المذكرات المتبادلة في 18-20 مارس 1902: بين الإمبراطور منليك والحكومة البريطانية بشأن النيل الازرق وبحيرة تانا .. بقلم: دكتور فيصل عبدالرحمن علي طه

بدأت المفاوضات لتحديد الحدود بين السودان والحبشة في 15 أبريل 1899 بين الإمبراطور منليك الثاني وجون هارينجتون الممثل البريطاني في الحبشة. وفي أثناء الإعداد لتلك المفاوضات تم إبلاغ الحكومة المصرية-الشريك الثاني في السيادة على 


 

ftaha39@gmail.com

1
بدأت المفاوضات لتحديد الحدود بين السودان والحبشة في 15 أبريل 1899 بين الإمبراطور منليك الثاني وجون هارينجتون الممثل البريطاني في الحبشة. وفي أثناء الإعداد لتلك المفاوضات تم إبلاغ الحكومة المصرية-الشريك الثاني في السيادة على السودان- بأنه في سبيل الحصول على ضمانات من منليك بشأن مياه بحيرة تانا والنيل الازرق، فسيكون من الضروري تقديم تنازلات معقولة في الأراضي لمنليك في مقابل الحصول على الضمانات المطلوبة منه.

2
كانت بني شنقول مصدر قلق واهتمام بالنسبة لمنليك. وقد عزت الوثائق البريطانية ذلك إلى موارد الذهب الموجودة فيها وموقعها الاستراتيجي المهيمن بالنسبة للنيل الازرق. تمسك هارينجتون ببني شنقول ورفض الاعتراف للحبشة بأي حقوق في إقليم بني شنقول. ولكنه في نهاية الأمر عبّر عن استعداده للوصول إلى ترتيب ما يرضي رغبات منليك. وتم الاتفاق أخيراً على أن تُترك بني شنقول للحبشة. وفي مقابل ذلك تُمنح امتيازات التنقيب عن الذهب في بني شنقول للشركات البريطانية.

3
لم نقِف في تلك المرحلة من التفاوض على أي ربط أو علاقة شرطية بين المادة الثالثة من اتفاقية 15 مايو 1902 المتعلقة بمياه بحيرة تانا والنيل الازرق وبين التنازل عن إقليم بني شنقول. ولم يرد في التفاوض أي ذكر للضمانات المطلوبة بشأن تلك المياه. فكما سبق لنا الذكر، فقد كان المقابل الذي حصلت عليه الحكومة البريطانية نظير تنازلها عن إقليم بني شنقول، هو استئثار الشركات البريطانية بالتنقيب عن الذهب في ذلك الإقليم.

4
لقد تم الحصول على الضمانات المطلوبة بشأن مياه النيل الازرق وبحيرة تانا باتفاق منفصل وفي سياق مختلف. أما الاتفاق فقد تم بتبادل مذكرات في 18-20 مارس 1902 بين جون هارينجتون ممثل بريطانيا ومستشار الإمبراطور منليك السويسري المهندس ألفرد إلج.

