دكتور الوليد آدم مادبو
حين وصل خبر إعلان النوايبة — أكبر عيال رزيق نسباً، وأحد أعمدة كيان الرزيقات التاريخي — انسحابهم من إمرة عيال مادبو، لم أستطع أن أتعامل معه كخبر أهلي عابر. فالواقعة، مهما بدت في ظاهرها شأناً بين بيوتات وقبائل، تضعنا أمام سؤال أكبر من حدودها: من يملك حق معالجة المظلمة العامة: الأهل أم المؤسسة؟
ولعل جوهر المسألة أن النوايبة، فيما يبدو من موقفهم، لا ينظرون إلى الناظر باعتباره صاحب سلطة على الدولة، وإنما باعتباره صاحب مكانة أهلية يستطيع، بحكم موقعه، أن يحمل مظلمتهم إلى الجهات الرسمية وأن يدفع بها إلى الأمام. فإذا اعتقدوا أنه تباطأ في ذلك أو عجز عنه، فإنهم لا يكونون، في حقيقة الأمر، قد اكتشفوا عجز الناظر وحده؛ وإنما كشفوا عن التباس أعمق في طبيعة العلاقة بين الإدارة الأهلية والدولة الحديثة: ماذا نفعل حين تكون المشكلة سياسية، بينما الأداة التي نملكها لمعالجتها أهلية؟
وهنا ينبغي أن نكون أكثر إنصافاً للنوايبة وللناظر معاً. فالنوايبة لا يُلامون على لجوئهم إلى الإطار الذي يعرفونه حين يشعرون أن الطريق الرسمي لم يستجب لمظلمتهم، كما لا ينبغي تحميل الناظر مسؤولية سياسية لا يملك أدواتها المؤسسية. فرفع المظلمة إلى الدولة شيء، وامتلاك سلطة إلزام الدولة بالاستجابة شيء آخر. الأول يمكن أن يكون من مقتضيات المكانة الاجتماعية، أما الثاني فلا يكون إلا من اختصاص المؤسسة والقانون.
وهذا هو موضع الخلل الحقيقي: النظام السياسي نفسه لم يحسم العلاقة بين الشرعية الأهلية والسلطة المؤسسية، فترك كلاً منهما يؤدي أحياناً وظيفة الآخر. وحين تتعطل القنوات الرسمية أو تفقد ثقة الناس، لا يخترعون بديلاً من العدم؛ وإنما يعودون إلى البنية الاجتماعية التي ظلت قائمة تحت سطح الدولة.
في الدولة الحديثة، يفترض أن يكون المواطن قادراً على رفع مظلمته إلى المؤسسة، وأن يجد فيها آلية واضحة للشكوى والمراجعة والمساءلة. لكن حين لا تكون هذه الآليات فعالة أو مقنعة، يصبح من الطبيعي أن يستعين الناس بمكانتهم الاجتماعية وشيوخهم وعمدهم ونظارهم للضغط من أجل الوصول إلى الدولة. وهنا لا تكون القبيلة قد اختارت أن تنافس الدولة؛ بل تكون الدولة قد تركت فراغاً لجأت الجماعة إلى ملئه بما هو متاح لها.
ومن هنا ينبغي أن نفهم الإدارة الأهلية في سياقها الصحيح. فالقبيلة في أصلها الاجتماعي ليست جهازاً إدارياً للدولة، كما أن الدولة ليست قبيلة كبيرة. لكل منهما منطقه ومصدر شرعيته ووظيفته. الإدارة الأهلية تستمد قوتها من العرف والموروث والنسب والقبول الاجتماعي، بينما تستمد الإدارة الحديثة شرعيتها من القانون والاختصاص والتفويض والمساءلة. ويمكن للنظامين أن يتجاورا ويتعاونا، لكن المشكلة تبدأ حين لا نعرف أين ينتهي اختصاص أحدهما وأين يبدأ اختصاص الآخر.
فإذا كان الأمر متعلقاً بموقع داخل الإدارة الأهلية، فمن الطبيعي أن يكون للأهل والعرف والقبول الاجتماعي وزنهم. أما إذا كان الأمر متعلقاً بمظلمة سياسية أو بقرار إداري أو بحق من حقوق المواطنة، فإن المرجع النهائي ينبغي أن يكون الدولة ومؤسساتها. يستطيع الناظر أن يحمل صوت جماعته، وأن يسعى في قضاء حاجتها، وأن يكون وسيطاً اجتماعياً بينها وبين السلطة؛ لكنه لا يستطيع أن يحل محل السلطة، ولا أن يجعل الإمرة الأهلية بديلاً عن المؤسسات العامة.
