د. صلاح أحمد الحبو
في السودان، قد يغيّر المثقف حزبه، ومنبره، وتحالفاته، بل وحتى قاموسه السياسي، لكنه نادراً ما يغيّر اعتقاده بأنه كان على صواب دائماً. وإذا داهمته الوقائع بما يناقض مواقفه القديمة، لم يتردد في إعادة تفسيرها، حتى يبدو الماضي وكأنه كان ينتظر حكمته المتأخرة. وهكذا تتحول المراجعة الفكرية من فضيلة معرفية إلى حرج شخصي، ويصبح الاعتذار عن الخطأ أشد وطأة من ارتكابه.
ليست هذه مرافعة ضد المثقف السوداني، ولا حكماً على جميع النخب؛ فقد عرفت البلاد مفكرين امتلكوا شجاعة النقد والمراجعة. لكنها مساءلة لظاهرة متكررة في المجال العام: مثقف يطالب المجتمع بالتغيير، بينما يحتفظ لنفسه بحق البقاء خارج التغيير؛ ينتقد السلطة لأنها لا تعترف بأخطائها، لكنه يتعامل مع أفكاره كما لو كانت حقائق نهائية لا تقبل الاستئناف.
المفارقة أن السودان لم يعانِ من ندرة الخطابات الفكرية بقدر ما عانى من ضعف قدرتها على التعلم من نتائجها. فمنذ الاستقلال، تعاقبت مشروعات قومية ويسارية وإسلامية وليبرالية، وارتفعت شعارات العدالة والحرية والوحدة والتنمية، لكن كثيراً من السجالات ظل أسير المفردات القديمة، حتى عندما تغيرت الوقائع التي أنتجتها. وليس المطلوب تحميل الأفكار وحدها مسؤولية الإخفاقات التاريخية، وإنما مساءلة أصحابها عن المسافة بين الوعود والنتائج.
لقد تحول الانتماء الفكري، في بعض تجليات الحياة السودانية، من أداة لفهم الواقع إلى هوية اجتماعية مغلقة. فالمثقف لا يدافع عن أطروحته باعتبارها اجتهاداً قابلاً للنقض، وإنما باعتبارها جزءاً من سيرته ومكانته وعلاقاته. وحين تُنتقد الفكرة، يشعر أن شخصه هو المستهدف؛ وحين تسقط فرضية، يتصرف كأن الاعتراف بسقوطها سيهدم تاريخه كله.
وهنا تتجاوز المشكلة حدود الأفراد إلى الثقافة التي تنتجهم. ففي بيئة تكافئ الثبات على الموقف أكثر مما تكافئ دقة الموقف، يصبح التراجع مرادفاً للضعف، وتتحول المكابرة إلى بطولة. وربما لهذا نسمع كثيراً عبارة «التاريخ أنصفنا»، ونادراً ما نسمع: لقد أخطأنا في قراءة التاريخ.
يقدم إدوارد سعيد معياراً مختلفاً لوظيفة المثقف حين يصفها بأنها تقوم على «حس نقدي يرفض قبول الصيغ السهلة والكليشيهات الجاهزة» [1]. فالمثقف، بهذا المعنى، ليس حارساً لعقيدة فكرية، وإنما عقل يقظ تجاه السلطة، بما فيها سلطة أفكاره السابقة. ولا تكتمل شجاعته بانتقاد خصومه؛ بل تبدأ حين يستطيع توجيه أدوات النقد نفسها إلى المعسكر الذي ينتمي إليه.
وفي السودان، تبدو هذه المسألة أكثر إلحاحاً بعد التجارب السياسية المتعاقبة، وما صاحبها من إخفاقات وانقسامات وحروب. فقد كان من المنتظر أن تنتج التحولات الكبرى مراجعات فكرية تضاهي حجم المآسي، لكن جزءاً من الخطاب العام انشغل بتوزيع المسؤوليات على الآخرين. كل تيار يمتلك روايته الخاصة للكارثة، وكل رواية تمنح أصحابها موقع الضحية أو صاحب البصيرة، بينما يظل الاعتراف بالمساهمة في الخطأ مؤجلاً.
