باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الأحد, 11 أكتوبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
الرشيد خليفة
الرشيد خليفة عرض كل المقالات

المعذبون في الأرض، فرانز فانون وبيان المستعمَرين .. قراءة في كتابٍ كتبه طبيبٌ نفسيٌّ في سباقٍ مع الموت

اخر تحديث: 11 أكتوبر, 2026 9:28 صباحًا
شارك

د. الرشيد خليفة
من حظ المستعمِرين أن أكثر ضحاياهم لم يكونوا أطباء نفسيين، فالضحية العادية تصرخ ثم تسكت، أما الضحية التي درست الطب النفسي في جامعة ليون فتصرخ، ثم تفحص الصرخة، ثم تكتب عنها تقريرًا سريريًّا، أي طبيًّا، ثم تعود فتفحص الجلاد نفسه وهو ممدّد على أريكة العيادة يشكو الأرق. وهذا بالضبط ما فعله فرانز فانون (Frantz Fanon)، الرجل الذي عاش ستًّا وثلاثين سنة فقط، وترك كتابًا ما زالت أوروبا تقرؤه بعد أكثر من ستين سنة وهي تتحسس جيوبها وضميرها معًا [1].
ويحاول هذا المقال أن يقدم الكتاب في عشرة محاور متتابعة، هي اسم الكتاب والمؤلف، وسيرة المؤلف، وما يميز الكتاب عن غيره، ومنهج المؤلف ومصادره، والفترة والأحداث التي غطاها، وأطروحاته بالتفصيل، وموقف المؤلف من الأحداث، ونقد الكتاب في إيجابياته وحدوده، وحقائق واستنتاجات إضافية، ثم خاتمة تجمع ذلك كله.
الكتاب واسمه، حين تختلف الترجمات على مقدار العذاب
صدر الكتاب بالفرنسية بعنوان «Les Damnés de la terre» عن دار فرانسوا ماسبيرو (François Maspero) في باريس أواخر نوفمبر 1961، ضمن سلسلة «دفاتر حرة»، في 242 صفحة، وبمقدمة للفيلسوف جان بول سارتر (Jean-Paul Sartre) [2]. وترجمه إلى العربية السوريان سامي الدروبي وجمال الأتاسي بعنوان «معذّبو الأرض»، وصدرت طبعته الثانية عن دار الطليعة في بيروت سنة 1966 [3]. أما الإنجليز فسمّوه «The Wretched of the Earth»، وقد أعاد ريتشارد فيلكوكس (Richard Philcox) ترجمته سنة 2004 مع مقدمة جديدة للناقد هومي بابا (Homi K. Bhabha) [4].
والطريف أن كلمة «damnés» الفرنسية تحمل ظلالًا لاهوتية، فهي في أصلها وصفٌ لمن حُكم عليهم بالجحيم، فالعنوان الفرنسي يقول «ملعونو الأرض» أو «المقضيّ عليهم في الأرض». واكتفى الإنجليز بوصف «البائسين»، كأنهم يتحدثون عن متسولين أمام كنيسة لا عن شعوبٍ أمام بنادق. أما الترجمة العربية فاختارت «العذاب»، وهو أصدق الثلاثة في وصف الحال، لأن الملعون قد يُغفر له يوم القيامة، والبائس قد يتصدق عليه محسن، أما المعذَّب فعذابه حاضرٌ في الدنيا قبل الآخرة.
ولم يخترع فانون عنوانه، بل، استعاره من مطلع «النشيد الأممي» (L’Internationale)، نشيد الحركة العمالية العالمية، الذي يستنهض «معذّبي الأرض» أن يقوموا. غير أن فانون أخذ العبارة من أفواه عمال مصانع أوروبا ووضعها في أفواه فلاحي الجزائر، وكينيا، وأنغولا، فكأنه سرق النشيد من أصحابه ليغنّيه لمن لم يُدعَوا قط إلى حفلة الغناء. وأما الصيغة الشائعة على ألسنة القراء العرب، «المعذبون في الأرض»، فأقرب إلى لغة الصحافة، وأبعد قليلًا عن التركيب الأصلي الذي يجعل الأرض نفسها مالكةً لعذاب أهلها.
المؤلف، ستٌّ وثلاثون سنة في ثلاث قارات
وُلد فرانز فانون في العشرين من يوليو 1925 في مدينة فور دو فرانس (Fort-de-France)، عاصمة جزيرة المارتينيك (Martinique)، وهي جزيرة في البحر الكاريبي كانت يومئذٍ مستعمرةً فرنسية [1]. ونشأ في أسرة من الطبقة الوسطى، ودرس في ثانوية فيكتور شولشر (Victor Schoelcher) حيث كان الشاعر إيمي سيزير (Aimé Césaire)، أحد آباء حركة الزنوجة (Négritude)، يدرّس الأدب [5]. والزنوجة حركةٌ أدبية وفكرية نشأت بين الطلبة السود في باريس في ثلاثينيات القرن العشرين، وأرادت أن يعتزّ الإنسان الأسود بلونه وتراثه الأفريقي بدل أن يخجل منهما، وسنعود إليها بالتفصيل في الأطروحة الحادية عشرة.
وكانت المارتينيك في تلك الأيام تحت حكم الأميرال جورج روبير (Georges Robert) الموالي لحكومة فيشي (Vichy)، وهي الحكومة الفرنسية التي قبلت بالهزيمة أمام ألمانيا النازية سنة 1940 وتعاونت معها. وأرهقت الحرب الجزيرة بنقص الواردات، وطاردت سلطة روبير من تعاطف مع الحلفاء، فهرب مئات منهم بحرًا إلى الجزر القريبة، وسُمّي هؤلاء الفارّون «المنشقّين» (les dissidents) [5]. ومن هذه الجزر دومينيكا (Dominica)، وهي جزيرةٌ صغيرة جبلية في البحر الكاريبي، لا تُخلط بجمهورية الدومينيكان (Dominican Republic) التي تقع في جزيرةٍ أخرى هي جزيرة إسبانيولا، وكانت دومينيكا يومئذٍ مستعمرةً بريطانية، وبريطانيا حليفةُ فرنسا الحرة (la France libre)، أي الحركة التي قادها الجنرال شارل ديغول (Charles de Gaulle) من المنفى بعد أن رفض الهزيمة وقرر مواصلة الحرب. فصارت دومينيكا للفارّين أرضًا آمنة لا تصلها يد فيشي، وبوابةً يعبرون منها إلى صفوف فرنسا الحرة. ولم تكن دومينيكا ميدانًا لقتال، فلم تدر فيها معركة ولم يقاتل فيها أحد، بل، كانت محطة عبورٍ وتجمّع لمن أراد القتال في مكانٍ آخر. وفي سنة 1943 تسلل فانون إلى دومينيكا مع هؤلاء الفارّين، وكان التسلل هو الطريق الوحيد، لأن سلطة روبير كانت تطارد من يريد الالتحاق بالحلفاء، فصار الوصول إلى دومينيكا هروبًا لا سفرًا.
ويسأل القارئ، لماذا يلتحق شابٌّ أسود من أسرةٍ ميسورة بجيشٍ أوروبي؟ ولا تذكر سيرته الموثقة أن حاجةً مادية دفعته، فأسرته توصف بأنها من الطبقة الوسطى العليا، ولا يبدو أن الراتب هو ما أغراه. والأقرب، بحسب ما تدل عليه وقائع تلك الأيام، أن الدافع كان سياسيًّا وأخلاقيًّا، فالشاب الذي رأى حكم فيشي يكشف في جزيرته عن وجهٍ عنصريٍّ فجّ أراد أن يقاتل النازية والفاشية التي يمثلها ذلك الحكم. وكان قبول شابٍّ أسود في صفوف فرنسا الحرة ممكنًا لأن أهل المارتينيك مواطنون فرنسيون لا رعايا بالمعنى القانوني، ولأن الحركة كانت في حاجةٍ إلى كل رجل. وفي صيف السنة نفسها انهار حكم فيشي في المارتينيك وانضمت الجزيرة إلى فرنسا الحرة، فالتحق فانون بكتيبةٍ من أبناء جزر الأنتيل (Antilles) أُنشئت لهذا الغرض، ثم أبحر في سنة 1944 إلى المغرب، وقاتل في الجزائر ثم في فرنسا، وجُرح بشظيةٍ في معارك شرق فرنسا، ونال وسام صليب الحرب (Croix de Guerre) [5].
ولم تمضِ شهور حتى اكتشف فانون في المغرب والجزائر أن العنصرية لم تكن حكرًا على فيشي، فقد وجد في صفوف فرنسا الحرة نفسها من يحتقر الجندي الأسود، وفي أواخر الحرب أبعدت القيادة الفرنسية الجنود غير البيض من وحداتهم [5]. وتعلّم في الجيش درسه الأول في علم الألوان، فالدم الأسود الذي يسيل دفاعًا عن فرنسا يسيل بالسرعة نفسها، لكنه لا يُحسب في سجلات المجد بالقيمة نفسها.