5
وأما السياق فقد نشأ من أن مهندساً مدنياً بريطانياً يدعى رسل إيتكن قد قدم طلباً للإمبراطور منليك للحصول على امتياز لمدة خمسين عاماً لإقامة خزان على بحيرة تانا، وذلك برفع منسوب المياه فيها بما لا يزيد عن ثمانية أمتار. وقد ذكر إيتكن في طلبه أن خزان أسوان الذي كان آنذاك قيد الإنشاء في الشلال الأول لن يكون كافياً لمقابلة احتياجات مصر المائية لأنه صغير وسيكون عرضة للإطماء. وذكر أيضاً أن بحيرة تانا إذا حُوِّلت إلى خزان طبيعي فستسد الاحتياجات المائية لمصر والنوبة ومحافظات سنار. وقد شدد محامو إيتكن على أهمية أن يُقدم الطلب إلى منليك باسم فرد لأنه إذا قُدم باسم مصر فلربما يُفهم كمحاولة من مصر للحصول على موطئ قدم في الحبشة.
أبلغت وزارة الخارجية البريطانية إيتكن في 22 فبراير 1902 بأنها تعارض منح امتيازات على بحيرة تانا لأفراد. كما تلقت من الحكومة المصرية ما يفيد بأنها لن تدخل في مفاوضات مع إيتكن حول هذا الموضوع. وفي ذات الوقت اعترضت الحكومة البريطانية لدى الإمبراطور منليك على إرسال بعثة فرنسية إلى بحيرة تانا لكتابة تقرير عنها.
وخلال مقابلته للإمبراطور منليك في 13 مارس 1902، تلقى هارينجتون الضمانات التي طلبتها الحكومة البريطانية بشأن بحيرة تانا والنيل الازرق. وقد تم النص على هذه الضمانات في المذكرات التي تم تبادلها في 18-20 مارس 1902 بين هارينجتون وألفرد إلج مستشار الإمبراطور.
بمقتضى هذه المذكرات:
* التزم منليك بألا يكون هناك تدخل في مياه النيل الازرق وبحيرة تانا، إلا بعد التشاور مع الحكومة البريطانية وحكومة السودان.
* التزم منليك بعدم إعطاء أي امتياز بالنسبة للنيل الازرق وبحيرة تانا إلا للحكومة البريطانية وحكومة السودان أو أحد رعاياهما.
* احتفظ منليك بحق استخدام القوة المحركة للمياه force motive بشرط ألا ينتج عن هذا الاستخدام انخفاض محسوس في كمية المياه التي تتدفق من النيل الازرق إلى النيل الأبيض.
وللأهمية القصوى، لهذه المذكرات، فقد رأينا أن نورد هنا النصوص الكاملة لمذكرات 18-20 مارس 1902 مترجمة عن صيغتها الانجليزية والفرنسية.

رقم 191
من المقدم (ليوتنانت كولونيل) هارينجتون إلى الماركيز لانسداون. – (تم الاستلام في 28 أبريل.)

(رقم 6)
سيدي اللورد،
أديس أبابا، 20 مارس 1902.
يشرفني أن أبلغ سيادتكم بأنه قد تم تبادل للمذكرات حول موضوع بحيرة تانا والنيل الأزرق، وذلك بين جلالة الإمبراطور منليك وشخصي. وقد بعثتُ لكم مع هذه الرسالة نسخاً أصلية من مذكراتي ومذكرات م. إلج، نيابةً عن الإمبراطور.
وبالنظر إلى أن نشر تقرير السير ويليام جارستن عن النيل في عام 1901 وطلب السيد رسل إيتكن للحصول على امتياز قد أظهرا للإمبراطور بأن مياه النيل الأزرق وبحيرة تانا من المحتمل أن تكون رصيداً قيماً، فإنني آمل أن تكون الضمانات المقدمة مقبولة لديكم سيدي اللورد.
إنني على ثقة بأن حكومة صاحب الجلالة ليست لديها رغبة في أن تطلب من الإمبراطور بأن يحرم نفسه من رصيد ثمين دون تعويض مكافئ.
وفي الختام، فإن كل ما قاله الإمبراطور فيما يتعلق بموضوع بحيرة تانا والنيل الأزرق يثبت بأنه لا ينوي اتخاذ أي إجراء فيما يتعلق بمياههما يكون محل اعتراض من قبل حكومة صاحب الجلالة.
(التوقيع) (ج. ل. هارينجتون)

الضميمة 1 في رقم 191
من المقدم (ليوتنانت كولونيل) هارينجتون إلى م. إلج
صاحب السعادة،
أديس أبابا، 18 مارس 1902.
يشرفني أن أبلغ سعادتكم بأن حكومة صاحب الجلالة البريطانية يسرها الحصول على تأكيد من جلالة الإمبراطور منليك، والذي فهمتُ من حديثه خلال المقابلة التي تمت في اليوم الثالث عشر [من مارس]، بأن جلالته لا يعترض على الآتي:
«ألا يكون هناك تدخل في مياه النيل الأزرق وبحيرة تانا، إلا بالتشاور مع حكومة صاحب الجلالة البريطانية وحكومة السودان؛ وأنه في حال حدوث مثل هذا التدخل، وطالما بقيت الأحوال على ما هي عليه، فستُعطى الأفضلية لمقترحات حكومة صاحب الجلالة البريطانية وحكومة السودان؛ وليس في نية جلالة الإمبراطور منليك إعطاء أي امتياز فيما يتعلق بالنيل الأزرق وبحيرة تانا إلا لحكومة صاحب الجلالة البريطانية وحكومة السودان، أو أحد رعاياهما».
(التوقيع) (ج. ل. هارينجتون)

