العلمانيون والإسلاميون والدوران في الحلقة الاستعمارية المفرغة كأداة لتفتيت الأمة

د. صبري محمد خليل
أستاذ فلسفة القيم الإسلامية – جامعة الخرطوم
Sabri.m.khalil@gmail.com
ملخص المقال:
نستخدم مصطلح العلمانيين للدلالة على أنصار مذهب فصل الدين عن الدولة. كما نستخدم مصطلح الإسلاميين للدلالة على أنصار مذهب التفسير السياسي للدين (الذي يُطلق عليه خطأً الإسلام السياسي)، والذي يختزل الدين في بعده السياسي، فيحوله إلى وسيلة لغاية هي السلطة. وهذا المذهب يتطرف في إثبات العلاقة بين الدين والدولة – كرد فعل على تطرف العلمانية في نفي هذه العلاقة – فيجعلها علاقة خلط وتطابق، كما في مذاهب الكهنوت والثيوقراطية الأجنبية، وليس علاقة ارتباط من جهة (بتقييد السلطة بقواعد كلية كالشورى)، وتمييز من جهة أخرى (بالتمييز بين التشريع والاجتهاد)، كما في الحل الإسلامي الصحيح للمشكلة.
وكلاهما وجهان لعملة واحدة زائفة ساهم في صنعها الاستعمار القديم والجديد لتحقيق أهدافه في المنطقة، وأهمها التفتيت الطائفي والقبلي للأمة. فما يطرحه الطرفان ليس دعوة دنيوية أو دينية، بل دعاية سياسية خاضعة لقانون الحصر الثنائي – بين شعار وضده – والذي يحول دون الالتفات إلى القضايا الأخرى التي يطرحها الواقع. وهذا الحصر الثنائي يلزم منه الدوران في حلقة مفرغة، وبالتالي العجز عن حل المشكلات المتجددة للواقع، فضلاً عن تفاقم الاستقطاب والصراع وما يلزم عنه من مزيد من التفتيت.
المتن التفصيلي للمقال
دلالات مصطلحي “العلمانيين والإسلاميين”:
يقصر المقال مصطلح الإسلاميين على دلالتين:
الأولى أصلية، ومضمونها أنصار مذهب التفسير السياسي للدين (الذي يُطلق عليه خطأً اسم الإسلام السياسي)، الذي يختزل الدين في بعده السياسي ويجعل السلطة هي الأصل والدين هو الفرع.
والدلالة الثانية تبعية، وهي أنصار المذاهب التي تتبنى الحل الذي قدمه هذا المذهب لمشكلة العلاقة بين الدين والدولة، والذي لا يعبر عن الحل الإسلامي الصحيح لها، أي علاقة ارتباط من جهة وتمييز من جهة أخرى، بل يجعلها علاقة خلط وتطابق كما في مذاهب أجنبية كالكهنوت والثيوقراطية، ومن أمثلتها مذهب التقليد ومذهب الغلو في التكفير واستحلال الدماء.
كما يستخدم المقال مصطلح العلمانيين بدلالتين أيضاً:
الأولى أصلية، مضمونها أنصار الليبرالية كفلسفة طبيعية لا دينية، ومنهج متطرف في الفردية، ومذهب ذو أركان متعددة أهمها العلمانية.
والدلالة الثانية تبعية، مضمونها أنصار المذاهب التي تتبنى الحل الذي قدمته لمشكلة العلاقة بين الدين والدولة، أي فصل الدين عن الدولة، ومثال ذلك المذهب الماركسي الذي يدعو – في صيغته الأصلية – إلى إلغاء الدين وليس فصله عن الدولة فقط.
وجهان لذات العملة الاستعمارية الزائفة:
فكلاهما وجهان لعملة واحدة زائفة ساهم الاستعمار القديم في صنعها لخدمة أهدافه في المنطقة، وأهمها تفتيت الأمة.
العلمانية والتغريب:
فقد دعم الاستعمار القديم والجديد النخب المتغربة بهدف استخدامها كأداة محلية لتحقيق أهدافه. والدعوة إلى العلمانية في مجتمع مسلم – كالمجتمع العربي – هي شكل من أشكال التغريب، الذي مضمونه استبدال المفاهيم والقيم والقواعد الإسلامية – التي تشكل الهيكل الحضاري لهذا المجتمع – بالمفاهيم والقيم والقواعد الغربية، لتحقيق قدر من الشعور المستقر بالانتماء إلى الحضارة الغربية.
