الكُرّاسة المحموديّة: في الذكرى السابعة والثلاثين لمُضيِّ العارف الشَّهيد الأستاذ محمود محمَّد طه في سبيلِهِ…

 


 

 

إبراهيم جعفر


مشيت لسريرك ...


" هديّةٌ صغيرةٌ إلى الشّهيد النبيل الأستاذ محمود محمد طه في ذكراه السّنويّة الأولى ".

***

كان في النهر اضّطرامٌ بالأسى.  وكان جناح جبرائيل (الظّلمانيّ والنّورانيّ) يتفتّحُ في لحظةِ ظلامِ المواردِ .. آنذاكَ رحلتَ يا غمامةً من الوجدِ و" مشيت لسريركْ/ يِسُوقَكْ شوق الواجد/ في مُزناتُو الخدرَه / يِدَوِّر بيك مرجيحة الرّب .. " .. تفيضُ نفسي بالحزن الرّحمانيِّ وأشتاقُ إلى أن أكونَ ذاتَكَ الجّديدة التي وُلِدَتْ من بينَ دفَّتَيّ المصحفِ؛ من التَّبَطُّنِ في كلمةِ " قُلْ" التي هي ذاتُ فعلِ "كُنْ" .. كنتَ تدعونا لحياةٍ عميقةٍ وعريضةٍ هي حياة الفكر والشِّعور وأُسحرُ (أنا) بأنداءٍ من تلكَ الحياةِ تُباغِتُنِي بالتَّقَطُّرِ الهادئ حيناً والهادر حيناً فليتَ "دارُ ريّا" ساقت البسطَ والسّرورَ إلينا..


قُلتَ أنتَ للحقِّ مقالَ الشّهيد العارف أبي حسين منصور الحلاّج قديماً :-

بيني وبينُكَ إنِّي يُنازعُنِي

فارفَعْ بإنّيْكَ إنِّي من البينِ

فكان ذلكَ الرّفعُ لكَ إلى بحبوحةِ الرِّبوبيّةِ، إلى سكينةِ الأُنسِ المتفتِّحةِ كالموجِ والمطمئنّةِ بلطائفِ نعناعِ المعاني ... فشربتَ " كأسَ الرُّضوانِ النّورانيَّ " وذهبَ عنّا الزّبدِيُّون الظّلمانيُّون ولكن لم يذهب عنّا الأذى بعدَ ونُعافى .. فالكثافةُ وغلظةُ الرُّوح السّبتمبريّة ما تزالُ تُؤجّلُ ميلادَ اللّطافة، ولو بمقدارٍ، في النّفوس؛ ميلاد الفرد – الحريّة وليس الفرد – الخبز؛ ليس فرد "اللّذّة اليوميّة والمسرّات الصّغيرة" .. وأعني، بلغةِ الوجدِ، ميلاد الطّفل اللّطافة في قمّةِ فعلِ الشِّعورِ إذ يُغنّي : " ترنّموا ترنّموا نُرَدُّ للطّفولةِ/ من رامَ دربَ العودةِ/ الحبُّ دربَ العودةِ/ الله ربَّ الرّحمةِ/ خُلاصةُ المحبّةِ – إنشادٌ عرفانيٌّ .. "


لا يُنكِرُكَ إلاّ الغافلون يا شهيدنا الأستاذ محمود محمد طه ويا شقيقَ روحي المسمومةَ بالظّلامِ و المُدنفةَ، في ذاتِ الحين، بأشواقٍ ومواجدٍ خبرتُها عيانيّاً أُتمتِمُ بها خافتاً ومسكيناً آناً من الزّمانِ و أهمسُ : خُذني إلى حضنِكَ ياالله!


نَمْ، فقد كنتَ (فداءَنا) الرّوحيَّ عن الزّبديّين المتسلِّطين فلكياً 16 عاماً ووقتٌ لا يُقاس بحكم التخريب الشِّعوريِّ الذي هو قبل الاقتصاديِّ، بل هو التّخريب بالأصالة، وقد راحوا (حقّاً) بفعلِ الطِّيبةِ الصّافي الذي أقدمتَ عليهِ في 18 يناير 1985 ولكن حذراً : فنحنُ ما نزالُ : (عشباً حتَّنْ هادي اللّيلة يقاوم شرَّ الزّبديّين) وهذا من حقِّ تديُّني الفرديِّ عليَّ الآنَ أن أكونه، بل هو عندي من حقِّ أيِّ مُتديِّنٍ حرٍّ و(فردانيٍّ) أن يكونه.


يناير 1986.

إبراهيم جعفر.

رحيْلَكْ غنوه و كاس رضوان نورَانِي*...