الضميمة 2 في رقم 191
من م. إلج إلى المقدم (ليوتنانت كولونيل) هارينجتون
أديس أبابا، 18 مارس 1902

يشرفني أن أفيدكم باستلام رسالتكم في هذا اليوم، والتي أبلغتموني من خلالها بأن حكومة صاحب الجلالة البريطانية سوف يسرُّها الحصول على تأكيد جلالة الإمبراطور منليك فيما يتعلق بالامتيازات المحتملة في مياه بحيرة تانا والنيل الأزرق.
وآملُ أن يكون مرضياً لحكومة جلالة الملك إدوارد، أن جلالة الإمبراطور منليك قد تكرّم بتفويضي لكي أؤكد لكم ما كان جلالته قد أعرب عنه بالفعل خلال مقابلتكم معه في الثالث عشر من هذا الشهر، وهو:
«ألا يكون هناك تدخل في مياه النيل الأزرق وبحيرة تانا، إلا بالتشاور مع حكومة صاحب الجلالة البريطانية وحكومة السودان؛ وأنه في حال حدوث مثل هذا التدخل، وطالما بقيت الأحوال على ما هي عليه، فستُعطى الأفضلية لمقترحات حكومة صاحب الجلالة البريطانية وحكومة السودان؛ وليس في نية جلالة الإمبراطور منليك إعطاء أي امتياز فيما يتعلق بالنيل الأزرق وبحيرة تانا إلا لحكومة صاحب الجلالة البريطانية وحكومة السودان، أو أحد رعاياهما».
غير أنه بالطبع تظل هناك تلك التحفظات المتعلقة بالتغيير المحسوس في كميات المياه التي تجري عبر النيل الأزرق، ولكن جلالة الإمبراطور منليك يحتفظ بالحق في كافة الترتيبات لاستخدام هذه المياه كقوة محرِّكة.

(التوقيع) ألفرد إلج
(الختم) ألفرد إلج
مستشار الدولة

الضميمة 3 في رقم 191
من المقدم (ليوتنانت كولونيل) هارينجتون إلى م. إلج

صاحب السعادة،
أديس أبابا، 18 مارس 1902.
يشرفني أن أؤكد استلام رسالتكم اليوم، والتي من خلالها، وبموجب تفويض صاحب الجلالة الإمبراطور منليك لكم، أعطيتموني التأكيد المتعلق بالنيل الأزرق وبحيرة تانا والذي طلبته في رسالتي اليوم، وهو الأمر الذي أشكركم عليه.
ولقد لاحظتُ بأن التأكيد المقدم يشير فقط إلى الانخفاض المحسوس في تدفق المياه في النيل الأزرق، وأن صاحب الجلالة الإمبراطور يحتفظ بحق استخدام القوة المحرِّكة لهذه المياه، على أن يكون مفهوماً أن هذا التحفظ لن يؤدي إلى انخفاض محسوس في تدفق النيل الأزرق إلى النيل الأبيض.
وسوف أكون ممتناً إذا أبلغتني يا صاحب السعادة عما إذا كنتُ قد فسرتُ معنى تحفظ صاحب الجلالة بصورة صحيحة.
(التوقيع) (ج. ل. هارينجتون)

الضميمة 4 في رقم 191
من م. إلج إلى المقدم (ليوتنانت كولونيل) هارينجتون

أديس أبابا، 20 مارس 1902.
رداً على رسالتكم الموقرة المؤرخة 18 مارس، أتشرفُ بأن أؤكد لكم أن التحفظ الذي أبداه جلالة الإمبراطور منليك بشأن حق استخدام مياه بحيرة تانا والنيل الأزرق، يتعلق باستخدام هذه المياه كقوة محرِّكة، وأن هذا الاستخدام لا ينبغي بأي حال من الأحوال أن ينتج عنه انخفاض محسوس في كمية المياه التي تتدفق من النيل الأزرق.

(التوقيع) ألفرد إلج
(الختم) ألفرد إلج
مستشار الدولة


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!