ثم درس الطب في مدينة ليون الفرنسية، وتخصص في الطب النفسي، وناقش أطروحته سنة 1951، ودرس الفلسفة والأدب في الوقت نفسه [5]. وأصدر سنة 1952 كتابه الأول «بشرة سوداء، أقنعة بيضاء» (Peau noire, masques blancs)، وهو تحليلٌ لأثر الاستعمار في وعي الإنسان الأسود بلونه، جمع فيه بين التحليل النفسي، والفينومينولوجيا (Phenomenology)، والوجودية، وأفكار حركة الزنوجة [6]. والفينومينولوجيا، أو «الظاهراتية»، منهجٌ فلسفي أسسه الألماني إدموند هوسرل (Edmund Husserl) في مطلع القرن العشرين، ويقوم على دراسة الأشياء كما تظهر لوعي الإنسان وكما يعيشها فعلًا، لا كما تصفها النظريات الجاهزة. وحين طبّق فانون هذا المنهج على الإنسان الأسود لم يسأل عن لون البشرة في علم الأحياء، بل، سأل عما يحدث داخل الأسود حين يمرّ في الشارع فيسمع طفلًا أبيض يقول لأمه: «انظري يا أمي، زنجيّ! أنا خائف» [6]. وكان سؤال ذلك الكتاب عن فردٍ أسود يقف أمام مرآةٍ بيضاء، أما «المعذّبون في الأرض» فسيكون سؤالًا عن شعوبٍ بأكملها تقف أمام البنادق.
وفي الثالث والعشرين من نوفمبر 1953 تسلّم فانون رئاسة أحد أقسام مستشفى البُلَيْدة-جوانفيل للأمراض العقلية في مدينة البُلَيْدة (Blida) الجزائرية، وهي مدينةٌ تقع جنوب غرب العاصمة الجزائر عند سفح جبال الأطلس التلّي، بحسب ما كتبه هو نفسه في رسالة استقالته [7]. وهناك أدخل العلاج الاجتماعي (Sociotherapy)، وهو، بعبارةٍ مبسّطة، علاجٌ لا يحبس المريض العقلي في غرفةٍ مغلقة ولا يكتفي بتخديره بالأدوية، بل، يحوّل المستشفى كله إلى مجتمعٍ صغير يتعلّم فيه المريض أن يعيش مع الآخرين من جديد، فيعمل في الحقل، ويحرّر جريدة المستشفى، ويمثّل على المسرح، ويجلس في المقهى، ويلعب الكرة مع الأطباء والممرضين، لأن المرض النفسي في هذه النظرة يتكوّن غالبًا في علاقة الإنسان بمجتمعه، فيُشفى بإعادة بناء هذه العلاقة. وقد تعلّم فانون هذه الطريقة قبيل مجيئه إلى الجزائر في مستشفى سان ألبان (Saint-Alban) في فرنسا على يد الطبيب الكتالوني فرانسوا توسكيلس (François Tosquelles)، وهو لاجئ إسباني فرّ من حكم فرانكو [8]. فلما طبّقها فانون في البليدة نجحت مع قسمٍ من النساء الأوروبيات، وأخفقت مع قسمٍ من الرجال المسلمين، فأدرك أن نقل طريقةٍ أوروبية جاهزة إلى مجتمعٍ مختلف نوعٌ من العنف، فكيّفها مع ثقافة المرضى الجزائريين، فأقام لهم مقهًى على الطراز الجزائري، ودعا مغنّين من أهل البلد ليغنّوا لهم، وجعل لهم مسجدًا يصلّون فيه [8] [9]. وهذا الاكتشاف الصغير في عنبرٍ للمجانين كان البذرة الأولى لأطروحته الكبرى، أن الإنسان لا يُعالج خارج ثقافته، ولا يُحرّر خارج تاريخه.
وحين اندلعت الثورة الجزائرية في نوفمبر 1954 صار فانون يعالج ضحايا التعذيب الجزائريين نهارًا، ويعالج أحيانًا الجنود ورجال الشرطة الفرنسيين الذين عذّبوهم، فرأى الاستعمار من جهتيه وهما يتناوبان على العيادة نفسها [1]. واتصل سرًّا بجبهة التحرير الوطني الجزائرية، ثم كتب سنة 1956 رسالة استقالته إلى الوزير المقيم روبير لاكوست (Robert Lacoste)، وفيها قرر أن الطب النفسي الذي يعيد المريض معافًى إلى مجتمعٍ يقوم على نفي إنسانيته عملٌ عبثي [7]. فطردته السلطات من الجزائر في يناير 1957، فلجأ إلى مدينة تونس، وعمل في صحيفة «المجاهد» الناطقة باسم الثورة، وفي مستشفى شارل نيكول حيث أنشأ مركزًا نهاريًّا للعلاج النفسي [9]، وأصدر سنة 1959 كتابه «العام الخامس للثورة الجزائرية» (L’An V de la révolution algérienne) [1].
وفي سنة 1960 عيّنته الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية ممثلًا لها في مدينة أكرا، عاصمة غانا، وكانت أكرا يومئذٍ ملتقى حركات التحرر في القارة [5]. وفي السنة نفسها قاد بعثة استطلاعٍ في جمهورية مالي، وهي دولة في غرب أفريقيا كانت قد استقلت حديثًا، للبحث عن طريقٍ يمدّ الثوار الجزائريين بالسلاح عبر الصحراء الكبرى من الجنوب، ودوّن مشاهداته في يومياتٍ نُشرت بعد موته [7]. وفي أواخر 1960 اكتشف أنه مصابٌ باللوكيميا (ابيضاض الدم) [1]، فعولج أولًا في مدينة موسكو [5]، ثم كتب كتابه الأخير وهو يسابق المرض.
وفي خريف 1961 نُقل إلى الولايات المتحدة للعلاج، وتولّى ترتيب سفره ضابطٌ من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية [5]، ويذهب بعض دارسيه إلى أنه تُرك أيامًا دون علاج قبل أن يدخل المستشفى [10]. فالرجل الذي قضى عمره يكتب ضد الإمبريالية انتهى به المطاف في عهدة أكبر أجهزة استخباراتها، وهي مفارقةٌ لو كتبها روائيٌّ لاتُّهم بالمبالغة. وأُدخل مستشفى مدينة بيثيسدا (Bethesda) بولاية ماريلاند (Maryland) في الولايات المتحدة باسم «إبراهيم فانون» [4]، ومات هناك في السادس من ديسمبر 1961 [1]. وأوصى أن يُدفن في الجزائر، فسُجّي جثمانه في تونس، وحمله وفدٌ من الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية إلى الحدود [5]، ودُفن أول مرة في الجانب الجزائري منها، في مقبرة سيفانا (Sifana) قرب بلدة سيدي طراد (Sidi Trad) بولاية الطارف، بحسب ما أوردته مصادر فرنسية وصحفية تختلف في اسم الموضع بالتحديد. وسبب الدفن في الجزائر معلوم، وهو وصيته، أما سبب اختيار هذا الموضع بعينه فلم نجد له تعليلًا موثقًا، وأرجح ما نظنه أن الجزائر لم تكن قد استقلت بعد، وأن المنطقة الحدودية كانت أقرب أرضٍ جزائرية يمكن الوصول إليها من تونس. ثم نُقل رفاته في يونيو 1965 إلى مقبرة الشهداء في بلدة عين الكرمة بولاية الطارف، فكان من القلائل الذين نالوا جنسية بلدٍ بالدفن فيه بعد أن مات، وقبل أن يولد ذلك البلد رسميًّا.
ولا يُذكر فانون في كتب الثورة إلا ويُذكر معه الطبيب الأرجنتيني إرنستو «تشي» غيفارا (Ernesto «Che» Guevara)، وهما متعاصران، وُلد فانون سنة 1925 وغيفارا سنة 1928، فسبقه بثلاث سنوات في الميلاد، وسبقه في النشر والموت، إذ مات فانون سنة 1961 ومات غيفارا سنة 1967. وفي حياتيهما شبهٌ لافت، فكلاهما طبيبٌ ترك العيادة إلى الثورة، وكلاهما قاتل في أرضٍ غير أرضه، وكلاهما مات شابًّا بعيدًا عن بلده، وكلاهما صار أيقونةً أكثر مما بقي إنسانًا. وبينهما فروقٌ أيضًا، فغيفارا قائدٌ ميداني كتب دليلًا عمليًّا في حرب العصابات، وفانون مفكرٌ كتب تحليلًا للنفس والمجتمع من داخل ثورةٍ كان فيها مسؤولًا سياسيًّا لا قائد كتيبة، وغيفارا راهن على بؤرةٍ مسلحة صغيرة تُشعل الريف، وفانون راهن على تعبئة الفلاحين في تنظيمٍ سياسي. ويقول بعض الدارسين إن غيفارا تأثر بفانون، ولم نقف في المصادر التي رجعنا إليها على لقاءٍ موثق بينهما.
ما يميّز الكتاب عن غيره
