غربا باتجاه الشرق
mustafabatal@msn.com
(1)
شأن كثيرين من ابناء جيلي احفظ (ياقوت العرش)، التي تقول بعض كلماتها: (يا محبوبي ذهب المضطر نحاس). ولكن الشاعر محمد الفيتوري يرتبط في ذهني بأربع قصائد: الأولى هي (الحصاد الافريقي) التي حواها ديوان (عاشق من افريقيا) في الستينيات. وغناها فنان الشعب محمد وردي وعُرفت في الأدب الثوري السوداني باسم (أصبح الصبح). وذلك بعد ان حوّر وردي الكثير من أبياتها مثل (أبداً ما هُنت يا افريقيا يوما علينا)، فجعلها (يا سوداننا)!
واصبحت تلك الانشودة معلماً في طريق الانتفاضة الاكتوبرية ضد النظام العسكري عام 1964. هذا مع ان الفيتوري نفسه لم يكن معارضاً لذلك النظام ، بل كان اقرب اليه من حبل الوريد. ثم أنه صرح في حوار صحفي منشور عن غناء الفنان للقصيدة بما يلي: “ذكر لي وردي انه فرغ من تلحين الكوبليه الأول، فلم اعطه المتبقى من أبياتها إلا بعد ان أقسم لي انه لن يشدو بها الا عندما اغادر السودان”!
القصيدة الثانية هي قصيدة (لم يتركوا لك ما تقول)، التي يمجد فيها نظام صدام حسين. وتتحدث عن (شموخ بغداد)، و(بغداد كعبتنا)، و(أكاد لولا وجه بغداد العظيم متوجاً بالنصر أسقط في الذهول)!
أما الثالثة فهي تلك العصماء التي يحفظها ابناء ليبيا الشقيقة عن بكرة ابيهم، والتي قسم فيها البشر الى قسمين: بشر عاديون وبشر أفذاذ. وأفتى بأن العقيد معمر القذافي ينتمي الى أفذاذ البشر. إسمع له يقول: (فليسمع الحالمون الراقدون على بطونهم والدجي من فوقهم حجرُ / إن المقادير تستثني الرجال وان تشابه البشر الأفذاذ والبشر)!
ثم حيّا الله صاحبي رفيق الشباب الباكر، اول عهدي بالخدمة المدنية، المغيرة ذو النون، فقد صدعني تصديعاً بقصيدة (سلطان العشاق). وفيها يصدح الفيتوري: “عشقي يفني عشقي وفنائي استغراق / مملوكك لكني سلطان العشاق)!
(2)
قرأت مؤخراً بياناً لاتحاد الصحافيين السودانيين جاء فيه أن الاتحاد قرر بناء منزل للشاعر محمد مفتاح الفيتوري في مدينة أم درمان. (وكان اتحاد الصحافيين بحسب إفادة حديثة لنقيبها السابق، حبيبنا الاستاذ محي الدين تيتاوي، من موقع اقامته وعمله الجديد في الدوحة، قد منح الفيتوري في تاريخ سابق منزلاً ضمن منازل كان قد جري تخصيصها للصحفيين في احدى ضواحي الخرطوم). فهذا اذن هو المنزل الثاني: منزل في الخرطوم، ثم منزل في ام درمان!
ليست هذه المرة الاولى التي أقرأ فيها عن (عمل خير) تضطلع به جهة ما لصالح الفيتوري، بل أن مثل هذه البادرات تتوالى بين الفينة والاخرى.
وقبل فترة وقفت، في منبر اسفيري، على أنباء حملة لجمع التبرعات لمساعدة الشاعر في مقابلة بعض متطلبات حياته وتكلفة علاجه، لا سيما وانه كما قيل لنا يعيش حياة الخُصاصة في احدي مدن المغرب العربي. ولكن هناك دائماً شئ يحيرني ويثير استغرابي حول هذه الظاهرة.
تقول الموسوعة العالمية (ويكيبيديا) عن سيرة الرجل الذاتية أنه عمل، وعلى مدي فترات زمنية متطاولة: خبيرا ومستشاراً بجامعة الدول العربية. ثم مستشاراً ثقافيا في سفارة ليبيا بروما. ومستشاراً بدرجة سفير بسفارة ليبيا في بيروت. كما عمل ولسنوات مستشاراً بسفارة ليبيا في الرباط. تلك فقط الوظائف النظامية المأجورة، دعك من اعطيات الممدوحين (الأفذاذ)، من شاكلة القذافي وصدام. ثم مردودات بيع دواوين الشعر التي غمرت مكتبات العالم العربي من اقصاه الى اقصاه.