ولا يعني ذلك مساواة المسؤوليات بين الجميع؛ فالسلطة والقدرة على اتخاذ القرار تحددان درجات مختلفة من المساءلة. لكن المثقف لا يُعفى من المسؤولية لمجرد أنه لم يحكم، خصوصاً حين يكون قد برر الاستبداد، أو منح العنف غطاءً أخلاقياً، أو ساهم في صناعة أوهام سياسية ثبتت خطورتها.
وقد جعل كارل بوبر النقد والتصحيح أساساً لتقدم المعرفة، مؤكداً أن الأخطاء في العلم «تُنتقد بصورة منهجية، وكثيراً ما تُصحح» [2]. وإذا كان تقدم المعرفة مشروطاً بالاعتراف بإمكان الخطأ، فكيف يمكن لفكر سياسي واجتماعي أن يتطور بينما يتعامل أصحابه مع المراجعة باعتبارها خيانة لتاريخهم؟
المشكلة ليست في أن يخطئ المثقف؛ فالخطأ جزء من التفكير الإنساني. المشكلة أن يواصل إنتاج اليقين نفسه بعد انكشاف قصوره، وأن يستبدل المراجعة بتغيير المصطلحات، والاعتذار بإلقاء اللوم، والنقد الذاتي بتصفية الحسابات.
وفي كتابه عن الاستجابة لتدهور المؤسسات، يميز ألبرت هيرشمان بين «الخروج» و«الاحتجاج» [3] بوصفهما مسارين للتعامل مع الإخفاق. ويمكن استعارة هذا التمييز لفهم مأزق النخب: فبعض المثقفين يغادرون تنظيماتهم عند الأزمات، لكنهم لا يغادرون أنماط التفكير التي أنتجت الأزمة؛ يغيرون مواقعهم دون أن يغيروا أسئلتهم.
إن السودان لا يحتاج إلى نخبة معصومة من الخطأ، بل إلى نخبة قادرة على الاعتراف به علناً. نحتاج إلى مثقف يقول: أخطأت في التقدير، بالغت في الثقة، تجاهلت الأدلة، أو دافعت عن موقف لم يعد قابلاً للدفاع. فالاعتذار الفكري ليس انكساراً أمام الخصوم، وإنما احترام للمجتمع الذي دفع أحياناً ثمناً باهظاً لأفكار لم يخضع أصحابها للمراجعة.
ولعل أخطر ما أصاب بعض النخب السودانية ليس أنها أخطأت في تفسير الواقع، وإنما أنها احتكرت حق تفسير أخطائها أيضاً. فالأمم لا تتقدم حين يثبت مثقفوها أنهم كانوا دائماً على صواب، بل حين يمتلكون الشجاعة ليقولوا: كنا مخطئين، ولهذا أصبحنا نفكر بطريقة مختلفة.
المراجع
[1] إدوارد سعيد (1994). صور المثقف (Representations of the Intellectual)، محاضرات ريث، دار بانثيون، نيويورك. الاقتباس ترجمة عربية مختصرة من حديثه عن الحس النقدي للمثقف ورفض الصيغ الجاهزة.
[2] كارل بوبر (1963). التخمينات والتفنيدات: نمو المعرفة العلمية (Conjectures and Refutations: The Growth of Scientific Knowledge)، روتليدج وكيغان بول، لندن. الاقتباس مترجم من مناقشته لطبيعة التقدم المعرفي من خلال نقد الأخطاء وتصحيحها.
[3] ألبرت أو. هيرشمان (1970). الخروج والاحتجاج والولاء: استجابات للتدهور في الشركات والمنظمات والدول (Exit, Voice, and Loyalty)، مطبعة جامعة هارفارد. العبارتان ترجمة لمفهومي Exit وVoice، والأخير يشمل الاعتراض ومحاولة الإصلاح من الداخل