كُتبت عن الاستعمار قبل فانون كتبٌ كثيرة، وكتب الاقتصاديون عن نهب الثروات، وكتب الساسة عن حق تقرير المصير، وكتب الشعراء عن جمال أفريقيا الضائع. غير أن «المعذّبون في الأرض» يتميز عن هذه الكتب بست خصائص، أولاها أنه أول بيانٍ ثوري كتبه طبيبٌ نفسي، فهو يرى الاستعمار نظامًا يصيب الأعصاب قبل أن يصيب الاقتصاد، وثانيتها أنه كُتب من داخل ثورةٍ مسلحة لا من مكتبةٍ جامعية، وثالثتها أنه انتقد حركات التحرر نفسها قبل أن تنتصر، فحذّر من الأمراض التي ستصيبها بعد الاستقلال، ورابعتها أنه قلب الماركسية الأوروبية فجعل الفلاحين لا العمال طليعة الثورة، وخامستها أنه ختم فصوله بعيادةٍ سريرية حقيقية، أي أن الفصل الخامس يفتح للقارئ ملفات مرضى عالجهم فانون بنفسه في الجزائر وتونس، فلا يذكر أسماءهم، بل، يشير إلى كلٍّ منهم بعمره وصفته ورقم حالته، ويصف أعراضه كالأرق، والعجز الجنسي، واضطراب الأعصاب، ثم يربط كل حالة بوقائع الحرب من تعذيبٍ، واغتصابٍ، وقتل، فتتحول الأطروحة السياسية إلى وجوهٍ تتألم، وسادستها أنه كُتب بلغة الشاعر لا بلغة الأكاديمي، أي أن فانون يكتب بالصور الحادة، والجمل القصيرة القاطعة، والإيقاع الخطابي، كقوله إن تصفية الاستعمار ظاهرةٌ عنيفة دائمًا، ولا يثقل نصّه بالحواشي، والتعريفات، والتحفظات التي يكثر منها الباحث الأكاديمي، فيقرؤه الجامعي لما فيه من أفكار، ويقرؤه المقاتل لما فيه من قوة، فصار يُقرأ في أوساط الثوار كما يُقرأ في قاعات الجامعات.
وأهم هذه الخصائص في رأينا الخاصية الثالثة، فمن السهل أن تهجو الخصم، أما أن تهجو رفاقك وهم في منتصف المعركة، فتقول لهم إن كثيرًا منكم سيصبحون بعد النصر نسخةً سوداء من المستعمِر الأبيض، فذلك يحتاج إلى شجاعةٍ لا تتوفر عادةً في البيانات الثورية التي تُكتب لرفع المعنويات لا لفحص الضمائر.
منهج المؤلف ومصادره
لا يكتب فانون بمنهج المؤرخ الذي يرتب الوثائق، ولا بمنهج عالم الاجتماع الذي يجمع الإحصاءات، بل، بمنهجٍ مركب من أربعة مناهج، هي الملاحظة السريرية التي اكتسبها في عيادتي البليدة وتونس، والتحليل النفسي الذي ورثه من فرويد ومدارسه، والفلسفة الوجودية والجدلية التي تعلّمها من هيغل وسارتر، والتحليل الطبقي الماركسي الذي استعمله أداةً ثم خالفه في نتائجه. ولذلك يبدو الكتاب أحيانًا كأن أربعة رجال يكتبونه معًا، طبيبٌ يشخّص، وفيلسوفٌ يجادل، وثائرٌ يحرّض، وشاعرٌ يرفع الصوت حين تعجز الحجة.
أما مصادره فأولها خبرته المباشرة، وهو مصدرٌ لا يحتاج إلى حاشية، وثانيها الحالات السريرية التي عالجها بنفسه وأوردها في الفصل الخامس [4]، وثالثها أدبيات الثورة الجزائرية ومناقشات قادتها، ورابعها ما شاهده بعينيه في المؤتمرات الأفريقية في أكرا وغيرها، وخامسها ردوده على ما سمّاه علم النفس الاستعماري، وبخاصة «مدرسة الجزائر» في الطب النفسي التي أسسها الطبيب أنطوان بورو (Antoine Porot)، وكانت تزعم أن الجزائري مجرمٌ بطبعه، اندفاعيٌّ بتكوين دماغه [4]. ويلاحظ القارئ أن الكتاب يكاد يخلو من الحواشي (الهوامش المثبتة أسفل الصفحات لتوثيق المصادر) والإحالات، فقد كتبه صاحبه في عشرة أسابيع تقريبًا [10]، أو، بعبارة ناشره ماسبيرو، «في عجلةٍ تثير الشفقة» [11]، والمحتضر لا يملك وقتًا لترتيب الهوامش.
ومن طرائف المنهج أن فانون يستعمل أدوات التحليل النفسي، وهي أدواتٌ صُنعت في فيينا لعلاج سيدات البرجوازية الأوروبية، ليشرّح بها الاستعمار الأوروبي نفسه، فكأنه أخذ مشرط الجراح من غرفة عمليات الخصم وعاد به ليفتح بطن الخصم.
الفترة والأحداث التي غطاها الكتاب
يغطي الكتاب، في ظاهره، العقد الأخير من الحقبة الاستعمارية في أفريقيا وآسيا، أي الفترة الممتدة من نهاية الحرب العالمية الثانية سنة 1945 إلى سنة 1961. غير أن قلبه النابض هو حرب التحرير الجزائرية التي بدأت في الأول من نوفمبر 1954، والتي عاشها فانون طبيبًا ثم مناضلًا ثم دبلوماسيًّا.
ويستحضر فانون إلى جانب الجزائر أحداثًا كثيرة من المستعمرات الأخرى، منها هزيمة فرنسا في معركة ديان بيان فو في فيتنام سنة 1954، التي صارت عنده رمزًا يحلم به كل مستعمَر، وثورة الماو ماو في كينيا، والانتفاضة المسلحة في أنغولا سنة 1961، ومأساة الكونغو التي انتهت باغتيال رئيس وزرائها باتريس لومومبا (Patrice Lumumba) في يناير 1961، وهو حدثٌ كتب عنه فانون مقالًا غاضبًا قبل أشهرٍ من وفاته [7]. ويستحضر كذلك تجارب الدول الأفريقية التي نالت استقلالها حديثًا، مثل غانا، وغينيا، وساحل العاج، والسنغال، ويرصد فيها بوادر الأمراض التي خصّص لها الفصل الثالث.
ويتجاوز الكتاب زمنه في اتجاهين، فهو يعود إلى الماضي ليقرر أن ثروة أوروبا صُنعت من عرق المستعمرات وذهبها وعبيدها منذ قرون، ويتقدم إلى المستقبل ليصف دولًا لم تكن قد وُلدت بعد، ولكنها ستولد مصابةً بالأمراض التي شخّصها. ولذلك يمكن القول إن الكتاب غطى فترةً تمتد من القرن السادس عشر إلى يومنا هذا، وهي فترةٌ طويلة لكتابٍ لا تتجاوز صفحاته مئتين وخمسين صفحة.
أطروحات الكتاب، اثنتا عشرة أطروحة في خمسة فصول
يقع الكتاب في خمسة فصول وخاتمة، هي «في العنف»، و«عظمة العفوية ومواطن ضعفها»، و«مزالق الوعي القومي»، و«في الثقافة القومية»، و«الحرب الاستعمارية والاضطرابات العقلية»، ثم الخاتمة [4]. ونستخلص من هذه الفصول اثنتي عشرة أطروحة، هي أن تصفية الاستعمار حدثٌ عنيف بطبيعته، وأن العالم الاستعماري عالمٌ مقسوم شطرين، وأن العنف المضاد يطهّر المستعمَر نفسيًّا، وأن عنف المستعمَر المكبوت ينفجر في وجه أهله إن لم يجد مخرجًا، وأن الأحزاب الوطنية الإصلاحية تساوم المستعمِر، وأن الفلاحين والمهمّشين هم الطليعة الثورية، وأن أوروبا مدينة للعالم الثالث بثروتها، وأن العفوية تشعل الثورة ولا تحرسها، وأن البرجوازية الوطنية طبقةٌ سمسارة عاجزة، وأن الحزب الواحد والزعيم الأوحد طريقٌ إلى دكتاتورية جديدة، وأن الثقافة القومية تُصنع في النضال لا في المتاحف، وأن الاستعمار يصنع مرضًا نفسيًّا عند الضحية والجلاد معًا. ونعرض هذه الأطروحات بالتفصيل فيما يلي.
الأطروحة الأولى، تصفية الاستعمار حدثٌ عنيف دائمًا
يفتتح فانون كتابه بجملةٍ صارت من أشهر الجمل في أدب القرن العشرين، مؤداها أن تصفية الاستعمار ظاهرةٌ عنيفة دائمًا. فهي عنده ليست مفاوضةً بين طرفين متكافئين، بل، استبدالٌ كامل لنوعٍ من البشر بنوعٍ آخر. ويستعير فانون من الإنجيل عبارة «الآخِرون يكونون أوّلين» ليصف ما يحدث حين يقرر المستعمَر أن يحتل مكان المستعمِر [2]. وهي عبارةٌ لاهوتية في كتابٍ علماني، استعارها رجلٌ لم يكن متدينًا ليصف ثورةً لم تكن تنتظر يوم القيامة.
الأطروحة الثانية، العالم المقسوم شطرين
يصف فانون العالم الاستعماري بأنه عالمٌ مقسوم، فمدينة المستعمِر مبنيةٌ بالحجر والإسمنت، مضاءة، معبّدة الطرق، تُفرغ صناديق قمامتها فيضًا من الفضلات الشهية، وسكانها متخمون دائمًا. أما مدينة المستعمَر فمكتظة، جائعة، معتمة، يتراصّ فيها الناس والبيوت كأنهم يقيمون فوق بعضهم. ولا يجمع بين الشطرين وسيطٌ إلا الشرطي والجندي، وهما لا يتكلمان إلا لغة القوة [4].
ويصف فانون هذا العالم بأنه «مانوي»، نسبةً إلى ماني، صاحب الديانة الفارسية القديمة التي قسمت الوجود إلى نورٍ مطلق وظلامٍ مطلق. فالمستعمِر يجعل نفسه النور، ويجعل المستعمَر الشر المطلق، ولا يكتفي بأن يصفه بالفقر، بل، يصفه بلغة علم الحيوان، فيتحدث عن تكاثره، وروائحه، وجحافله، وهياجه. ومن يُنزع عنه وصف الإنسان يسهل أن يُنزع عنه حق الإنسان، وهذه حقيقةٌ لم يحتج فانون إلى عيادته ليكتشفها، بل، كانت تكفيه نشرات الأخبار الفرنسية.
