتفاقيات التي تمَّ عقدها في المجاري المائية الدولية، وقرارات المحاكم (بما في ذلك المحاكم الوطنية في الدول الفيدرالية حيث تكثر نزاعات وقضايا المياه المشتركة) وهيئات التحكيم. كما درست نتائج اجتماع الأمم المتحدة الخاص بالموارد المائية (مؤتمر مار دل بلاتا لعام 1977)، وكذلك مؤتمر ريو للبيئة لعام 1992.(د.سلمان محمد سلمان، لماذا يتعيّن على السودان الانضمام إلى اتفاقية الأمم المتحدة للمجاري المائية الدولية؟ يونيو 2014)
عرفت الاتفاقية نطاقها وعرفت المجرى المائي والمجرى المائي الدولي ودولة المجرى والمنظمة الاقليمية للتكامل كما تناولت اتفاقات المجاري المائية وأطرافها وتناولت المباديء العامة للاتفاقية:
الاستخدام والمشاركة العادلة و المعقولة –الالتزام بعدم التسبب في ضرر ذي شأن –الالتزام العام بالتعاون – التبادل المنتظم للبيانات والمعلومات- العلاقة بين أنواع الاستخدامات المختلفة – الاخطار بالتدابير المزمع اتخاذها والتي يمكن أن يكون لها آثار ضارة- فترة الرد على الاخطار- التزامات الدولة المخطرة أثناء فترة الرد- الرد على الاخطار وفي حالة عدم الرد عليه- المشاورات والمفاوضات المتعلقة بالتدابير المزمع اتخاذها-الاجراءات الواجب اتباعها في حالة عدم الاخطار- التنفيذ العاجل للتدابير المزمع اتخاذها.كما تناولت الاتفاقية موادا تعمل على الحماية والحفظ والادارة – منع حدوث الأحوال الضارة والتخفيف منها- وتفصيل عن المقصود بحالات الطواريء- وأحكام متنوعة تتعلق بالانشاءات وقت النزاع المسلح: فلا يجوز استخدامها بصورة تنطوي على انتهاك مباديء وقواعد القانون الدولي- حتى في حالة تعذر الاتصالات المباشرة بين دول المجرى النهري يستثنى تبادل البيانات والمعلومات بما لا يعرض أمن الدولة المعنية لخطر – في حال التضرر بسبب ما يتصل بأنشطة المجرى النهري لا يجوز التمييز بين المتضررين على أسس العرق أو الدين أو غيرها عند التعويض عن الضرر أو التقاضي لرفع الضرر-تسوية النزاعات(سلميا، التحكيم، لجنة محايدة، لجنة تقصي حقائق- ثم مواد ختامية تتعلق بالتوقيع والتصديق والانضمام وبدء النفاذ وعن النصوص المعتمدة وملحق عن التحكيم.
العامل الرابع في تعقيدات مسألة مياه حوض النيل مطالبة دول الحوض بحقوقها التي يكفلها القانون الدولي في المياه خاصة بعد تزايد حاجتها المائية المتزايدة لمقابلة الطلب بسبب التوسع الزراعي والمجاعات والجفاف وتزايد عدد السكان.
العامل الخامس : التمسك المصري المتشبث بالحقوق التاريخية المكتسبة بحسب اتفاقية 1959 وما سبقها من اتفاقيات تجعل لمصر منفردة حقا في مياه النيل وتوزيع ما تراه زائدا عن حاجتها للدول الأخرى! فالنيل لدى المصريين ليس مجرد مورد للمياه بل أيقونة مقدسة ومصر التي تعيش حول ضفاف النيل بكثافة سكانية متزايدة تعتبر مياه النيل اضافة لقدسيتها أمنا قوميا لا يحتمل تنازعا حوله وتعتبره ملكا خالصا في تجاهل كامل لكل الدول الأخرى المتشاطئة في حوض النيل وبقيتها اضافة للسودان ثمان دول هي: إريتريا · أوغندا · إثيوبيا · جمهورية الكونغو الديمقراطية · جنوب السودان · بوروندي · تنزانيا · رواندا · كينيا.
بمقارنة التطور في القانون الدولي مع المعاهدات التاريخية لحوض النيل نجد تباينا كبيرا
وبين مواقف بعض الدول التي ينبع فيها النهرو تدعي أن مياه النهر مثل الموارد الطبيعية الأخرى ملك لدولة المنبع (تركيا مثالا) والموقف المصري وهي دولة مصب تضع يدها على غالب مياه النيل لابد من حلول وسط ومعادلات كسبية يمكن توفرها فقط بالتعاون والنوايا الطيبة ووضع مصالح الآخرين أيضا في الاعتبار .