وهنا بالضبط تكمن المفارقة التي كشفتها واقعة النوايبة: الجماعة تستخدم القبيلة لمعالجة مشكلة سياسية، والناظر يُطلب منه أن يقوم بدور الوسيط في مسألة تتجاوز اختصاصه، بينما الدولة التي ينبغي أن تكون مقصد المظلمة تظل بعيدة عن المشهد. فإذا لم تنجح هذه الوساطة، انتقل الاحتجاج من المجال السياسي إلى المجال الأهلي، وكأن الخلاف مع الدولة أصبح خلافاً على الإمرة.
وهذا الالتباس ليس وليد هذه الواقعة. فقد ترك النظام السياسي السوداني، لعقود، الإدارة الأهلية والإدارة الحديثة تسيران في خطين متوازيين، ثم جمع بينهما كلما احتاج إلى تسوية اجتماعية أو سياسية. ومع الزمن، لم تعد بعض المناصب العامة تُفهم باعتبارها وظائف لها اختصاصات محددة، بل صارت تُحمّل أحياناً وظيفة إضافية: تمثيل جماعة، وطمأنة بيت، وتحقيق توازن اجتماعي. وهكذا تسلل المنطق الأهلي إلى المجال الإداري، لا لأن القبيلة فرضته على الدولة، وإنما لأن الدولة نفسها استخدمته حين رأت فيه حلاً سريعاً لمشكلاتها.
ومن هنا يصبح ماكس فيبر مفيداً لفهم هذه المعضلة. فالسلطة التقليدية تقوم على العرف والمكانة والعلاقات الموروثة، بينما تقوم السلطة العقلانية ـ القانونية على الوظيفة والقواعد والمؤسسة. لكن إنشاء المحلية أو الولاية أو الوزارة لا يكفي وحده للانتقال من نظام إلى آخر؛ إذ يمكن أن تتغير الهياكل بينما تظل العلاقات الشخصية والانتماءات الاجتماعية هي التي تحدد طريقة عمل المؤسسة. ننشئ الوظيفة، ثم نترك الشخص يحمل إليها منطق الجماعة؛ وننشئ المؤسسة، ثم نطلب منها أن تعمل بأدوات ما قبل المؤسسة.
وهذا ما جعل الدولة، بدلاً من أن تكون المرجع النهائي للمظالم العامة، تبدو أحياناً كطرف بعيد لا يصل إليه الناس إلا عبر وسيط أهلي. وحين يحدث ذلك، يصبح الناظر مضطراً إلى حمل مطالب تتجاوز قدرته، وتصبح الجماعة مطالبة بأن تضغط من خلال موقعها الأهلي للحصول على استجابة سياسية، ثم يتحول الفشل في الوصول إلى الدولة إلى خلاف داخل الإدارة الأهلية نفسها.
وهنا ينبغي أن نضع اللوم حيث ينبغي أن يكون: ليس على النوايبة لأنهم تمسكوا بمكانتهم الأهلية، ولا على الناظر لأنه لم يستطع أن يفعل ما ليس في يده؛ وإنما على النظام الذي لم يضع حداً واضحاً بين الوساطة الاجتماعية والاختصاص السياسي.
فالناظر يستطيع أن يقول للدولة: هذه مظلمة جماعتنا، وهذه مطالبها، وهذا ما نرجو أن تنظروا فيه. لكنه لا يستطيع أن يضمن النتيجة، ولا أن يصدر القرار، ولا أن يلزم مؤسسة الدولة بما يراه هو أو تراه جماعته. فإذا أصبحت مكانته الأهلية هي الطريق الوحيد لإيصال المظلمة، فإن المشكلة لم تعد في الإدارة الأهلية، وإنما في ضعف القنوات المؤسسية التي يفترض أن تجعل المواطن قادراً على مخاطبة الدولة مباشرة.