مذهب التفسير السياسي للدين وفتنة التفرق في الدين (النقض الطائفي لوحدة الإرادة الشعبية للأمة):
فهذا المذهب يلزم منه عدد من المفاهيم البدعية، أهمها التفرق في الدين (الشيع بالمصطلح القرآني)، كما في قوله تعالى:
(الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعاً).
ويترتب على ذلك أيضاً النقض الطائفي لوحدة الإرادة الشعبية للأمة، لأن الطائفة دين أو مذهب ديني مقصور على جماعة معينة، في حين أن الدين رابط روحي موحد للأمة.
لذا أسس الاستعمار القديم علاقات – سرية وعلنية، مباشرة وغير مباشرة – مع جماعات تتبنى هذا المذهب بما يضمن استمراره، عن طريق النقض الطائفي لوحدة الإرادة الشعبية للأمة على المستوى الوطني، كما عبرت عنها الحركات الوطنية الاستقلالية.
ولا حقاً أقام الاستعمار الجديد (الإمبريالي الأمريكي) علاقات – سرية وعلنية – بهذه الجماعات بهدف النقض الطائفي للإرادة الشعبية للأمة على المستوى القومي، كما عبرت عنها حركة التحرر القومي من الاستعمار. كما ساهم لاحقاً في إنشاء أو تفعيل بعض الجماعات التي تتبنى هذا المذهب أو صيغته التكفيرية المعلنة، لضمان تحقيق أهدافه في التفتيت الطائفي والقبلي للمنطقة ضمن مشروع الشرق الأوسط الجديد الإمبريالي الصهيوني منذ سبعينيات القرن الماضي.
اختلاف المقدمات النظرية واتفاق النتائج العملية:
يتسق مع ما سبق ذكره من أن كليهما أداة استعمارية لتفتيت الأمة أنه، رغم الاختلاف بينهما في المقدمات النظرية – إلى درجة التناقض – إلا أن هناك اتفاقاً في النتائج العملية التي تلزم من الممارسات الفعلية للطرفين، موضوعياً وبصرف النظر عن الشعارات والنوايا الذاتية.
ومن هذه النتائج:
أولاً: رد فعل متطرف
كلا الطرفين يمثل رد فعل متطرفاً في الاتجاه (إثبات أو نفي العلاقة بين الدين والدولة)، لكنه مساوٍ في المقدار:
فالتطرف في إثبات العلاقة إلى درجة الخلط والدمج عند الإسلاميين، يقابله التطرف في نفيها إلى درجة الفصل عند العلمانيين.
فمرجع تطرف مذهب التفسير السياسي للدين في إثبات العلاقة بين الدين والدولة أنه ظهر في المجتمعات المسلمة في العصور الحديثة كرد فعل على الليبرالية التي – باستنادها إلى العلمانية – تطرفت في نفي أي علاقة للدين بالدولة، كما أنه أيضاً رد فعل على الممارسات السلبية للكنيسة في أوروبا في العصور الوسطى.
ثانياً: عدم التعبير عن الحل الإسلامي الصحيح
إن كلا الطرفين قدم حلاً لمشكلة العلاقة بين الدين والدولة لا يعبر عن الحل الإسلامي الصحيح لها. فالعلاقة في الإسلام هي علاقة وحدة وارتباط من جهة، لأن السلطة في الإسلام مقيدة بقواعد كلية كالشورى والعدل، وليست علاقة خلط أو تطابق كما يفترض هذا المذهب.
كما أنها علاقة تمييز من جهة أخرى، لأن الإسلام يميز بين التشريع كوضع إلهي ثابت، والاجتهاد ككسب بشري متغير، وليست علاقة فصل كما في العلمانية.
ثالثاً: مصطلحا “إسلامي” و“علماني أو ليبرالي” حادثان في تاريخ الأمة
من الناحية اللغوية فإن مصطلحي إسلامي وعلماني وليبرالي حادثان في تاريخ الأمة.
مصطلح إسلامي:
من ناحية اللفظ لم يرد لفظ “إسلامي” أو “إسلاميين” كصيغة نسب لمفرد أو جماعة من البشر في القرآن أو في أقوال السلف الصالح، وإنما ورد لفظ مسلم ومسلمين. قال تعالى:
(هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا) (الحج: 78).
