النَخَبُ السُودانِيَّةُ المَصْلُوبَةُ عَلَى جِدارِ الثَرْثَرَةِ 2/2

المُبْتَدَأُ: –
السُودانِ يَسْتَحِقُّ نَخَباً تَعْمَلُ مِنْ أَجْلِهِ، لا نَخَباً تُصْلِبُ نَفْسَها عَلَى جِدارِ الثَرْثَرَةِ
وَالخَبَرُ: –
(11)
ذكرنا في نهاية الجزء الأول من المقال أن النخب السياسية التي قادت عملية إسقاط النظام القديم سرعان ما تحولت إلى تيارات متصارعة، كل منها يدعي امتلاك الحقيقة المطلقة. النخب الماثلة في المشهد السياسي السوداني اليوم؛ مصابة بحالة بئيسة من الفصام والانفصال عن الواقع المعيشي للجماهير؛ التي تعاني انهيار الخدمات الأساسية؛ وتكابد أزمات حقيقية في كافة مناحي الحياة، بينما (نخب الثرثرة) منشغلة بصراعاتها الفطيرة؛ ونقاشاتها النظرية؛ التي لا تلامس هموم الناس ولا قضاياهم الأساسية.
(12)
وتظل تلكم النخب مصلوبة على مذبح الكلام؛ تراوح مكانها؛ تدبج الخطب والشعارات الرنانة التي لا تطعم جائعاً ولا تشفي مريضاً؛ في غياب تام للرواء الاستراتيجية الملهمة؛ الشيء الذي يفضح حقيقة عجز الكثير منها؛ وافتقارها إلى برامج فاعلة وواقعية قابلة للتنفيذ؛ تستطيع من خلالها إحداث اختراق حقيقي في واقع البؤس والفقر المطبق على رقاب المواطنين.
(13)
لقد كان المنتظر أن تنهض النخب السودانية بأعباء مرحلة ما بعد سقوط نظام الحركة الإسلامية البغيض؛ وتسرع إلى تقديم خطط واقعية لإدارة المرحلة الانتقالية؛ وإصلاح مؤسسات الدولة التي عاثت فيها الحركة الإسلامية فسادا وتدميرا طوال ثلاثة عقود؛ ولكن بدلا من ذلك تحولت المنابر الحزبية إلى ساحات للثرثرة الفارغة والاتهامات المتبادلة.
(14)
وتحولت الخلافات السياسية إلى خصومات شخصية، وغدا الهدف ليس انتشال الدولة من تحت ركام العهد القديم؛ ومعالجة أزمات المواطن ولا حتى إسقاط كامل بنية نظام الاستبداد القديم؛ بل غدا الهدف للأسف استبعاد الحليف السياسي وإقصاؤه بدلا من تقديم البديل الأفضل.
(15)
لقد ظهر الأثر السالب لحكم الحركة الإسلامية -الذي تجاوز الثلاثة عقود- جليا على البنية الفكرية للنخبة السودانية؛ وكان حصاد مشروعها الحضاري الذي سيس الهوية الدينية وهتك النسيج الاجتماعي مروعا؛ إذ حول العقيدة الإسلامية السماحة إلى أداة قمع وإقصاء سياسي واقتصادي واجتماعي مما أدى إلى استقطاب حاد بين النخب السياسية والفكرية والأدبية.
(16)
وُظِّف الخطاب الديني لشرعنة السلطة واستبعاد الآخرين؛ وقمع حريات النخب المعارضة وتضييق مساحة مشاركاتهم الفاعلة؛ ونتج عن ذلك حدوث انقسامات عميقة بين النخب العلمانية والإسلامية، مما أضعف الحوار الوطني وأدى إلى تهميش أصوات متنوعة وقاد إلى تضييق مساحة الفكر النقدي والتعددية الفكرية؛ مما أدى إلى سيطرة رؤية أحادية على مؤسسات الدولة، الشيء الذي حدّ من حرية النقاش والحوار وفرض مناخ غير صحي يتجاهل التنوع الفكري والثقافي والعقدي للمجتمع السوداني الهجين.
(17)
اِتَّبَعْ نظام الحركة الإسلامية سياسات قمعية قاسية ضد النخب السياسية والأكاديمية والإعلامية، مما دفع الكثيرين إلى تجنب العمل المباشر (الفعل) واللجوء إلى الحديث النقدي في المساحات المغلقة (الثرثرة) وفي ظل أجواء الكبت والرؤية الأحادية هذه أُضْعِفَت المؤسسات الأكاديمية والبحثية عبر توظيفها لخدمة الأجندة الأيديولوجية، مما أثر في إنتاج المعرفة الموضوعية وأدى إلى تآكل مؤسسات الدولة المستقلة (مثل الاتحادات والجمعيات والنقابات) وحلّت محلها هياكل فارغة وغير فاعلة لولاءات حزبية، مما قلّل من فرص النخب للإسهام الفعلي في التنمية أو صنع القرار.
