المملكة العربية السعودية: (الوعي والمعنى والدور) .. بقلم: الرفيع بشير الشفيع

أثبتت الأيام والأحداث منذ نشأة المملكة العربية السعودية ، بنظامها الملكي الحديث ،  بأن هذا النظام من أكثر الأنظمة وعياً وحكمة ، وإدراكاً سياسيا ودينيا وجغرافيا ودورا عالميا وإسلاميا ، عربيا ، عظيما وحكيما ، وأن الشعب السعودي المتلاحم مع هذا النظام بوعيه الشعبي المتقدم ، كشعب مؤمن وواثق من حكومته ونظامه ، عطاءا ونماءا وإستقرارا وقوة ، وواثق ايضا من دور بلده الريادي والقيادي المحلي والإقليمي والعالمي ، العربي والإسلامي ، لهو أحق الشعوب بمِنة الله عليه بهذا الانسجام والتلاحم الذي أدى لبسط هذه النعم عليه ، نعمة الحكم الراشد المؤثل ، الثابت ، نعمة الأمن والنماء والرخاء  والاستقرار في بلاده ، تلك البلاد الشريفة ، نعمة السمعة والإحترام ، ما وضعها ميزانا وسطا لمثال الحكم الراشد ومنارة من المفترض أن تستهدي بها دول المنطقة حكومات وشعوبا ، مهما إختلفت نظم الحكم فيها وتركيبة شعوبها الفكرية والإثنية ، ونحن في هذه المنطقة جميعا نسبح على ظهر حوت متحرك بهيجاء ربما تودي لعقابيل الفناء في هذه المرحلة .
السعودية : الموازنة الصعبة :-
قُل لي بربك ، لولا تسخير الله لهذه الزمرة الطيبة التي تحكم السعودية ، ولولا إستعانتها بالله ، فكيف يتأتي لبلدٍ مثل السعودية أن توازن وتُحَكّم دور البلاد الذي كان قبلها ، متشابكاً داخليا ، وخارجيا ، بما يتطلب الحكمة في تطبيق الشرع وتوجيه العباد لعبادة الله وتوجيههم أيضاً نحو الحياة وتحدياتها ، من ثقافات متداخلة ومختلفة لإستيعاب تلك الثقافات تطبيقا محليا يحافظ على الهوية والثقافة الدينية المحلية المحافظة جداً ، وبين التشابك الخارجي في مصالح العالم ، وعلاقاته وحِراكه السياسي والأيدولوجي المغاير ، وإستيعاب ذلك أيضاً بما يعطي البلاد حقها في المشاركة العالمية ، والحفاظ على الوجه الداخلي الإسلامي ، في ظل  إنهيارات جغرافية ، وسياسية،  وسيادية ، وذهاب أيدولوجيا وأفكار ودول بكاملها ، قُل لي بربك ، لولا تسخير الله وعون الله ثم الحكمة البالغة والعقول المستنيرة ،لهذه الزمرة ،  من يحكم مثل هكذا بلاد وبهذه المسؤوولية العظيمة ومن يحكم بوصلتها الداخلية والخارجية ،  إنسيابا وسلاسة ماثلة للعيان ؟

