زين العابدين صالح عبد الرحمن
إن صلاة رئيس مجلس السيادة و القائد العام للجيش عبد الفتاح البرهان في مسجد الحضراب بشمبات الجمعة الماضية، تعتبر واحدة من الزيارات التي كان قد صلى فيها صلاة الجمعة، و هي تعد من أهم الإشارات الرمزية السياسية في عملية التعبئة الوحشد وسط القطاع المجتمعي.. حيث زار البرهان و صلى الجمعة في كل من مسجد أم درمان الكبير و مسجد الشيخ أبوقرون في شرق النيل و مسيد الشيخ الطيب أم مرحي و مسجد الشيخ الصائم ديمة، و مسجد الشيخ الخليفة على بركات و صلى أيضا في مسجد السنهوري بالخرطوم .. هذه الصلوات تعد أكبر رمزية في تاريخ التعبئة المجتمعية و السياسية في تاريخ ما بعد ثورة ديسمبر 2018م.. و الصلاة و مخاطبة المصلين في حوار مفتوح هي التي تكل القناعات الشعبية التي لا تنكسر أمام التحديات.. إن الحوار مع القيادات المجتمعية و الشعبية تعد من أهم أدوات التعبئة السياسية لمواجهة الأخطار على البلاد..
الصلاة في مسجد الحضراب، ليس إشارة دينية، بل أكبر إشارة رمزية سياسية، باعتبار أن الحضراب ليس مجموعة سكانية في إحدى الأحياء، و لكن منهم قيادات اتحادية ارتبط اسمها بالصراع السياسي في السودان، و الانتماء للحركة الاتحادية منذ أن توحدت عام 1952م تحت أسم الوطني الاتحادي، و رغم انتمائهم إلي الطريقة الختمية، و لكنهم كانوا جزءا أصيلا من الحركة الوطنية السياسية، و كانت تقودهم المواقف الوطنية.. خاصة العم عمر حضره اطال الله ي عمره، و المرحوم حسن حضرة، كان الاثنان من القيادات الاتحادية التي شاركت مشاركة فاعلة في ” الجبهة الوطنية” التي خاضت صراعا مسلحا ضد انقلاب عبود، و لهما ارتباط وثيق بالشريف حسين الهندي.. فالزيارة ليس عابرة و صلاة جمعة، و لكنها تشكل رسالة لها رمزيتها الثقافية والسياسية ..
و الزيارة لم تخلقها الظروف و الصدف، و لكنها زيارة معروفة و مؤكدة، و هي التي جعلت السيد عمر حضرة يسارع بالرجوع مع أبنه أحمد حضرة للسودان.. بهدف المشاركة في تقديم الأراء التي تتعلق بقضية الحوار الوطني و مستقبل السياسة بعد إنتهاء الحرب.. إن حديث البرهان في مسجد الحضراب، لا يختلف عن كل الخطابات التي كان قد القاها البرهان في المساجد التي كان قد صلى فيها فريضة الجمعة.. و التأكيد على إن العملية السياسية سوف تبدأ بعد إنتهاء الحرب و القضاء على الميليشيا.. و رغم إن البرهان في خطاباته يؤكد على ذلك، لكن هناك تشكيك في الخطاب ليس من قبل المجموعة المساندة للميليشيا لوحدها، و أيضا هناك جناح ضعيف متطرف من الذين كانت مصالحهم قد ارتبطت بالإنقاذ، و هؤلاء يعتقدون إن البرهان كان سببا في سقوط النظام الذي كان يؤمن لهم هذه المصالح، و ايضا أفراد من داخل الكتلة الديمقراطية التي تعتقد إن البرهان يشكل لها مضايقة بطرق غير مباشرة..