الأطروحة الثالثة، العنف المضاد يطهّر النفس
هذه هي الأطروحة التي جلبت على الكتاب أكثر خصوماته. فيرى فانون أن العنف عند المستعمَر ليس وسيلةً سياسية فحسب، بل، هو أيضًا تجربة نفسية يتخلص بها من عقدة الدونية التي زرعها المستعمِر فيه، ومن يأسه واستسلامه، فيستعيد بها احترامه لنفسه. وبعبارة الطبيب، العنف عند فانون نوعٌ من إزالة السموم، يطرد من جسد المستعمَر ما تراكم فيه من إذلال [2].
وهنا يجب الحذر، فقد قرأ كثيرون هذه الأطروحة قراءةً مبتسرة، أي ناقصةً مقتطعة من سياقها، كالثمرة التي تُقطف قبل أن تنضج، فظنوا أن فانون يدعو إلى العنف للعنف، أو يرى فيه متعةً أو فضيلة. والأقرب إلى الصواب أنه يصف آلية نفسية رآها في مرضاه، ويقرر أن الاستعمار الذي قام بالعنف لا يتراجع إلا أمام عنفٍ أكبر منه [2]. ولكن الطبيب الذي يصف الحمى لا يمدحها، والفصل الخامس من الكتاب نفسه، كما سيأتي، يبيّن أن هذا العنف يترك ندوبًا في نفوس من يمارسونه، مستعمَرين كانوا أو مستعمِرين.
الأطروحة الرابعة، العنف المكبوت يأكل أهله
يلاحظ فانون أن المستعمَر، أي ابن البلد الذي وقع وطنه تحت الاحتلال، يعيش على طول الخط في حالة توترٍ عضليٍّ دائم، فجسده في استنفارٍ مستمر لا يهدأ، ولذلك يحلم المستعمَر في نومه بالقفز، والجري، والسباحة، وتسلق الجبال، أي بالحركة التي يُحرم منها في يقظته. وهذا التوتر الجسدي يطلب مخرجًا، والمخرج الطبيعي له هو المستعمِر، أي الأجنبي الذي فرض الاحتلال وأقام في مدينته النظيفة المضاءة، غير أن الوصول إلى المستعمِر مسدود، لأن الشرطي والجندي يحرسانه. فلا يجد توتر المستعمَر طريقه إلى المستعمِر، فيرتدّ إلى الداخل، أي إلى مجتمع المستعمَرين أنفسهم، من أهلٍ، وأقارب، وجيران، وأبناء حيٍّ واحد، فتكثر المشاجرات الدامية بين الأهالي الوطنيين المستعمَرين بعضهم مع بعض، وتشتعل الثارات القبلية بين جماعاتهم، ويلجأ هؤلاء الأهالي إلى الرقصات الجماعية الصاخبة، وحفلات المسّ بالأرواح، وحكايات الجن، يفرّغون فيها ما لا يستطيعون تفريغه في الجندي الواقف عند حدود حيّهم [4].
وهذه من أذكى ملاحظات الكتاب، لأن المستعمِر حين يشكو من أن الأهالي عنيفون فيما بينهم، يتشاجرون لأتفه الأسباب، ويقتل بعضهم بعضًا في الأسواق، يتخذ هذه المشاهد دليلًا على أن الأهالي همجٌ بطبعهم لا يصلحون لحكم أنفسهم، ولا يدرك، أو لا يريد أن يدرك، أنه هو نفسه مصدر هذا العنف، لأن الرصاصة التي لا تجد طريقها إلى صدر المستعمِر تجد طريقها إلى صدر أخي المستعمَر وجاره.
وللقارئ السوداني مثالان من تاريخ بلاده يوضحان هذه الآلية. المثال الأول من العهد التركي المصري (1821–1885)، فقد كان الحاكم الأجنبي، أي التركي المصري، محروسًا بجنودٍ سودانيين يُسمَّون «الجهادية»، وأكثرهم من أبناء الجنوب وجبال النوبة الذين جُلب كثيرٌ منهم إلى الجيش بالأسر والشراء، ثم أُلبسوا الزيّ العسكري. فالسوداني الغاضب من الحاكم الأجنبي لا يصل إلى هذا الحاكم إلا بعد أن يصطدم بجنديٍّ سودانيٍّ آخر يقف في طريقه، فيصير السودانيون يقتل بعضهم بعضًا، بينما الحاكم الأجنبي جالسٌ خلفهم في أمان. والمثال الثاني بعد رحيل هذا الحاكم، ففي يناير 1885 سقطت الخرطوم في يد الدولة المهدية، ثم وجّهت هذه الدولة في سنواتها التالية حملاتٍ عسكرية إلى قبائل سودانية، فحاربت الكبابيش (القبيلة الرعوية في شمال إقليم كردفان)، والبطاحين (القبيلة التي تسكن شرق نهر النيل الأزرق)، وأوقعت بأهل المتمة (البلدة التي تقع على الضفة الغربية لنهر النيل قبالة مدينة شندي) من الجعليين مذبحةً في يوليو 1897. فكأن الجيش الذي تعبّأ لطرد الأجنبي وجد بعد رحيل الأجنبي أن سلاحه ما زال مرفوعًا، فوجّهه إلى أهل البلد. ولا نقول إن الاستعمار هو السبب الوحيد لكل عنفٍ بين السودانيين، بل، نقول إن آلية فانون تلفت النظر إلى جانبٍ من الصورة لا يُرى بسهولة.
الأطروحة الخامسة، الأحزاب الإصلاحية تساوم
ينتقد فانون الأحزاب الوطنية التي نشأت في المدن بين المثقفين والتجار والموظفين، ويرى أنها أحزابٌ إصلاحية في جوهرها، تطالب بزيادة المقاعد في المجالس، وتحسين الأجور، وتوسيع حق الانتخاب، ولا تطالب بإزالة النظام الاستعماري نفسه. ويرى أن دعوة اللاعنف التي ترفعها هذه الأحزاب كثيرًا ما تكون صفقةً بين برجوازية المستعمَرين وبرجوازية المستعمِرين، يتقاسمان فيها الامتيازات ويتفقان على تهدئة الجماهير [2]. فالمستعمِر الذي كان يرفض أن يجلس مع هؤلاء على مائدة واحدة، يكتشف فجأةً حين تشتعل الأرياف أنهم «محاورون عقلاء» يستحقون الجلوس، بل، يستحقون الدعوة إلى العشاء.
الأطروحة السادسة، الفلاح والمهمَّش طليعة الثورة
في الفصل الثاني يخالف فانون الماركسية التقليدية مخالفةً صريحة، فيرى أن العمال في المدن المستعمَرة طبقةٌ محظوظة نسبيًّا، تنال أجرًا منتظمًا، وتعيش على أطراف الامتيازات الاستعمارية، ولذلك تميل إلى المساومة. أما الفلاحون فهم القوة الثورية الحقيقية لأنهم لا يملكون ما يخسرونه، ومعهم من سمّاهم «البروليتاريا الرثة»، أي المشردون، والعاطلون، والمعدمون الذين نزحوا من الأرياف واستقروا في أحزمة البؤس حول المدن [4].
وقد احتاج ماركس إلى مجلداتٍ ليقنع العالم بأن العمال سيحررون البشرية، فجاء فانون في فصلٍ واحد ليقول إن العمال في المستعمرات مشغولون بأقساط الدراجة الهوائية (البسكليت، أي المركبة ذات العجلتين التي يحرّك راكبها دواستيها بقدميه، وكانت في ذلك العهد أول ما يشتريه الأجير منتظم الراتب بالتقسيط، فهي هنا رمزٌ للامتياز الصغير الذي يفصله عن الفلاح الماشي على قدميه)، وإن التحرير سيأتي من الريف. غير أن فانون نفسه يعترف بأن البروليتاريا الرثة سلاحٌ ذو حدين، فهي قد تتحول إلى أداةٍ في يد المستعمِر إن لم تُسيَّس، لأن الجائع يقاتل لمن يطعمه، والمستعمِر أغنى من الثوار في هذا الباب.
الأطروحة السابعة، أوروبا صناعةُ العالم الثالث
في القسم الذي خصّصه للسياق الدولي يقرر فانون أن أوروبا، بالمعنى الحرفي، صنيعة العالم الثالث، فثروتها وقصورها ومصانعها قامت على ذهب المستعمرات، ومطاطها، وقطنها، وعبيدها. ولذلك فإن ما تقدّمه أوروبا للدول المستقلة حديثًا من معونات ليس صدقةً، بل، تعويضٌ متأخر وجزئي عن دينٍ قديم [2]. ويرفض فانون منطق المعونة الذي يجعل اللص يتصدق على ضحيته بجزءٍ مما سرقه منها، ثم ينتظر منها الشكر، ثم يحاضرها في حسن إدارة الصدقة.
ويضع فانون هذه الأطروحة في سياق الحرب الباردة، فيدعو الدول الجديدة، أي الدول حديثة الاستقلال التي خرجت لتوّها من الاستعمار، إلى الحياد بين المعسكرين الكبيرين، ويلاحظ أن الصراع بين واشنطن وموسكو يمنح العالم الثالث فرصة المساومة، ولكنه يحذّر من أن يصبح الحياد تجارةً يبيع فيها الزعيم صوت بلاده في الأمم المتحدة لمن يدفع أكثر.