وبما أن الأوضاع التي تحقق مكاسبا لأحد الأطراف دون اعتبار للأطراف الأخرى لا يمكنها الاستمرار الة ما لا نهاية، فقد طالبت دول الحوض بمراجعة تلك الاتفاقيات التاريخية لتحقيق معادلة كسبية في حوض النيل وفي الاطار أتت مبادرة حوض النيل 1999م واتفاقية عنتيبي 2010.
(ومبادرة حوض النيل هي أول اتفاقية تضم كافة دول حوض النيل. وقد أفلحت دول حوض النيل عبر لقاءات على مدى أكثر من عقد من الزمان في التوصل لاتفاقية إطارية حول قضايا الحوض، ولكن وقع اختلاف حول ثلاث نقاط مهمة هي:
الموقف من إلزامية الاتفاقيات القديمة
والموقف من شكل التصويت في المفوضية التي تزمع الاتفاقية الإطارية إقامتها
ومسألة الإخطار المسبق الواجب على أية دولة تزمع إقامة مشروع في حوض النيل
ومع كل التعقيدات السابقة في ملف حوض النيل يستطيع السودان بل من واجبه القيام بدور حتمي ومبادرة سودانية للتوفيق بين تلك المواقف المتضادة لتحقيق التعاون المرجو في حوض النيل لفائدة كل الدول المتشاطئة على أسس وعليه قبل ذلك الانضمام فورا لمبادرة حوض النيل و هي البديل الجماعي لاتفاق مياه النيل الثنائي، فهي المنبر الوحيد الجامع لدول الحوض وهي تكتسب قوتها من هذه الصفة لذلك ينبغي الانضمام إليها، وفي ما يتعلق بالنقاط الخلافية فإن دول المنابع مستعدة مع عدم الالتزام بالاتفاقيات السابقة النص على ألا يحدث أذى جسيم للدول المتشاطئة، ما يعني اعتبار الحقوق المكتسبة. كذلك يمكن بدل الإجماع والأغلبية البسيطة في اتخاذ القرار أن يكون القرار المعتمد بنسبة عالية من الأصوات. أما الإخطار المسبق لأي مشروع على الحوض فيمكن أن يكون للمفوضية. ولإدخال عنصر مشاركة دولية حميدة ينبغي أن تنضم دول الحوض للاتفاقية الدولية
على السودان أن يتخذ الموقف المبدئي الآتي:
ضرورة تعديل الواقع القانوني الحالي في حوض النيل بشرط ألا يؤدي الوضع القانوني الجديد لفقر مائي في أية دولة من دول الحوض بحسب خط الفقر المائي كما هو معرف دولياً، وهو ألف متر مكعب للفرد في العام.
انضمام الجميع لمفوضية حوض النيل على أساس معادلة للتصويت في حالة الاختلافات أن يعين صوت لكل 10 مليون من السكان في البلاد المعنية على أن تتخذ القرارات في المسائل العادية بالأغلبية البسيطة، وتتخذ القرارات في المسائل المهمة بأغلبية الثلثين.
توجه الدعوة لمؤتمر قمة لدول حوض النيل كلها لإجازة اتفاقية حوض النيل المقترحة بعد تجاوز نقطتي الخلاف الموضحة أعلاه على أن تصدر من مؤتمر القمة هذا معاهدة مرجعية لحوض النيل وتودع الاتفاقية لدى الاتحاد الافريقي والأمم المتحدة)-الامام الصادق، نحو استراتيجية سودانية لحوض النيل، ابريل 2013.
إذن السيادة المشتركة على النهر،ادراك احتياجات الدول المتشاطئة في حوض النيل وتوزيع المياه على تلك الأسس مع الأخذ في الاعتبار أن الدولة المعينة يمكنها الاستثمار الزراعي في دولة تتوفر فيها الأراضي الخصبة، الأخذ بالميزة التفضيلية لدول الحوض مثلا دولة تقل فيها الأراضي الخصبة لكن مرتفعاتها ووجود منابع النهر فيها تجعل توليد الكهرباء الرخيصة هو أفضل استثمار لتغطية حاجة الدول الأخرى من الكهرباء ، السودان أرضه خصبة فميزته التفضيلية الاستثمار الزراعي لتغطية حاجة دول حوض النيل، مصر بها الخبرات التكنولوجية جنوب السودان به بترول ..الخ مثل هذا التعاون والتكامل يمكنه تحويل حوض النيل الى كتلة اقتصادية كبرى،كما يمكن زيادة الايراد المائي خاصة في الهضبة الاستوائية ويمكن الاقتصاد في استخدام المياه بتدابير عديدة توجد في مظانها.
مثل تلك النتائج الواعدة ممكنة التحقيق اذا عقدنا العزائم.
وسلمتم


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

0 تعليقات