ومن هنا تأتي ضرورة التمييز بين الأهل والاختصاص. الأهل يمنحون الشرعية الاجتماعية، لكن الاختصاص تحدده المؤسسة. ويمكن للناظر أن يكون جسراً بين جماعته والدولة، لكن لا يجوز أن يصبح الجسر بديلاً عن الطريق. كما يمكن للدولة أن تستفيد من الإدارة الأهلية في حفظ السلم الاجتماعي وحل النزاعات المحلية، لكن لا يجوز أن تجعلها قناة إلزامية لممارسة الحقوق السياسية والإدارية.
المشكلة أن هذا الخلط ينتج دائرة مغلقة. الدولة لا تقوم بوظيفتها كاملة، فيلجأ المواطن إلى أهله؛ والأهل يرفعون المظلمة عبر زعيمهم، فيُحمَّل الزعيم مسؤولية لا يملك أدواتها؛ ثم إذا لم تتحقق المطالب، انتقلت الأزمة إلى داخل البنية الأهلية نفسها. وهكذا تُحمّل الإدارة الأهلية كلفة عجز المؤسسة، بينما تظل المؤسسة بمنأى عن المساءلة الحقيقية.
ولذلك فإن تقوية الدولة لا تعني محاربة القبيلة، كما أن احترام الإدارة الأهلية لا يعني منحها اختصاصات الدولة. القبيلة يمكن أن تظل وعاءً اجتماعياً وثقافياً وتضامنياً، والناظر يمكن أن يظل مرجعاً أهلياً له مكانته واحترامه. لكن المواطن، في الدولة الحديثة، ينبغي ألا يحتاج إلى هذه المكانة لكي تُسمع مظلمته. يكفيه أن يكون مواطناً.
حين يجد قضاءً يسمع شكواه، وإدارةً تستجيب لطلبه، وآليةً واضحة للتظلم، ومسؤولاً يمكن مساءلته، تتغير وظيفة الناظر تلقائياً. لا يعود مضطراً إلى أن يكون محامياً دائماً عن حقوق جماعته أمام الدولة، ولا تعود الجماعة مضطرة إلى تحويل كل مظلمة سياسية إلى مسألة أهلية.
وهنا لا ينبغي أن نقرأ موقف النوايبة بوصفه معركة بين بيتين، ولا بوصفه نزاعاً على من يملك الشرعية الاجتماعية. الأهم أنه كشف، من حيث لا يقصد، خللاً في بنية السلطة نفسها: حين تكون المظلمة سياسية، لكن طريق الوصول إليها أهلي؛ وحين يُطلب من الناظر أن يؤدي دوراً في مجال لا يملك فيه اختصاصاً؛ وحين تعجز الدولة عن أن تكون المرجع المباشر الذي يذهب إليه الناس، فإن الحدود بين النظام القديم والنظام الحديث تصبح حدوداً ضبابية.
وهذا هو السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحاً: هل نريد من الإدارة الأهلية أن تكون شريكاً اجتماعياً للدولة، أم أن نجعلها بديلاً عنها حين تعجز الدولة؟ وهل نريد من الناظر أن يكون ممثلاً اجتماعياً لجماعته، أم أن نحمله مسؤولية إصلاح اختلالات سياسية وإدارية لا يملك أدوات إصلاحها؟
إذا كان الأمر أهلياً، فليُحترم منطق الأهل وعرفهم. وإذا كان الأمر سياسياً أو إدارياً، فلتكن المؤسسة هي المرجع. أما أن نستخدم الأهل للوصول إلى الدولة، ثم نحاسب الأهل على أن الدولة لم تستجب، فذلك هو الخلط الذي ينبغي أن نتجاوزه.
النوايبة، في هذه القراءة، ليسوا المشكلة. والناظر ليس المشكلة. المشكلة في نظام لم يحسم بعد: متى تكون القبيلة إطاراً اجتماعياً، ومتى تكون الدولة مرجعاً سياسياً؟
وحين لا تحسم الدولة هذا السؤال، سيظل المجتمع يتنقل بين النظامين بحسب حاجته: يلجأ إلى الدولة حين يجدها قادرة، ويعود إلى الأهل حين لا يجد فيها ما يكفيه. وعندها لا تكون القبيلة قد انتزعت اختصاص الدولة؛ بل تكون الدولة قد تركت اختصاصاً شاغراً، فوجد المجتمع نفسه مضطراً إلى شغله بما يملك من أدوات.
وهنا تكمن المسألة كلها: الدولة الحديثة لا تُبنى بإلغاء الأهل، وإنما بتحرير الأهل من الاضطرار إلى القيام بوظائف الدولة.