تقديم:-  " و أنتم حينئذ كثيرٌ و لكّنّكُمْ غثاءٌ كغَثَاء السّيل.. "..

الإهداء:- إلى الشهيد النّبيل الأستاذ محمود محمد طه الذي اغتاله شر الزّبَدِيّين ببشاعةٍ مُطْلَقَة ".

                            *******

هذا وقْتٌ يفجعنا فيه غثَاء الزّبَدِيّينَ

و لكن...

بَلْقَى حمامةْ حُزْنَكْ

تاكُلْ شر الزّبَدِيِّين

مشيت لسريرك

يِسُوقَكْ شوق الواجِدْ

في مُزْنَاتُو الخَدْرَه

يدَوّر بيك مرجيحة الرّبْ

تسوسِنْ رُوحَكْ و ماكا حزين

و ما هامِّيْكْ لي فقدَنا لي

طَلّة ياسمِيْنْ قَوْلَكْ

نَالَكْ يفُوح بي الطِّيْبَه

خِيَّانَكْ ما حيفُوتُوا مَحَلَّكْ

مِسْك الخير الخَيْرَه يضُوع

من ارْدَانَكْ طيبْة الموجَه

رقص اللّيل في عيُونَكْ رحمه

غِشَانَا صَفَاكَا يقينْ

رضْوان نديان في ملامْحَكْ

و انتَ بتَمْشِي مَقَامَكْ

كان رشَّانا رذاذ وصلاً ربّانِي

حلفْنا نقَطِّر ندى حُرْقَتْنَا مَحَنّه

و ندخُلْ جُوَّه الرّعْشَه

و نحيا السّر الوشُّو الغابه

نخلِّي ضلام الرُّوحُمْ عسعَسْ فِيْنَا

و سمّم غَرْسِ جمالنا و طيبة روحنا

طيور اقداس الغضب اتوَلَدَتْ,

سِكْرَتْ,

و شَفّتْ في ألوانْ من رُوحِكْ واجْدَه

و بيها الشَّوق وَدََّانا

بْنَعْشَمْ نَلْقَى مَقَامَكْ

رحيْلَكْ غُنْيَه و كاس رُضوان نوراني

بِيَسْقِي النّاس الحزن الدّامع و صافِي

بِيَسْقِي النّاس الغَضَبْ الخير الرّايِعْ و دَافِي

حُزْنَكْ فينا

و حُزْنَنا عاشِقْ

تجرح رُوحو الطّيبه يغنّي

تجرح رُوحو الطّيبه

يِبْقَى الموجَه يصلِّي

و يشْرَبْ مويَةْ رُوْحَكْ حُزْنِ شَفِيفْ

العشب يتفَتَّتْ فيهو موسيقى

العُشْبْ يْتْفَتَّتْ فينا موسيقى

العُشْب يتفَتَّت قَدْرَ الدّنيا موسيقى

و القى حمامة حُزْنَكْ

تاكُل شرّ الْزّبَدِيِّينْ

و العُشْبِ يقاوِم شرّ الزَّبَدِيِّين

ما كُلّنا عُشْبَاً حَتَّنْ

هادِي اللّيله بقاوِمْ شرّ الزّبَدِيِّين

كُلَّنا عُشْبَاً حتّن هادِي اللّيله

           بِقاوِمْ شرّ الزَّبَدِيِّينْ


18 يناير-21 مايّو 1985.

إبراهيم جعفر.



* من مسودّة مجموعتي الشعرية المسمّاة كمانات الأغاني.


محمود...

محمود بصَلّي مع النّجوم

مرّاتْ يَعَايِنْ

من شَبَابِيْكْ الغِيُومْ

يلَمْلِمْ النَّدْ و الطّرِيْقَه

يمَدِّدْ الشَّوْقْ لي التِّخُومْ

ولَمَّنْ حماماتَ الْمَغَارِبْ

يَهْدِلَنْ: حيْ يا قَيٌومْ!

يشربْ الشّايْ في الحَدِيْقَه

والزّمانْ عاشِقْ يرُومْ

طينةْ انْسَانْ في الحَرِيْقَه

تْرٌوقْ وتِذَّارَفْ علُومْ

        ***

محمٌودْ ينَازِلْ في الضَّرِيْمْ

بَسْ غَشْوَه من بَرْد اليَقِيْنْ

تخَدِّرٌو وكاس النّدِيْمْ

يَلْفَاهٌو بي الوَعْدَ الْقَدِيْمْ


إبراهيم جعفر

 الجمعة 20\2\2004

الأحد 22\2\2004



khalifa618@yahoo.co.uk

 

آراء