السعودية من الداخل ، المهمة الصعبة 
في تطبيقها لنظامها الملكي ، داخليا ، أثبتت الأيام أن النظام الحاكم في السعودية مهما إختلف معه الناس ، من أنه أسري ، وملكي خاص ، ومهما صنفوه ، فقد أثبت أنه أحق الأنظمة بالبقاء وأفضل الأنظمة لقيادة بلاد كانت قبله في نظامها الإجتماعي والسياسي والديني ، في (شبه الجزيرة العربية )، التي يرجع الفضل في رسمها كدولة تحت علم واحد ، وهوية واحدة ، ورسالة واحدة ، يرجع الفضل في ذلك ، لهذا النظام ، حيث كانت هويتها وكينونتها ، تتألف من حبيبات دقيقة مختلفة ومتشتتة من القبائل ، وبقية من شعوب أخرى ،إنصهرت فيها ، وتحتكم لدويلات داخلية ، متناثرة ، تقودها عصبة  ، أو فكر ديني ، أو جهوي ، مختلفة في الفكر ومتمزقة الوحدة ،متفككة الرؤية ، ضئيلة النماء والعطاء ، وكانت لا تمثل دولة بحكم مقياس الدول الحديثة في الأساس  ، وكانت تحتاج لقيادة واعية راسخة ، قوية وعادلة ، متحدة ، محكمة القِياد ، قوية العتاد طويلة العماد ، تعرف كيف توازن بين تلك القبائل المتناثرة ، وتوحد كيانها وتطورها لدولة ، وتنميها وتقدمها للعالم ، كثقل إقتصادي ، وسياسي وقيادي ديني ، مُحكَم وحكيم . 
وأثبتت الأيام أيضاً أن هذا النظام داخلياً ، قد وفقه الله ثم قادته حكمته ووعيه ، بحِراك ومتطلبات الحياة الحديثة من إدارة سياسية ومجتمعية ، وعلاقات دبلوماسية ، أثبتت الأيام أنه قد وازن وقاد البلاد داخليا ، وصهرها إجتماعيا في بوتقة واحدة ، وطبّق فيها أصول الحكم الإسلامي ، في منهجه لمواجهة صروف الحياة ، علماً وتطبيقا صحيحا منضبطا  .(  ، وطبق ذلك في الواقع داخليا ، في إدارته للإعلام وللمال والشرع والثقافة وإدارة المجتمع ، بما يراعي شرع الله وحق الله ومنهج رسوله الكريم ، ولا ينسى نصيبه في الدنيا من رفاه ، ورغد وعيش كريم ، وحقوق مواطنة ، وصرف مواطنه للتعبد الصحيح ، توحيدا وطمأنينة ، وأداءا ، في بيوت لله معمورة بالعابدين الذاكرين الموحدين ، الآمنين ، في أبهى وأزهى حُلة وأقوى أمن وأوفر طمأنينة ، وداخلياً  أدى هذا النظام دوره الاسلامي  على أفضل ما يكون ، ضيافة وإعمارا وحراسة وتوجيها ، وتطبيقا لدور المملكة في خيار الله لها أن يكون دورها هكذا ،  مسخرة ، ومهيئة ، ومكتوب عليها  أن تكون صُرة العالم الإسلامي ، أمكنة وقداسة وحقا إسلاميا مُشاعاً ، ومهيئاً فكريا بوسطية تتيح للجميع أن يمارس حقه ، الشعائري والمعنوي فرضاً وزوادة وأمان ، والكل يشهد لها ، الداني والقاصي ، والعدو قبل الصديق في ذلك . 
العلاقات الخارجية السليمة 
واثبتت الأيام أيضا أن العلاقات الخارجية للملكة مع غير المسلمين ، هي علاقات ترعى ثقافات تلك الدول ، وترعى مصالحها وترعى ، مواثيقها معها ، شراكة ، ومشاركة ، وتحترم قراراتها ، الدولية ، بما يتماشى مع دينها وثقافتها ، وتتماشى وتتفاعل مع الحراك العالمي بما بحفظ توازن العالم ، إقتصاديا ، وسياديا ، في أمنه ورفاهه وحقوقه ، ويراعي أيضا السماحة الإسلامية الراقية ، في تقديم العون الإنساني العظيم والدور الدعوي الإسلامي عطاءا وإعمارا  بوسطية وسماحة لا تفرض على الغير دينها ولكنها تقدمه ، تذكرة بلا سيطرة ، في أفريقيا وفي آسيا وفي دواخل أوروبا وأمريكا ، يداً بيضاء وإسلاما وسطاً وجميلاً راقيا متحضرا ، في مضمونه  ورسالته ، بلا تفريط في الدين ولا فرضه شرطا لقبول الاخر والتعاون والتعامل معه ، كما ينبغي أن يقدم الاسلام للاخرين ، والتعاون عالميا ، في الإنسانيات ، حيث البراح الإنساني العريض والمصالح المشتركة والمحبة والإخاء وإحترام الغير ، بلا صلف ولا تكبر ولا إرهاب .