(18)
أخطر مساوي مشروع الحركة الإسلامية (الحضاري) تجلى في انتشار الفساد والمحسوبية حيث تحوّلت الدولة إلى نظام محاصصة قائم على الولاء للحزب بدلاً عن الكفاءة، مما أغرى البعض بالانخراط في خطاب نقدي دون فعل حقيقي لتغيير الواقع ومع إصرار الحركة الإسلامية على المضي في تنفيذ مشروعها الذي بان عواره ظهرت نخباً منغلقة أيديولوجياً – يمينا ويسارا -تفتقر إلى المرونة الفكرية والقدرة على التعامل مع التعقيدات الاجتماعية والاقتصادية أو تقديم حلول واقعية لأزمات السودان المستفحلة.
(19)
واليوم وبعد زوال كابوس نظام الحركة الإسلامية لا تزال تداعيات تلك الفترة الموغلة في الوحشية حاضرة في ذاكرة النخب غير الإسلامية التي باتت ترفض أي دور للدين في الحياة العامة؛ فمشروع الحركة الإسلامية، كما طُبق في السودان، لم يُسهم في بناء إجماع وطني، بل عمّق الانقسامات وأضعف القدرة على تطوير خطاب سياسي شامل؛ وتُعتبر عملية تحرير النخب من هذه الفخ أحد شروط الانتقال المدني الديمقراطي.
(20)
تضاد النخب وانقسامها العميق يمينا ويسارا يعيق عملية بناء أي توافقات وطنية. فالنخب السودانية ما زالت تعاني إرث المشروع (الحضاري)، الذي صاغ خلال ثلاثة عقود من الرؤية الأحادية البئيسة مفاهيم عجيبة تتناقض والموروث القيمي للشعب السوداني. وكان نتاج هذا العبث تهتك النسيج الاجتماعي وعودة النعرات القبلية والعنصرية والتفريط في وحدة وسيادة التراب الوطني وحدوث ردة حضارية معيبة ومزرية.
(21)
وكي لا نكون من الذين ينهون عن خلق ويأتوا بمثله؛ ونبتعد بالنفس ولو قيد أنملة من وحل الثرثرة؛ كان لزاما علينا في خاتمة هذا المقال طرح رؤية مبسطة لكيفية خروج النخبة السودانية من وحل الثرثرة غير المنتجة؛ والتحول نحو الفاعلية التي تمكنها من استنهاض الوطن من كبوته الحالية.
(22)
ووفق تصوري أن لا سبيل لإدراك هذا الهدف إلا بالتخلي عن النزعات الفردية؛ والانقسامات الأيديولوجية؛ والتركيز على القواسم المشتركة؛ مما يفتح المجال واسعا أمام الانخراط الجاد في العمل المؤسسي عوضا عن المبادرات الشعبوية؛ مع ضرورة الاستماع إلى الشارع وعدم الانفصال عن همومه اليومية؛ وتبني برامج واقعية تعالج أزمات البلاد كافة الاقتصادية والاجتماعية والأمنية قبل الخوض في وحل الصراعات السياسية المجردة.
(23)
النخب السودانية عامة والنخبة الثورية على وجه الخصوص، مثلها مثل غيرها من نخب المنطقة، تقف اليوم أمام مفترق طرق: إما أن تنتفض وتتحرر من قيد معارك طواحين الهواء؛ وتعيد ترتيب أولوياتها، أو تستمر في الثرثرة والتناحر؛ حتى تدفن أحلام التغيير في مقابر الخلافات العقيمة. الشعب السوداني لم يعد يحتمل المزيد من الخذلان، والوقت ليس في صالح من يضيعونه في معارك وهمية؛ فالسودان يستحق نخبًا تعمل من أجله، لا نخبًا تُصلب نفسها على جدار الثرثرة.
اِنْتَهَى
تيسير حسن إدريس

13/05/2025م

tai2008idris@gmail.com

عن تيسير حسن إدريس

شاهد أيضاً

الحَرْبُ مُنْعَطَفٌ تِكْتِيكِيٌّ أَمْ مُطَبٌّ دْيالِكْتِيكِيٌّ (5)

المُبْتَدَأُ: – الحَرْبُ ظاهِرَةٌ اِجْتِماعِيَّةٌ وَاِقْتِصادِيَّةٌ مُعَقَّدَةٌ؛ يَصْعُبُ فَهْمُها؛ لِذا فَهُناكَ دَوْماً ضَرُورَةٌ لِتَفْسِيرِها لِلجَماهِيرِ؛ …