الجريدة هذا الصباح..
احتجاجات الشرق كشفت أنها لم تكن مجرد ردّ فعل على انعدام الخدمات، بل تعبير عن غضب سياسي متراكم.
وهذا ما يسكب حبرًا جديدًا على الأسفلت، حروفه تجعل الحدث ذا دلالة سياسية لا يمكن تجاهلها.
أطياف
صباح محمد الحسن
العمق الشعبي
طيف أول:
أحبُّ فيكَ يا وطني صفاءً لا يُقاسُ بما
في الكونِ من شمسٍ أو من طيبِ ألوانِ.
وما حدث في سنكات صوت شعبي مقاوم للظلم، يطالب فيه المواطنون بالخدمات الأساسية وحقوقهم التي يجب أن توفّرها لهم الحكومة.
فخرجوا احتجاجًا على قرار الشركة السودانية القابضة للكهرباء بإدخال المدينتين ضمن برمجة قطوعات التيار الكهربائي لفترات طويلة تصل إلى 12 ساعة وسط درجات حرارة عالية، مما أدّى إلى إغلاق الطرق القومية.
ولكن أن يأتي الهتاف ضد الفريق عبد الفتاح البرهان شخصيًا، فهذا صوتٌ يتجاوز قراءة المطالب الشعبية الضرورية، ويكشف أن الاحتجاجات لم تكن مجرد ردّ فعل على خدمة، بل تعبير عن غضب سياسي متراكم.
وهذا ما يسكب حبرًا جديدًا على الأسفلت، حروفه تجعل الحدث ذا دلالة سياسية لا يمكن تجاهلها، ويؤكد حالة الاحتقان السياسي.
فالكهرباء كانت مجرد شرارة، أمّا الوقود الحقيقي فهو الغضب السياسي المكبوت.
وهو ما كشف تلقائيًا هشاشة تحالف البرهان والناظر ترك، وتصدّع القاعدة الشعبية التي يُفترض أنها داعمة لهذا التحالف، وأن الشرق ليس كتلة واحدة.
وخروج المواطنين في سنكات، كمنطقة تُعتبر من معاقل نفوذ ترك، يشير إلى تراجع التأييد الشعبي للناظر الذي أفلتت جماهيره من يده وتحررت من قبضته في وقت راهن بها لعقد صفقاته السياسية مع البرهان.
وذات المدنية سنكات هي التي أغلقت الطريق القومي الخرطوم–بورتسودان في 2020 إبّان حكومة حمدوك بأمر من ترك، وخرجت العام الماضي تعبّر عن فرحتها بانتصارات الجيش.
ما يعني أنها ومنذ انقلاب البرهان لم تخرج في مواكب أو تتظاهر دون رغبة ترك أو ضد البرهان.
فخروج المواطنين في سنكات لا يهزم الشراكة بين الجنرال والناظر مباشرة، لكنه يضربها في عمقها الشعبي ويجعلها تبدو أقل قوة وأقل تمثيلًا، وهو ما ينعكس على وزنها السياسي في أي تسوية قادمة، ويضعفها سياسيًا ويجعلها أقل قدرة على الرهان على المواطنين.
وهذا يكشف أن القاعدة الشعبية يمكن أن تنقلب في أي لحظة، وأن البرهان لا يملك تفويضًا كاملًا حتى في مناطق حلفائه.
وهذا يضعف التحالف بينه وبين ترك سياسيًا، هذا إن لم يسقطه.
وتجاهلت وسائل الإعلام هذه الاحتجاجات التي يبدو أنها جاءت مباغتة للحكومة، لأنها حدثت في منطقة يُفترض أنها مؤيدة للبرهان، وتكشف في ذات الوقت ضعف التحالفات في الشرق، وتؤثر على صورة السلطة داخليًا وخارجيًا، مع الخوف من انتشار العدوى.
فالتحالفات في السودان، خاصة في زمن الحرب، تعتمد على الزخم الشعبي والقبول المجتمعي، وأي احتجاجات ضد أحد أطرافها تُضعف صورتها وتكشف أن الخطأ فيها هو أن علاقة الحكومات بالإدارات الأهلية دائمًا ما تُبنى من الأعلى، وليس من القاعدة الشعبية.
لذلك كانت خطوة الشعب إلى الشارع تمثل ضربة قاضية لإضعاف شرعية الخطاب السياسي بالغطاء القبلي والمناطقي، وإظهار حالة انقسام واضحة داخل القاعدة الاجتماعية التي يُفترض أنها داعمة لهما، وتقليل قدرة التحالف على الادعاء بأنه يمثل الشرق بالكامل.
ومن قبل، في هذه الزاوية، عندما خرج المواطنون يحتفلون بانتصارات الجيش، ذكرتُ أنها حالة تعبير طبيعية يجب ألّا يوظّفها الإعلام على أنها دليل دعم سياسي للبرهان.
وهذا ما حدث؛ فاحتجاجات مواطني سنكات أكدت أنهم كانوا يهتفون للجيش لأنهم يرون فيه قوة الحماية، لكن عندما هتفوا الآن ضد قائد الجيش رأوا فيه الشخص العاجز الذي لا يعبّر عن تطلعاتهم ، فما حدث يكشف أن التعبير عن الولاء في السودان ليس ولاءً صلبًا، بل ولاءٌ ظرفي للمؤسسة.
ولأن الاحتجاجات أثّرت على علاقات ترك بقواعده الاجتماعية، اجتمع أمس رئيس الوزراء كامل إدريس بالناظر، وقالت الأخبار إنهما بحثا عددًا من القضايا الوطنية والمجتمعية وسبل تعزيز تماسك النسيج الاجتماعي، وربط مكوناته بما يخدم مصلحة المجتمع العليا، سواء على الصعيد الخدمي أو الاجتماعي.
واللقاء يدل على قلق حكومي واضح، ويحمل دلالات على اهتزاز تماسك الشرق بعد احتجاجات سنكات وجبيت، ويؤكد أن الاحتجاجات أثرت فعلاً على علاقة ترك بقواعده، ولذلك ناقش الاجتماع “تماسك النسيج الاجتماعي” كإشارة سياسية إلى وجود اهتزاز داخل البيت الشرقي.
طيف أخير
لا_للحرب
عندما تحدثنا عن أن التصريحات العسكرية لقائد الأركان الإثيوبي تشير إلى أن إثيوبيا غادرت مربع الحديث الدبلوماسي والسياسي، وأن تصريحاتها تدل على تحرك عسكري مرتقب، خرجت أمس الحكومة وإعلامها يتحدثون عن توغل قوات إثيوبية بالفشقة، ويقفون على الجسر بين النفي والإثبات.