ثم أن علاقتها الخارجية مع المسلمين ومع أمتها العربية ، تتصف بالعطاء والقبول ، والأخوة والمحبة والتواضع والتوازن .

السعودية ؛ الشعب :
وأثبتت الأيام أيضاً أن الشعب السعودي قد إستوعب سريعا هذه التشابكات وهذه المداخلات وإستوعب سريعا ، أن دولته في نماءها وعطاءها ودورها وتطورها ، هي بلاد (غير)، كما يحلوا لهم وصف الفائق المتفوق ، فهي بلاد غير فعلا ، بقدسيتها ودورها الانساني النبيل وبرخائها وحكمتها واستوعب وهو يدري ، ألا نظام آخر مسدد من عند الله وموفقا في أدائه ، حليما عليهم رؤوفا بهم ، خافضا للجناح موفور الفلاح والصلاح مثل هذا النظام ، فأنكّبوا على نماء بلدهم ، وكافأوا هذا النظام ، تأدبا وإتباعا وطاعة وعون ، وهم يكافئون أنفسهم أيضاً ، واستوعبوا أيضاً الأخطار المحدقة بالعالم حولهم ، وأدركوا معنى آنهم حرما آمنا ،و يتخطفُ الناس من حولهم ،. وأدركوا سبب ذلك وإلتزموا ، فهنيئا للملكة قيادة وشعبا هذا التجانس وهذا الآمن والرخاء والسيرة الحميدة.

وأثبتت الأيام أيضاً اننا شعوبا ،  لا تصلح معها ديمقراطية ، هذه الديمقراطية ، لا نتحملها طبعا ولا نعمل بها ثقافة ولا تشبه معنوياتنا ولا تشبه ديننا ، ولا تشبه تصرفاتنا ، إنها ديمقراطية مفصلة علينا أن نكون موالين فكرا ، وأن تكون سقوف عطاءنا ، وحياتنا وثقافتنا محكومة بالجدال والخروج عن الطوع والطوق ، والاتكال على الاخر ، وتصدير الخير إليه ، وما أسرعنا نحو ذلك.
وأثبتت الأيام أيضا ، أننا شعوبا متفلتة ، كالمهر الجريئ ، لا ترضي ولا تقبل الوحدة في الرؤية ولا في الأداء ، ولا القياد ،  نفقد البوصلة الراشدة في الحكم ، البوصلة المستدامة والحكمة والمرجعية ، أحدنا يبغاها شرقية والآخر غربية والثالث جهوية والرابع طائفية والخامس دينية والسادس علمانية ، نحن نحتاج لضبط في الحكم مثل السعودية حتى يثبت ويحدد واجب المواطن وواجب الداعية وواجب الحاكم وواجب الوالي وواجب الشعب وواجب الدولة نحو الغير ، ونحتاج لتجويد في الحكم وتجويد للرؤية وتجويد في الأداء ، ونحتاج حكاما مسخرين من الله مستعينين بالله ، يتعاملون مع صروف الدنيا علما ومع صروف الآخرة توجيها لله وعدلا ، ونزاهة في الحكم وتوفيرا لحق المواطنة ، كما تفعل السعودية ، حتى نستطيع ان نتخطى هذه المرحلة .
أيها السعوديون أنتم في نعمة تغبطون عليها ، وتحسدون من كثير من الشعوب ، والحفاظ عليها بمثابة الفرض الحياتي ، والديني .
سّدوا الفُرَجْ.
الرفيع بشير الشفيع
بريتوريا جنوب افريقيا 
rafeibashir@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

السودان بين حروب الموارد وأقنعة الهوية -قراءة لكتاب

زهير عثمانzuhair.osman@aol.comقراءة في كتاب د. محمد سليمان محمد على ضوء الحرب الجاريةفي خضمّ الحرب المدمّرة …

اترك تعليقاً