السؤال: لماذا يحتاج رجل بهذه السيرة الثرية الى مساعدات مالية، تُجمع من عامة الناس ومن محرري الصحف، الذين يشكون لطوب الأرض من قلة اجورهم، ليسكن ويأكل ويشرب ويتداوي؟ راحت فين فلوسه؟!
الغريب أن من يشاهد الصور الفوتوغرافية للشاعر في منزله بإحدي ضواحي مدينة الرباط المغربية، لا تخطئه الجدران الملونة والستائر رفيعة الذوق، وفاخر الأثاث وناعم الطنافس، مما لا نراه إلا عند سراة القوم عندنا. حكمة الله البالغة ان كل من يذهب الى الرباط لزيارة الشاعر الكبير يأتينا بمثل تلك الصور، فينثرها على مجالسنا.
في حديث مع صديقي الصحافي الدكتور عبد المطلب صديق، مدير تحرير صحيفة (الشرق) القطرية، ذكر لي أنه قصد الشاعر، بصحبة الاعلامي الكبير الاستاذ على شمو، أثناء مشاركتهما في مؤتمر الأسيسكو بالمغرب عام 2013. وهناك فوجئ بأن الفيتوري يقيم في فيلا فاخرة المبنى والرياش، في منطقة سياحية باهظة الثمن، على شاطئ الأطلسي!
(3)
وتقول الويكيبيديا ايضا عن شاعرنا: (اسقطت عنه الحكومة السودانية ابان عهد الرئيس جعفر نميري الجنسية السودانية وسحبت جواز سفره لمعارضته للنظام، فمنحته حكومة طرابلس عام 1974 الجنسية الليبية). وقد كتبت أنا قبل عدة أشهر مقالاً في زاويتي، آنذاك، بصحيفة (الخرطوم) قلت فيه ان تلك الدعوى التي ذاعت فعمّت القرى والحضر عن اسقاط جنسية الفيتوري، ليس لها من الحق نصيب. وأنه لم يحدث قط أن صدر قرار مثل ذلك، من اى جهة في الدولة، خلال العهد المايوي.
والحق أن الدولة النميرية لم تنزع الجنسية عن أى مواطن سوداني بسبب معارضته نظامها. حتى الامام السيد الصادق المهدي، مدبّر الغزو العسكري الذي انقض على النظام وزلزله عام 1976، والذي حُكم عليه بالاعدام غيابياً، لم تُسقط عنه، ولا عن غيره من المعارضين الغزاة، الجنسية السودانية.
بالمناسبة، متى وكيف عارض الفيتوري نظام مايو فاستحق عقوبة لم توقع على من حملوا السلاح واقتحموا الخرطوم عنوة؟!
(4)
ثم أن القذافي لم يمنح الفيتوري الجنسية الليبية عام 1974 كما ذكرت الويكيبيديا، بناء على المعلومات المتداولة، لسبب بسيط وهو ان ليبيا عهدذاك لم تكن تعترف بالجنسيات القطرية. وفي عرف القذافي ونظامه الوحدوي وقتها كان العرب بأسرهم يمثلون دولة واحدة، فلا تُستخدم كلمات مثل (أوطان) و(جنسيات)!
وكانت ليبيا القذافي في السبعينيات الاولى تطلق على نفسها: (مثابة). اي انها دار لكل العرب، يلجون ابوابها بلا تأشيرات دخول. وكل دولة تعتبر (ساحة)، فيقال: “فلان جاء من الساحة اللبنانية”، او “من الساحة السودانية”. وكان عدد من أبناء السودان قد ذهبوا الى ليبيا الثورة، وتم تدريبهم وتعيينهم ضباطاً طيارين في الجيش الليبي، وفي وحدات سيادية اخرى، ولم تكن لديهم بالطبع (جنسيات) ليبية!
ومن المؤكد أن ليبيا القذافي منحت الفيتوري جواز سفر ليبي عندما جاءها باسمه اللامع وشعره الساطع، في عزّ سنوات حمى القومية العربية، ليخدمها في المحافل الخارجية. واغلب الظن انه كان مستحقاً بصورة تلقائية للجنسية الليبية عندما نكص القذافي عن احلامه الطفولية، وأعاد لليبيا هويتها القانونية.
(4)
حيرتنا من أمر الفيتوري وسيرته لن تنقضي. ولكننا ندعو الله، تعالت قدرته، ان يحرسه بعينه التي لا تنام. وان يُذهب عنه البأس. وأن يمنّ عليه بشفاءٍ لا يغادر سقماً، وان يُلبسه ثوب العافية، عاجلاً غير آجل.
نقلاً عن صحيفة (السوداني)
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم