«كل ما أعرفه أنني لا أعرف شيئًا.»
— سقراط
منذ أن وطئت قدم الإنسان الأولى سطح الأرض، وهو في رحلة دائمة لا تنتهي بحثًا عن الحقيقة والمعرفة. فمنذ لحظة وجوده وجد نفسه محاطًا بأسئلة أكبر من قدرته على الإجابة، فسعى إلى فهم الطبيعة، واكتشاف قوانينها، ومعرفة نفسه وماهو مكانه في هذا الكون.
ومع تعاقب العصور وتعقّد الحياة، لم تتناقص الأسئلة، بل ازدادت عمقًا وتشعبًا. فكل معرفة يكتسبها الإنسان تفتح أمامه أبوابًا لأسئلة جديدة، حتى بدا أن المعرفة ليست محطة يصل إليها، وإنما طريق يمتد كلما ظن أنه اقترب من نهايته.
ومن هنا تبرز أسئلة رافقت الإنسان منذ فجر التاريخ، وما تزال تنتظر إجابات جديدة مع كل جيل:
كيف يبحث الإنسان عن المعرفة؟ وهل توجد حقائق نهائية يصل إليها؟ ولماذا يقال إن المعرفة على قدر الحاجة؟ وهل الحاجة نفسها ثابتة، أم أنها تتغير بتغير الإنسان والمجتمع والزمن؟
إن القول بأن المعرفة على قدر الحاجة لا يعني أن الإنسان لا يتعلم إلا ما يحتاج إليه في لحظته الراهنة، وإنما يعني أن الحاجة كانت، عبر التاريخ، من أقوى الدوافع إلى المعرفة. فقد عرف الزراعة لأنه احتاج إلى الغذاء، واكتشف الطب ليقاوم المرض، وابتكر وسائل النقل ليختصر المسافات، ثم تجاوزت المعرفة حدود الحاجة الأولى، فأصبحت هي نفسها تخلق حاجات جديدة، وتفتح آفاقًا لم تكن تخطر على البال.
وهنا تكمن مفارقة تستحق التأمل؛ فالحاجة تلد المعرفة، والمعرفة بدورها تلد حاجات جديدة، فيستمر الإنسان في رحلة متجددة من السؤال والاكتشاف، وكأن كل إجابة ليست سوى بداية لسؤال آخر.
ويبقى السؤال الأكبر: هل للمعرفة حد تقف عنده؟ أم أن الإنسان كلما اتسعت معارفه أدرك اتساع ما يجهله، فازداد تواضعًا أمام هذا الكون الرحب؟
ولعل الحكمة الحقيقية ليست في أن يعرف الإنسان كل شيء، فهذا مستحيل، وإنما في أن يعرف ما يحتاج إليه، وأن يبقى مستعدًا لتعلّم ما لا يعرفه. فكلما اتسعت دائرة المعرفة، اتسعت معها دائرة المجهول وكثرت الاسئلة ولذلك كانت رحلة الإنسان مع المعرفة رحلة لا تنتهي.
ولعل أعظم ما يميز الإنسان ليس أنه يعرف، بل أنه يدرك دائمًا أن هناك ما يستحق أن يُعرف. ولذلك سيظل السؤال رفيقه، وستظل المعرفة أفقًا كلما اقترب منه ابتعد، لتبقى رحلته في طلب الحقيقة رحلةً لا تنتهي.
فإذا كانت الحاجة هي التي تقود الإنسان إلى المعرفة، فإن المعرفة نفسها تعيد تشكيل حاجاته، وبذلك تستمر مسيرة الإنسان، ومن هنا تستمر الحضارة جيلاً بعد جيل..
osmanyousif1@icloud.com