وإذا كان بعض العلماء في مراحل تالية لعهد السلف قد استخدموا مصطلح إسلاميين، فإنهم استخدموه بدلالات غير دلالاته المعاصرة التي تقتصر على فئة معينة من المسلمين ولا تشمل جميع المسلمين.
مسلمون وليس إسلاميون:
طوال التاريخ الإسلامي استخدم المسلمون المصطلحات القرآنية (المسلم، المسلمون) في وصف كل من التزم بأصول الدين الثابتة من أفراد وجماعات. أما الجماعات التي التزمت بأحد المذاهب الإسلامية – التي هي محصلة الاجتهاد في فروع الدين المتغيرة – فقد نُسبت إلى أصحابها، كالحنابلة والمالكية والشافعية والحنفية في الفقه، أو الأشاعرة والماتريدية والطحاوية في علم الكلام.
كما نُسبت الطرق الصوفية إلى مؤسسيها، مثل: القادرية والشاذلية والنقشبندية.
ولم يُستخدم مصطلح إسلامي وإسلاميين بدلالاته الحديثة في المجتمعات المسلمة إلا في العصور الحديثة بعد ظهور الاستعمار (أحمد الريسوني: الحركة الإسلامية المغربية، ص 17).
مصطلح علمانية:
هو تعريب لمصطلح أجنبي هو Secularism، ويدل أصله اللغوي على معنى العالم (الدنيوي) وليس العلم. وكذلك مصطلح ليبرالي، فهو صيغة نسب لمذهب غربي محدث هو Liberalism، الذي يعني مذهب الحرية.
رابعاً: صيغ مختلفة للشعوبية المعاصرة
(الاتفاق على إنكار علاقة الانتماء القومية اللغوية غير العرقية للأمة).
فكلا الطرفين – الإسلاميون والعلمانيون – اتخذ موقفاً سلبياً من علاقة الانتماء العربية كعلاقة انتماء قومية ذات مضمون حضاري ولساني غير عرقي إلى أمة التكوين (الأمة العربية) التي أوجدها الإسلام بعد أن كانت قبائل وشعوباً متفرقة. وبالتالي فكلاهما يمثل صيغاً معاصرة للشعوبية.
خامساً: التناقض مع التدين الشعبي العربي
هوية التدين الشعبي العربي: له نمطان:
أولاً: نمط سائد يتصف بالآتي:
سني وفق مذهب أهل السنة.
أشعري عقدياً.
فقهيّاً وفق أحد المذاهب الأربعة: المالكي أو الشافعي أو الحنفي أو الحنبلي.
مع أثر صوفي عملي.
ثانياً: أنماط فرعية
تستند إلى بعض المذاهب الكلامية والفقهية غير السنية، وقد تحولت في مراحل تاريخية متأخرة إلى طوائف.
سادساً: مناهضة حركة التحرر القومي من الاستعمار ورموزها
فقد اختارت جماعات تتبنى مذهب التفسير السياسي للدين – خاصة في صيغته القطبية التكفيرية – الصدام مع الدولة في مرحلة كانت تخوض فيها معارك مصيرية ضد الاستعمار.
كما اختارت شخصيات ومؤسسات وأحزاب ليبرالية علمانية أن تكون أدوات بيد الاستعمار لضرب حركة التحرر القومي. كما اشترك الطرفان في حملة تشويه صورة أبرز رموزها، الزعيم الراحل جمال عبد الناصر.
سابعاً: تبرير تطبيق النظام الاقتصادي الرأسمالي
اتفق الطرفان أيضاً على تبرير تطبيق النظام الاقتصادي الرأسمالي تحت شعارات مثل: الانفتاح، الإصلاح الاقتصادي، الخصخصة، ورفع الدعم، كركن أساسي من مشروع الشرق الأوسط الجديد الإمبريالي الصهيوني.
فالمبرر النظري لليبراليين هو أن الرأسمالية أحد أركان الليبرالية. أما بعض الماركسيين العرب المعاصرين فيدافعون عن تطبيقها بدعوى أن الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية حتمي. بينما يبرر أنصار مذهب التفسير السياسي للدين ذلك بتبنيهم ما يسمى التفسير الرأسمالي للاقتصاد الإسلامي.

عن د. صبري محمد خليل

شاهد أيضاً

الموقف الحقيقى لنعوم شومسكى من الامبريالية والصهيونية

sabri.m.khalil@gmail.comالموقف الحقيقي لنعوم شومسكي من الإمبريالية والصهيونية: اليسار الاستعماري والمعارضة من داخل البنية د. صبري …