بقلم: د. أسامة محي الدين خليل
ليست أزمة السودان في تنوعه العرقي أو الثقافي أو الديني، وإنما في اختلال العلاقة بين المركز والهامش. فالدول لا تنهار بسبب اختلاف شعوبها، بل عندما يشعر جزء من مواطنيها بأنهم يحملون أعباء الوطن، بينما يجني غيرهم ثماره.
لقد ظل المركز، لعقود طويلة، يستقطب السلطة والثروة والخدمات، فتجمعت فيه الجامعات والمستشفيات والطرق وفرص العمل، بينما بقيت مناطق الإنتاج الزراعي والرعوي والتعديني في الشمال والشرق والغرب والجنوب تعاني ضعف البنية التحتية وغياب الخدمات الأساسية. ومن المفارقات المؤلمة أن المناطق التي تنتج الذهب والصمغ العربي والثروة الحيوانية والمحاصيل الزراعية، كثيرًا ما يعيش أهلها في ظروف أقرب إلى ما كانت عليه المجتمعات قبل عقود طويلة.
هذه المعادلة المختلة لا تنتج فقط فجوة تنموية، وإنما تصنع شعورًا عميقًا بالغبن. فحين يرى شاب في إحدى مناطق الإنتاج أن ثروات أرضه تغادر إلى العاصمة، بينما يهاجر هو بحثًا عن مدرسة أو مستشفى أو فرصة عمل، فمن الطبيعي أن تتضاءل أحلامه، وأن يبدأ في النظر إلى المدينة باعتبارها مستفيدة من معاناته، لا شريكًا له في الوطن.
ولعل هذا ما يفسر أن قضية التهميش أصبحت اليوم لغة مشتركة في معظم أنحاء السودان. فما كان يُنظر إليه في الماضي باعتباره قضية تخص الجنوب أو دارفور أو الشرق، أصبح إحساسًا عامًا يعيشه كثير من السودانيين في مختلف الأقاليم. وهذه ليست أزمة جغرافيا، وإنما أزمة إدارة للدولة.
لقد طرح “جون قرنق” قبل عقود، سؤالًا مهمًا حول كيفية بناء دولة يتساوى فيها المواطنون في الحقوق والفرص، بعيدًا عن احتكار السلطة والثروة في مركز واحد. وبغض النظر عن المواقف السياسية من مشروعه، فإن السؤال نفسه ما يزال قائمًا حتى اليوم، لأن المشكلة التي أشار إليها لم تُعالج جذريًا.
إن المطلوب ليس نقل الامتيازات من مركز إلى مركز آخر، ولا استبدال نخبة بأخرى، وإنما بناء دولة تنموية حقيقية تصل فيها الخدمات إلى المواطن حيث يعيش، ويستفيد الإقليم أولًا من موارده الطبيعية، ضمن إطار وطني يحقق العدالة بين جميع الولايات. فاللامركزية ليست مجرد تقسيم إداري، بل فلسفة في توزيع التنمية والفرص.
ولا ينبغي أن تتحول العلاقة بين المدينة والريف إلى علاقة خصومة. فالمدينة ليست عدوًا للهامش، كما أن الهامش ليس خصمًا للمركز. المشكلة تكمن في السياسات التي راكمت التنمية في بقعة واحدة، وتركت بقية البلاد تعاني الحرمان. وإذا استمرت هذه السياسات، فإنها ستنتج مزيدًا من الاحتقان والانقسام، وربما أجيالًا ترى في الوطن مشروعًا غير عادل.
إن إعادة بناء السودان تبدأ بإعادة تعريف مفهوم التنمية. فلا يكفي إنشاء الطرق داخل المدن الكبرى، بينما تعجز مناطق الإنتاج عن الوصول إلى الأسواق. ولا يكفي تشييد المباني الحكومية، بينما يضطر المواطن إلى السفر مئات الكيلومترات من أجل العلاج أو التعليم. التنمية الحقيقية هي التي تجعل المواطن يشعر بأن الدولة وصلت إليه، لا أنه مضطر إلى الهجرة إليها.
إن استقرار السودان لن يتحقق بالسلاح وحده، ولا بالاتفاقات السياسية وحدها، وإنما بعقد اجتماعي جديد يقوم على العدالة في توزيع السلطة والثروة والخدمات، ويجعل كل سوداني يشعر بأن نصيبه من الوطن لا يقل عن نصيب غيره.
فحين تتحقق العدالة، يختفي الشعور بالتهميش، وتتحول الثروة إلى وسيلة للوحدة لا سببًا للصراع. أما إذا بقيت الفجوة بين المركز والهامش على حالها، فإن التاريخ يخبرنا أن الأزمات ستتكرر، مهما تغيرت الحكومات أو تبدلت الشعارات. فالأوطان لا يحفظها المركز القوي وحده، وإنما تحفظها الأقاليم المزدهرة التي ترى في الدولة بيتًا للجميع، لا امتيازًا لفئة دون أخرى.
osamamohyeldeen@gmail.com