الأطروحة الثامنة، العفوية تشعل الثورة ولا تحرسها
يشيد فانون بعفوية الانتفاضات الفلاحية، ويرى فيها طاقةً هائلة تهزّ أركان الاستعمار. ولكنه يحذّر من أن الحماسة التي تهزم كتيبةً لا تبني دولة، وأن الانتفاضة التي لا يقودها وعيٌ سياسي منظّم قد تنتهي بنصرٍ عسكري تعقبه هزيمةٌ سياسية. ولذلك يلحّ على ضرورة التثقيف السياسي للجماهير، وعلى أن ينتقل المناضلون من المدن إلى الأرياف ليتعلموا من الفلاحين ويعلّموهم، لا ليلقوا عليهم الخطب ثم يعودوا إلى مقاهي العاصمة [4].
الأطروحة التاسعة، البرجوازية الوطنية سمسارٌ لا صانع
هذه أخطر أطروحات الكتاب وأصدقها نبوءة. فالبرجوازية الوطنية التي ترث الحكم من المستعمِر ليست، عند فانون، برجوازية منتجة كنظيرتها الأوروبية التي صنعت المصانع والسكك الحديدية والبنوك، بل، هي طبقةٌ وسيطة لا تملك رأس المال ولا الخبرة ولا الجرأة، فتكتفي بدور السمسار بين اقتصاد بلادها والشركات الأجنبية. وهي تطالب بتأميم الوظائف لا بتأميم الثروة، فيصبح الاستقلال عندها انتقالًا للمكاتب والسيارات والفلل من أيدٍ بيضاء إلى أيدٍ سوداء، مع بقاء الاقتصاد في مكانه [2].
ويسخر فانون من هذه البرجوازية سخريةً لاذعة، فيصفها بأنها كاريكاتير للبرجوازية الأوروبية، تُقلِّد منها الاستهلاك ولا تُقلِّد الإنتاج، وتستورد السيارات الفارهة ولا تستورد المصانع، وتحوّل بلادها إلى منتجعٍ سياحي للأوروبيين، أو، بعبارته القاسية، إلى «ماخورٍ لأوروبا» [4]. وهي عبارةٌ لو قالها كاتبٌ أوروبي لاتُّهم بالعنصرية، ولكن فانون قالها حبًّا لا كراهية، كما يقسو الطبيب على المريض الذي يرفض أن يترك التدخين.
ويحذّر فانون من أن هذه البرجوازية تتحول سريعًا من العنصرية ضد المستعمِر الأبيض إلى عنصريةٍ ضد الأفريقي الآخر، فتشتعل الكراهية بين أبناء الأقاليم والقبائل، وبين المواطن والمهاجر من البلد المجاور، وبين ما سمّاه «أفريقيا البيضاء» في الشمال العربي و«أفريقيا السوداء» جنوب الصحراء [2]. وهذه الأطروحة بالذات تستحق أن يقرأها السوداني مرتين، لأن السودان يقع على خط الصدع الذي وصفه فانون، كما سيأتي في المحور التاسع.
الأطروحة العاشرة، الحزب الواحد والزعيم الأوحد
يمضي فانون فيصف كيف يتحول حزب التحرير بعد الاستقلال إلى حزبٍ واحد، ثم إلى جهاز مخابرات، ثم إلى أداةٍ في يد زعيمٍ واحد يتحدث باسم الأمة كلها، ويمارس في الخفاء دكتاتوريةً قبلية حقيقية. ويرى أن البرجوازية الوطنية تستمد متانتها من وجود الزعيم، فهو يغطي بشعبيته عجزها، ويُسكت بصوته الجماهير التي بدأت تتساءل عن ثمار الاستقلال [2].
ويقترح فانون علاجًا لهذا المرض، فيدعو إلى لامركزيةٍ واسعة، وإلى نقل العاصمة من الساحل حيث بنى المستعمِر موانئه إلى الداخل حيث يعيش الشعب، وإلى أن يكون الحزب أداةً في يد الشعب لا العكس، وإلى ألّا يسكن الوزراء القصور ولا يركبوا السيارات الفارهة [4]. وهي وصفاتٌ جميلة، ولو طُبّقت لأفلست وكالات السيارات الألمانية في أفريقيا خلال عام واحد.
الأطروحة الحادية عشرة، الثقافة تُصنع في النضال لا في المتحف
يرسم فانون في الفصل الرابع مسار المثقف المستعمَر في ثلاثة أطوار متتالية، طورٍ أول يتشرّب فيه ثقافة المستعمِر ويحاول أن يكون نسخةً منها، وطورٍ ثانٍ يستيقظ فيه على ذاته فيعود إلى تراثه عودة الحنين، ويمجّد الماضي تمجيدًا قد لا يخلو من الفلكلور، وطورٍ ثالث يصبح فيه مثقفًا مقاتلًا يصنع ثقافةً جديدة من داخل نضال شعبه [4]. وفي هذا الفصل يقرر فانون أن على كل جيلٍ أن يكتشف رسالته، فإما أن يؤديها وإما أن يخونها.
وقد سبقت الإشارة إلى حركة الزنوجة (Négritude)، وهنا نتوسع فيها قليلًا لأن نقد فانون لها يحتاج إلى فهمها. فالزنوجة حركةٌ أدبية وفكرية ظهرت في باريس في ثلاثينيات القرن العشرين على يد ثلاثة طلبةٍ من أبناء المستعمرات، هم إيمي سيزير (Aimé Césaire) من المارتينيك، وليوبولد سيدار سنغور (Léopold Sédar Senghor) من السنغال، وليون غونتران داماس (Léon-Gontran Damas) من غويانا الفرنسية (إقليم على الساحل الشمالي الشرقي لقارة أمريكا الجنوبية). وكانت كلمة «nègre» الفرنسية في أفواه الأوروبيين شتيمة، فقلبها هؤلاء الطلبة إلى مصدر اعتزاز، كمن يأخذ الحجر الذي رُمي به ليبني منه بيتًا، وأرادوا أن يقولوا للأسود، الذي علّمته مدارس فرنسا أن يخجل من لونه وتراثه، إن له حضارةً، وفنًّا، وتاريخًا يستحق الفخر. وقد جاءت الحركة ردًّا على سياسة الاستيعاب (Assimilation) الفرنسية، التي كانت تعد المستعمَر بالمواطنة الكاملة مقابل أن يتخلى عن ثقافته ويصير فرنسيًّا بالتقليد.
وانقسمت الزنوجة في داخلها إلى اتجاهين، اتجاهٍ سياسي ثائر يمثله سيزير الذي كتب ديوانه «دفتر العودة إلى الوطن الأم» (Cahier d’un retour au pays natal) صرخةً في وجه الاستعمار، واتجاهٍ ثقافي يميل إلى تصوير الأفريقي كائنًا عاطفيًّا إيقاعيًّا يختلف عن الأوروبي العقلاني، مثّله سنغور في عبارته المشهورة أن «العاطفة زنجية كما أن العقل إغريقي». ومن مفارقاتها أنها وُلدت في باريس، ودوّنت اعتزازها بأفريقيا بلغة فرنسا.
أما فانون فقد تأثر بسيزير أستاذه في الثانوية، ثم ابتعد عن الحركة. وسبب ابتعاده أن الحديث عن «ثقافة زنجية» واحدة تمتد من داكار إلى نيويورك يقبل، في نظره، منطق المستعمِر نفسه، الذي جمع الأفارقة جميعًا في سلةٍ واحدة وسمّاهم «الزنوج» وطمس الفروق بين شعوبهم. فالأفريقي في السنغال يختلف عن الأفريقي في الجزائر، وعن الأفريقي في الكونغو، وعن الأفريقي في أنغولا، لغةً، وتاريخًا، وعادات، ومن يتحدث عن ثقافة زنجية واحدة يشبه من يتحدث عن «ثقافة أوروبية بيضاء» واحدة تجمع الإسباني، والسويدي، والروسي. وقد وصف سارتر الزنوجة في مقدمته لأنطولوجيا الشعر الأسود سنة 1948 بأنها «عنصريةٌ مضادة للعنصرية» (racisme antiraciste)، وكان يقصد أنها ردٌّ على احتقار الأبيض للأسود باعتزازٍ بلون الأسود، وهي في رأيه مرحلةٌ تمهّد لمجتمعٍ بلا عنصرية.
فالثقافة عند فانون قومية لا عرقية، وهي، بتعبيره، مجموع الجهود التي يبذلها شعبٌ في ميدان الفكر ليصف الفعل الذي تشكّل به ويحافظ به على وجوده، ويبرّره، ويمجّده [4]. أي أنها تولد في أرضٍ بعينها ومن نضالٍ بعينه، فهناك ثقافةٌ جزائرية تُصنع في الجبال والمدن الجزائرية في أثناء الحرب، وثقافةٌ أنغولية تُصنع في أنغولا، ولا تُستورد في حقيبة مثقفٍ عاد من باريس بعد أن اكتشف فجأةً أن جدته كانت تحكي حكاياتٍ جميلة. ولا يعني هذا النقد أن فانون ينكر فضل الزنوجة، فهو يضعها في الطور الثاني الذي وصفناه، طور استيقاظ المثقف المستعمَر على ذاته وردّه الاعتبار لتراثه، ولكنه يريد له أن يتجاوزها إلى الطور الثالث، طور النضال. وكان مسرح هذا الجدل المؤتمر الأول للكتّاب والفنانين السود في مدينة باريس سنة 1956 [7]، والمؤتمر الثاني في مدينة روما سنة 1959، وفيه ألقى فانون المحاضرة التي ألحقها بالفصل عن العلاقة بين الثقافة القومية وحروب التحرير [2].
الأطروحة الثانية عشرة، الاستعمار يصنع المرض النفسي
الفصل الخامس أكثر فصول الكتاب إهمالًا، وأشدها التصاقًا بمهنة صاحبه، وأكثرها إيلامًا. ففيه يعرض فانون حالاتٍ سريرية عالجها في الجزائر وتونس، صنّفها في أربع سلاسل [4]. ومن بينها حالة جزائريٍّ أصيب بالعجز بعد أن اغتصب الجنود زوجته، وحالة صبيّين جزائريين في الثالثة عشرة والرابعة عشرة من العمر قتلا رفيقهما الأوروبي في اللعب، وحالة مفتش شرطةٍ فرنسي كان يعذّب المعتقلين نهارًا ثم يعود إلى بيته فيضرب زوجته وأطفاله، وجاء إلى فانون يطلب علاجًا يمكّنه من مواصلة التعذيب دون أن يضطرب نومه [4].
وهذه الحالة الأخيرة وحدها تكفي لتلخيص الكتاب كله، فالجلاد لم يأتِ إلى الطبيب ليتوقف عن التعذيب، بل، جاء ليتعلم كيف يعذّب براحة بال، كمن يذهب إلى طبيب الأسنان ليطلب علاجًا يمكّنه من مواصلة أكل الحلوى. وفي آخر الفصل يردّ فانون على «مدرسة الجزائر» في الطب النفسي، فيبيّن أن ما سمّته «الاندفاعية الإجرامية» للجزائري ليس صفةً في دماغه، بل، نتيجة الوضع الاستعماري، وأن الجزائري الذي وصفه الأطباء الفرنسيون بأنه مجرمٌ بالفطرة صار في الثورة منضبطًا يقاتل بنظامٍ وهدف [4].
الخاتمة عند فانون، وداعًا يا أوروبا
يختم فانون كتابه بدعوةٍ صريحة إلى أن تترك الشعوب المتحررة أوروبا وشأنها، فلا تقلّدها ولا تتخذها نموذجًا، لأن أوروبا التي لا تكفّ عن الحديث عن الإنسان قتلت الإنسان في كل مكان وصلت إليه. ويحذّر من أن تقليد أوروبا انتهى بأمريكا، وهي في نظره وحشٌ ضخّمت فيه عيوب أوروبا حتى صارت مخيفة. ولا يقصد فانون الانغلاق، بل، يقصد أن تبتكر الشعوب الجديدة إنسانًا جديدًا ونظامًا جديدًا [2]. وهي دعوةٌ جميلة في النص، صعبة في التطبيق، والدليل أن كثيرًا من الدول التي رفعتها شعارًا ما زالت حتى اليوم تبعث أبناءها ليتعلموا إدارة الدولة في العواصم التي طالب فانون بتوديعها، ثم يعودون فيديرونها بالطريقة نفسها التي حذّر منها.
موقف المؤلف، منحازٌ بلا اعتذار
لم يكن فانون محايدًا، ولم يدّعِ الحياد، ولو ادّعاه لكذب. فهو منحازٌ انحيازًا كاملًا إلى الثورة الجزائرية وإلى حركات التحرر في أفريقيا، وكان يكتب بوصفه عضوًا في جبهة التحرير الوطني الجزائرية وممثلًا لحكومتها المؤقتة. فموقفه من الاستعمار هو الرفض المطلق، ومن الكفاح المسلح هو التأييد، ومن خيار اللاعنف في المستعمرات الاستيطانية هو التشكيك.
غير أن هذا الانحياز لم يمنعه من النقد، وهنا تكمن فرادة موقفه. فهو يؤيد الثورة وينتقد أمراضها، ويؤيد الاستقلال ويحذّر من البرجوازية التي سترثه، ويحترم المثقفين الوطنيين ويسخر من سطحية عودتهم إلى التراث، وينتمي فكريًّا إلى حركة الزنوجة ثم ينتقدها [12]. فموقفه يمكن أن يوصف بأنه تأييدٌ نقدي، أو نقدٌ من الداخل، وهو موقفٌ نادر في أدب البيانات الثورية التي تؤيد في العادة دون أن تنتقد. وموقفه من سارتر نفسه لم يكن موقف التلميذ، فقد طلب منه المقدمة وهو يعلم أن اسمه سيفتح للكتاب أبواب أوروبا، ثم وجّه الكتاب كله إلى غير الأوروبيين، فاستعمل الفيلسوف الفرنسي جسرًا ثم مضى في طريقه.
مقدمة سارتر، الضيف الذي جلس في مقعد العريس
التقى فانون بسارتر وسيمون دو بوفوار (Simone de Beauvoir) في مدينة روما في أبريل 1961، وامتد اللقاء أيامًا من الحديث المتصل، وخرج منه سارتر وقد وافق على كتابة المقدمة، ووافقت مجلة «الأزمنة الحديثة» (Les Temps modernes) على نشر الفصل الأول [10]. وكتب سارتر مقدمةً ملتهبة وجّهها إلى القارئ الأوروبي، وفيها عبارته التي ستلاحق الكتاب طويلًا، ومؤداها أن قتل الأوروبي على يد المستعمَر يضرب عصفورين بحجر، فيُهلك ظالمًا ويحرّر مظلومًا [4].
وقد أسدت المقدمة إلى الكتاب خدمةً كبيرة وجنت عليه جنايةً أكبر. فشهرة سارتر فتحت لهذا الكتاب أبواب أوروبا وأمريكا، ولكنها صبغت تلقّيه الأول بلونها، أي بلون شهرة سارتر وأسلوبه الناري لا بلون فانون ونصّه، حتى صار كثيرون يقرؤون فانون بعينَي سارتر [13]، ويحاكمون الطبيب بكلام الفيلسوف. وكانت المقدمة أكثر عنفًا من الكتاب نفسه، وهي مفارقةٌ لطيفة، فالرجل الذي عاش الحرب وعالج ضحاياها كتب عن العنف بلغة الطبيب، والرجل الذي كتب في مقاهي باريس كتب عنه بلغة القائد الميداني.
نقد الكتاب، الإيجابيات
للكتاب في تقديرنا سبع إيجابيات، هي أنه نقل النقاش حول الاستعمار من لغة الاقتصاد والسياسة إلى لغة النفس الإنسانية، فأثبت أن الاستعمار جريمةٌ ضد العقل قبل أن يكون جريمةً ضد الجيب، وأنه تنبأ وحذّر من أزمات ما بعد الاستقلال قبل أن تقع، من البرجوازية السمسارة، إلى الحزب الواحد، إلى الزعيم الأوحد، إلى الفتن القبلية والإقليمية، وأنه منح المستعمَرين لغةً يصفون بها جرحهم بأنفسهم بدل أن يصفه لهم غيرهم، وأنه فضح علم النفس الاستعماري الذي كان يَلْبَسُ ثوب العلم ليبرر العنصرية، وأنه رفض أن يكون الاستقلال مجرد تغييرٍ في لون الحاكم، وأنه جمع بين الالتزام والنقد الذاتي في توازنٍ نادر، وأنه كُتب بلغةٍ أدبية جعلته مقروءًا خارج دوائر المتخصصين، أي الأكاديميين والباحثين في شؤون الاستعمار وعلم النفس والفلسفة والسياسة.
وقد أثبت التاريخ صحة كثير من هذه الأطروحات، ففي سنة 2011، حين مضت خمسون سنة على صدور الكتاب ووفاة صاحبه، لاحظ الدارسون أن الكتاب ما زال صالحًا لقراءة ما سُمّي يومئذٍ «الربيع العربي» و«الربيع الأفريقي»، وأن هذه حقيقةٌ محزنة في ذاتها، لأن صلاحية الكتاب بعد نصف قرن دليلٌ على أن الأمراض التي شخّصها لم تُشفَ [11].
نقد الكتاب، الحدود
وللكتاب في تقديرنا ثمانية حدود، أولها أنه عمّم التجربة الجزائرية على القارة كلها، والجزائر كانت مستعمرةً استيطانية يعيش فيها نحو مليون أوروبي، وكانت تُعدّ جزءًا من فرنسا، فلم يكن أمام أهلها إلا السلاح. أما مستعمراتٌ كثيرة، مثل غانا والسودان، فنالت استقلالها بالتفاوض والعمل السياسي، وبهذا تضعف الأطروحة القائلة إن تصفية الاستعمار عنيفةٌ دائمًا. وقد رأى الهنود بقيادة المهاتما غاندي قبل ذلك بأربع عشرة سنة أن اللاعنف قادر على إخراج أكبر إمبراطورية في العالم من أكبر مستعمراتها.