إن التعبئة الجماهيرية التي كانت قد حدثت أثناء الحكم الذاتي عام 1954م و الزيارات التي كان قام بها قيادات الحركة الوطنية في تعبئة الجماهير في طوافهم في الأقاليم و تشجيع الجماهير بالذهاب إلي صناديق الاقتراع للانتخابات عام 1953م هي التي جعلت الزعيم إسماعيل الأزهري يتحرك نحو الخطاب المباشر في نيل الاستقلال رغم إن حزبه كان رافعا شعار وحدة وادي النيل.. و لذلك جاء الاستقلال من داخل البرلمان في 19 ديسمبر 1955م، هذه الإشارات التاريخية في السياسة السودانية، شاركت فيها العديد من الأحزاب التاريخية التي وضعت بصمتها في تاريخ استقلال السودان ” الحزب الوطني الاتحادي و حزب الأمة و الحزب الشيوعي و الحركة الإسلامية للتحرر التي تفرعت فيما بعد لعدد من المسميات”و هي القوى السياسية التي تعرف بإنها صانعة استقلال السودان.. لذلك في لقاء البرهان مع المجموعات الشعبية قال أنه لديه فكرة بإرجاع “العلم القديم” هو رمزية للاستقلال، و إشارة لاستنهاضهم لمواجهة التحديات و المؤامرات الخارجية و الداخلية التي تتعرض لها البلاد..
أن التحرك وسط القطاع المجتمعي ليس فقط بهدف استقطاب القيادات الاجتماعية، إنما هذا القطاع يتسع ليشمل جزءا كبيرا من المجتمع السوداني.. إذا أضفنا إليه الإدارات الأهلية.. و هو الذي يجب أن تكون له كلمة في أية حوار سياسي يتم في البلاد.. هؤلاء يمثلون أغلبية القوى المدنية في البلاد.. و ليس من النخب السياسية التي لا تمتلك قواعد جماهيرية و تستلف لسان الشعب.. فالتواصل ذو أهمية بالغة و مؤثرة في الوسط الشعبي.. فالزيارات التي يقوم بها رئيس مجلس السيادة و القائد العام للجيش بهدف الاحتفاظ بالأغلبية الشعبية الداعمة للجيش ضد الميليشيا، و الذين يقفون وراءها من دول في المنطقة و الإقليم، و دول أخرى تريد الحرب أن تخدم أجنداتها.. فمسجد الحضراب في شمبات رغم إن المكان للعبادة و الصلاة لكنه أيضا عرف بخدمة القضايا الوطنية…
تلعب القوى الاجتماعية و من خلال مراكزها دورا كبيرا في عملية التعبئة و الحشد الجماهير لما لها من اتباع و مريدين، حتى الأحزاب السياسية في أوقات الانتخابات تلجأ إليها و تحاول أن تستقطبها لصالحها لأنها تعرف إن قاعدتها الجماهيرية مؤثرة في صناديق الاقتراع، و هي قاعدة كبيرة و مؤثرة في السياسة.. و حتى الأحزاب السياسية التي لها موقف منها لا تتحرج أن تتودد إليها.. لكن واحدة من الأدوات التي تحدث تغييرا كبيرا في المسار السياسي في البلاد هو وعد الشباب أن يقدموا إلي انتخابات المجالس المحلية ” مجالس الأحياء” لكي يصبحوا هم الأدوات التي يجب أن تحدث تغييرا في مسار العمل السياسي الذي أدمن الفشل، هؤلاء الشباب هم ليس جزءا من موروث الفشل السياسي. و لا هم ورثه للعلاقات السياسية الرديئة التي تتحكم في العلاقة بين هذه المكونات.. الشباب الجديد يجب ان يكون تفكيرهم كيفية مواجهة التحديات بصدور مفتوحة لتقبل الرأي الأخر و أحترامه.. و كل واحد من الرأيين يمثل جزء من الحقيقة.. و هؤلاء مدركين إن المؤسسات الحزبية التي لا تتداول فيها القيادات عبر صناديق الاقتراع لن تكون صالحة في عملية التحول الديمقراطي.. و الذين لا ينتجون أفكار غير جديرين بالتغيير.. إنها معركة فكر و رأي بهدف احداث تغييرا شاملا في العقول الخاملة، أما الرجوع للإرث القديم و إبعاد هذا و ذاك سوف تعود بالبلاد إلي مسببات الحرب… نسأل اللله حسن البصيرة..
zainsalih@hotmail.com