وثانيها أن حديثه عن الأثر المحرِّر للعنف، أي عن قدرة العنف على تحرير المستعمَر من إحساسه بالدونية والخوف والخضوع، بقي فرضيةً أقرب إلى الحدس منها إلى الدليل السريري، وهي مفارقةٌ في كتاب طبيبٍ عُرف بدقة الملاحظة. ثم إن منطق هذه الأطروحة يقتضي أن يشمل «التحرير» الطرفين متى مارس الطرفان العنف، مع أن جلاد المستعمِر لا يتحرر بتعذيبه لغيره، بل، تشهد حالات فانون السريرية نفسها في الفصل الخامس، ومنها حالة مفتش الشرطة الفرنسي الذي كان يعذّب الموقوفين ثم ينقلب على زوجته وأطفاله، بأن العنف يجرح من يمارسه أكثر مما يشفيه. وقد انتقدت الفيلسوفة حنا آرنيت (Hannah Arendt) هذه الأطروحة في مقالتها «في العنف» (On Violence) سنة 1970، ففرّقت بين السلطة التي تنشأ من اتفاق الناس والعنف، ومرادها أن العنف قد يهدم سلطة المستعمِر، وهي سلطةٌ قائمة أصلًا دون رضا المحكومين، ولكنه لا يصنع السلطة الجديدة للشعب المحرَّر، لأن هذه السلطة لا تقوم إلا على اتفاق أبنائه [14]. غير أن آرنيت وجّهت أكثر نقدها إلى مقدمة سارتر لا إلى نص فانون، ويرى بعض الدارسين أن قراءة فانون بوصفه مادحًا للعنف قراءةٌ خاطئة [13]، ويرى آخرون أن فهم فانون للبعد الجسدي للعنف أعمق من فهم آرنيت نفسها [15].
وثالثها أنه رفع الفلاحين إلى مرتبةٍ ثورية مثالية لم تصمد دائمًا أمام الوقائع، فالثورة الجزائرية نفسها قادها في الغالب كوادر من المدن، وكثير من الثورات الريفية في أفريقيا انتهت إلى زعماء حرب، أي قادةٍ مسلحين يسيطرون بقوة السلاح على أقاليم بعينها دون مؤسسات دولةٍ ولا قانونٍ مشترك، لا إلى دول. ورابعها أن البروليتاريا الرثة، أي جموع العاطلين المقتلعين من جذورهم الذين عوّل عليهم، كانت في تجارب كثيرة مخزنًا للمرتزقة والميليشيات، إذ يُجنَّد رجالها بأجرٍ في جماعاتٍ مسلحة تبيع سلاحها لمن يدفع، وهي نتيجةٌ حذّر منها فانونُ نفسُه، ولكنه لم يعطها حقها من التحليل.
وخامسها أنه قلّما توقف عند الإسلام بوصفه قوةً روحية واجتماعية في حياة الشعب الذي ثار معه، مع أن الثورة الجزائرية رفعت شعار الجهاد، وسمّت صحيفتها «المجاهد»، وسمّت شهداءها «الشهداء»، وهي الثغرة التي عُني بها ملحقٌ خاص في الطبعة العربية الثالثة من الكتاب التي صدرت عن دار مدارات للأبحاث والنشر في القاهرة سنة 2017 [16]. وسادسها أن برنامجه الاقتصادي للدول الجديدة بقي عامًّا لا يتجاوز الدعوة إلى اللامركزية والتخطيط والتعاون الأفريقي، فهو يعرف جيدًا ما لا يريد ويعرف أقل مما يريد.
وسابعها أن ثنائيته الحادة بين أوروبا والعالم الثالث تجاهلت التمايزات داخل كل طرف، فأوروبا فيها المستعمِر وفيها من عارض الاستعمار، ومنهم سارتر نفسه الذي كتب المقدمة، والعالم الثالث فيه المظلوم وفيه من ظلم أخاه قبل أن يأتي المستعمِر وبعد أن رحل. وثامنها أن لغته البلاغية الملتهبة، وهي من أسباب سحره، كانت أيضًا من أسباب سوء فهمه، إذ تأتي جُمَلُه مطلقةً قاطعةً مشحونةً بالصور، فتُقتبس خارج سياقها، ويحمل كل قارئ إليها وقوده الخاص، فيأخذها خصومه تحريضًا وأنصاره تبريرًا، وتضيع التحذيرات والتحفظات التي وردت في مواضع أخرى من الكتاب. فالجملة الشعرية تُقتبس دائمًا خارج سياقها، والكتاب المكتوب بلغة النار يقرؤه كل قارئ بقدر ما في صدره من حطب.
حقائق واستنتاجات إضافية
أولى هذه الحقائق أن الكتاب، الذي يشغل اليوم مكانًا في مناهج الجامعات الغربية، صادرته الشرطة الفرنسية من المكتبات بعد صدوره بقليل، في الأيام التي كان صاحبه يحتضر فيها [4]. ومؤلفه رأى نسخه الأولى، ولكن قراءه الأولين قرؤوه كتابًا صدر بعد موت صاحبه [11]، فهو بهذا المعنى وصيةٌ أكثر منه بيانًا، ووصايا المحتضرين لا تعرف عادةً لغة المجاملة، أي أن من يوشك على الموت لا يجمّل كلامه ولا يخفف قسوته مراعاةً لمشاعر السامعين، فيقول ما يراه حقًّا مهما أغضب، وكذلك كتب فانون كتابه بلا تلطيفٍ ولا تحفظ.
والحقيقة الثانية أن الجزائر التي مات فانون من أجلها نالت استقلالها في الخامس من يوليو 1962، أي بعد سبعة أشهر من وفاته، ثم وقع فيها ما حذّر منه بعد ثلاث سنوات فقط، حين أطاح الجيش بالرئيس أحمد بن بلة في يونيو 1965، وصارت المؤسسة العسكرية صاحبة القرار. ومن المفارقات المؤلمة أن رفات فانون نُقل إلى مقبرة الشهداء في الشهر نفسه الذي وقع فيه الانقلاب، فكأن الرجل عاد إلى الجزائر ليشهد صدق نبوءته.
والحقيقة الثالثة أن الكتاب عبر المحيط الأطلسي وصار إنجيلًا لحركات التحرر السوداء في الولايات المتحدة، فكان أكثر الكتب الثورية تأثيرًا في قادة حزب الفهود السود (Black Panther Party) في منتصف ستينيات القرن العشرين [17]. وصار من النصوص المؤسسة لدراسات ما بعد الاستعمار، وأفرد له المفكر الفلسطيني الأمريكي إدوارد سعيد (Edward Said) صفحاتٍ مهمة في كتابه «الثقافة والإمبريالية» (Culture and Imperialism) [18]. ولم يخفت الاهتمام به، فقد أصدر الكاتب الأمريكي آدم شاتز (Adam Shatz) سنة 2024 سيرةً جديدة لفانون بعنوان «عيادة المتمرد» (The Rebel’s Clinic) [19]، وهي علامةٌ على أن الكتاب الذي كُتب على عجلٍ في عشرة أسابيع ما زال يُقرأ على مهلٍ بعد عشرات السنين.
والحقيقة الرابعة تخص السودان، فقد نال السودان استقلاله في الأول من يناير 1956، قبل صدور الكتاب بست سنوات، ونال ذلك الاستقلال بالتفاوض والعمل البرلماني لا بحرب تحرير على النمط الجزائري. غير أن الطريقة التي نال بها استقلاله تكاد تكون درسًا تطبيقيًّا في الفصل الثالث من الكتاب، فقد شُكّلت في فبراير 1954 لجنة السودنة التي أوصت بسودنة معظم وظائف الإدارة البريطانية، فانتقلت المكاتب من الموظفين البريطانيين إلى الموظفين السودانيين، ولم ينل الجنوبيون منها إلا نصيبًا ضئيلًا، فشعروا بأنهم خُدعوا، وكان ذلك من أسباب تمرد مدينة توريت في الثامن عشر من أغسطس 1955 [20]. وهذا بالضبط ما سمّاه فانون تأميم الوظائف بدل تأميم الثروة، مضافًا إليه ما حذّر منه من تحوّل الصراع مع المستعمِر إلى صراعٍ بين أبناء الوطن الواحد، فقد بدأت الحرب الأهلية الأولى في السودان قبل أن يرفع علم الاستقلال.
والحقيقة الخامسة أن السودان يقع في قلب الصدع الذي وصفه فانون بين «أفريقيا البيضاء» و«أفريقيا السوداء»، فهو عربيٌّ وأفريقيٌّ، ومسلمٌ ومسيحيٌّ، وشماليٌّ وجنوبيٌّ، في دولةٍ واحدة. وقد انتهى هذا الصدع بانفصال جنوب السودان سنة 2011، أي بعد خمسين سنة من صدور الكتاب، وهي نهايةٌ كان فانون سيعدّها، لو عاش، فشلًا للبرجوازيتين الوطنيتين معًا في بناء أمةٍ تتجاوز اللون والدين والإقليم. ولم يسلم السودان كذلك من الدورة التي وصفها فانون بين الحكم المدني والحكم العسكري، فقد وقع أول انقلابٍ عسكري في نوفمبر 1958، حين كان فانون يتنقل بين المؤتمرات الأفريقية، ثم توالت الدورات حتى يومنا هذا.
والاستنتاج الذي نخرج به من هذه الحقائق أن فانون أخطأ في الوسيلة وأصاب في التشخيص، فليست كل الطرق إلى الاستقلال تمر بالبندقية، ولكن كل الطرق بعد الاستقلال تمر بالامتحان نفسه، وهو هل خرج المستعمِر من الأرض فقط أم خرج من الرأس أيضًا؟ والسودان، الذي نال استقلاله بلا رصاصة، دفع ثمن ما بعد الاستقلال رصاصًا كثيرًا، وهي مفارقةٌ تجعل الفصل الثالث من الكتاب أهم للسودانيين من الفصل الأول.
خاتمة
عرض هذا المقال كتاب «المعذّبون في الأرض» في عشرة محاور. فبدأ بالكتاب واسمه، وكيف اختلفت الترجمات الفرنسية والإنجليزية والعربية على مقدار العذاب، وكيف استعار فانون عنوانه من النشيد الأممي. ثم عرض سيرة المؤلف من جزيرة المارتينيك إلى مدينة البليدة الجزائرية، ثم إلى مدن تونس، وأكرا، وموسكو، وانتهاءً بمستشفى مدينة بيثيسدا بولاية ماريلاند الأمريكية، فقبرٍ في الجزائر التي مات قبل أن يرى استقلالها.
ثم بيّن المقال أن ما يميز الكتاب أنه بيانٌ ثوري كتبه طبيبٌ نفسي، وانتقد فيه رفاقه قبل النصر، وأن منهجه يجمع الملاحظة السريرية، والتحليل النفسي، والفلسفة الوجودية والجدلية، والتحليل الطبقي، وأن مصادره خبرته وعيادته ومؤتمراته، وأنه كُتب في عشرة أسابيع بلا هوامش. وبيّن أن الكتاب غطى حقبة تصفية الاستعمار من سنة 1945 إلى سنة 1961، وقلبها الثورة الجزائرية، وأنه تجاوز زمنه إلى الماضي البعيد والمستقبل القريب.
ثم فصّل المقال أطروحات الكتاب الاثنتي عشرة، من عنف تصفية الاستعمار، والعالم المقسوم، والعنف المطهِّر، والعنف المكبوت، إلى الأحزاب الإصلاحية، والفلاحين الثوريين، وديون أوروبا، والعفوية القاصرة، ثم البرجوازية السمسارة، والحزب الواحد، والثقافة المناضلة، وانتهاءً بالمرض النفسي الذي يصيب الضحية والجلاد معًا. وبيّن أن موقف المؤلف كان تأييدًا نقديًّا، فهو منحازٌ إلى الثورة ناقدٌ لأمراضها، وأن مقدمة سارتر خدمت الكتاب وجنت عليه.
ثم أورد المقال نقدنا للكتاب، فعدّد إيجابياته السبع، وفي مقدمتها نبوءته بأزمات ما بعد الاستقلال، وحدوده الثمانية، وفي مقدمتها تعميم التجربة الجزائرية، والمبالغة في الأثر المحرِّر للعنف، وإغفال البعد الإسلامي. وأضاف حقائق واستنتاجات، منها مصادرة الكتاب، ومصير الجزائر بعد فانون، وأثر الكتاب في أمريكا والجامعات، وقراءته بعينٍ سودانية تجد في لجنة السودنة وتمرد مدينة توريت وانفصال الجنوب شواهد على صدق الفصل الثالث.
وخلاصة القول أن فانون أخطأ في كتابه «المعذّبون في الأرض» حين ظن أن البندقية وحدها تصنع الحرية، وأصاب حين قال إن الحرية لا تكتمل بإنزال علم المستعمِر ورفع علم الوطن. وقد كتبه رجلٌ لم يعش ليرى استقلال الجزائر التي أحبها، ولا خيبات أفريقيا التي حذّر منها، فكان كمن يصف الطريق لقافلةٍ يعلم أنه لن يرافقها، ثم تبيّن أن القافلة، بعد ستين سنة، ما زالت تسير في الطريق الذي حذّرها منه.
المراجع
[1] ‪Encyclopaedia Britannica, «Frantz Fanon», Encyclopaedia Britannica, Chicago.‬‬‬
https://www.britannica.com/biography/Frantz-Fanon
[2] ‪Frantz Fanon, Les Damnés de la terre, préface de Jean-Paul Sartre, coll. Cahiers libres 27–28, François Maspero, Paris, 1961.‬‬‬
[3] فرانز فانون، معذبو الأرض، ترجمة سامي الدروبي وجمال الأتاسي، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الثانية، 1966.
[4] ‪Frantz Fanon, The Wretched of the Earth, trans. Richard Philcox, with commentary by Jean-Paul Sartre and Homi K. Bhabha, Grove Press, New York, 2004.‬‬‬
[5] ‪David Macey, Frantz Fanon: A Biography, 2nd edition, Verso, London, 2012.‬‬‬
[6] ‪Frantz Fanon, Peau noire, masques blancs, Éditions du Seuil, Paris, 1952.‬‬‬
[7] ‪Frantz Fanon, Pour la révolution africaine: écrits politiques, François Maspero, Paris, 1964.‬‬‬
[8] ‪Camille Robcis, Disalienation: Politics, Philosophy, and Radical Psychiatry in Postwar France, University of Chicago Press, Chicago, 2021.‬‬‬
[9] ‪Alice Cherki, Frantz Fanon: portrait, Éditions du Seuil, Paris, 2000.‬‬‬
[10] ‪Lewis R. Gordon, «Sartre and Fanon on Embodied Bad Faith», in Katherine J. Morris (ed.), Sartre on the Body, Palgrave Macmillan, Basingstoke, 2010, pp. 183–199.‬‬‬
https://doi.org/10.1057/9780230248519_12
[11] ‪Anthony C. Alessandrini, «Toute décolonisation est une réussite: Les damnés de la terre and the African Spring», Journal of French and Francophone Philosophy, vol. 19, no. 1, 2011.‬‬‬
https://doi.org/10.5195/jffp.2011.474
[12] ‪Peter Hudis, Frantz Fanon: Philosopher of the Barricades, Pluto Press, London, 2015.‬‬‬
[13] ‪Richard J. Bernstein, «Violence», Political Concepts: A Critical Lexicon.‬‬‬
https://www.politicalconcepts.org/bernstein-violence/4
[14] ‪Hannah Arendt, On Violence, Harcourt, Brace & World, New York, 1970.‬‬‬
[15] ‪Elizabeth Frazer and Kimberly Hutchings, «On Politics and Violence: Arendt Contra Fanon», Contemporary Political Theory, vol. 7, no. 1, 2008, pp. 90–108.‬‬‬
https://doi.org/10.1057/palgrave.cpt.9300328
[16] فرانز فانون، معذبو الأرض، ترجمة سامي الدروبي وجمال الأتاسي، ويليه ملحق «غياب البعد الإسلامي في نصوص فانون»، مدارات للأبحاث والنشر، القاهرة، الطبعة الثالثة، 2017.
https://search.worldcat.org/oclc/1047958347
[17] ‪Clayborne Carson and David Malcolm Carson, «Black Panther Party», in Mari Jo Buhle, Paul Buhle and Dan Georgakas (eds.), Encyclopedia of the American Left, Garland Publishing, New York, 1990.‬‬‬
https://web.stanford.edu/~ccarson/articles/am_left.htm
[18] ‪Edward W. Said, Culture and Imperialism, Alfred A. Knopf, New York, 1993.‬‬‬
[19] ‪Adam Shatz, The Rebel’s Clinic: The Revolutionary Lives of Frantz Fanon, Farrar, Straus and Giroux, New York, 2024.‬‬‬
[20] ‪Douglas H. Johnson, The Root Causes of Sudan’s Civil Wars, International African Institute in association with James Currey, Oxford, and Indiana University Press, Bloomington, 2003.‬‬‬

rkhalifa747@gmail.com

Author
الرشيد خليفة

الرشيد خليفة

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

مزمل أبو القاسم
المريخ يصنع الأحداث
كيف كانت المقاومة القبلية للمهدية؟
منبر الرأي
الهندي عزالدين الصحفي النرجسي الأرزقي! .. بقلم: عثمان محمد حسن
منبر الرأي
وللشاى أحزاب فى كل مكان! .. بقلم: الخضر هارون
منبر الرأي
تفسير القرار 2830 !

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

الآداب والفنوب فى الميدان، تؤازر الثورة والثوار. .. بقلم: جابر حسين

طارق الجزولي
منبر الرأي

السودان اليوم فى إنتظار قرار وليس حوار ! .. بقلم: عثمان الطاهر المجمر طه / لندن

عثمان الطاهر المجمر طه
منبر الرأي

حصانة السودان .. بقلم: محمد الحسن محمد عثمان

محمد الحسن محمد عثمان
منبر الرأي

كيف يغرق موسفيني في مستنقعات السد حرفياً ومجازاً ؟ .. بقلم: ثروت قاسم

ثروت قاسم
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss