المقدمة: حين كانت «عدم الانحياز» درعاً
في السبعينيات، لم تكن حركة عدم الانحياز مجرد منتدى دبلوماسي؛ كانت ملاذاً لأمم خرجت للتو من ربقة الاستعمار، تبحث عن مساحة آمنة بين فكي كتلة واشنطن وكتلة موسكو. تحت مظلة مؤسسيها الخمسة — نهرو وتيتو وناصر وسوكارنو ونكروما — استطاعت دول آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية أن ترفع صوتها دون أن تكون تابعة لأي من القطبين المتصارعين. كانت الحركة آنذاك تمثل أكبر كتلة تفاوضية داخل الأمم المتحدة، وقدمت بديلاً أخلاقياً للانحياز القسري.
زلزال التسعينيات: حين سقطت الكتلة الواحدة
مع انهيار جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفييتي، واجهت الحركة سؤالاً وجودياً: إذا كان عدم الانحياز نتاج الحرب الباردة، فما جدواه بعد انتهائها؟ وقد عبرت هذه الشكوك عن نفسها في قمة جاكرتا 1992، حيث اضطرت الحركة إلى إعادة تعريف نفسها للعصر الجديد. لكن التحديات لم تكن نظرية فحسب؛ فقد شهدت التسعينيات تصاعداً في النزاعات داخل الدول — من الكونغو إلى البلقان — وصعوداً لنظام عالمي أحادي القطبية لم يكن «الملاذ» مفيداً في مواجهته.
العقد الأول من الألفية: الحرب على الإرهاب والانحياز القسري الجديد
جاءت هجمات 11 سبتمبر 2001 لتفرض قسماً جديداً من العالم: «إما معنا أو مع الإرهابيين». في هذا السياق، وجدت دول عدم الانحياز نفسها مجبرة على الاختيار مرة أخرى، هذه المرة بين واشنطن و«الإرهاب». وقد بلغ الأمر بريتشارد هولبروك، الممثل الأمريكي السابق في الأمم المتحدة، أن دعا علناً الدول الأفريقية إلى الانفصال عن الحركة، قائلاً: «حركة عدم الانحياز ليست صديق أفريقيا في هذه اللحظة».
في هذه الفترة، بدأت تظهر شروخ داخلية. فقد تباينت مواقف الأعضاء حول قضايا حقوق الإنسان ونشر الأسلحة النووية والإرهاب، حتى أن الحركة فشلت في بلورة موقف موحد حول هذه الملفات. وقد تضاعف الانتقاد حين انضمت مالطا وقبرص إلى الاتحاد الأوروبي عام 2004، في إشارة رمزية إلى أن «عدم الانحياز» قد يكون مجرد محطة انتقالية نحو «الانحياز» الحقيقي.
الهند: من راية الحركة إلى «التحالفات القائمة على المصلحة»
تمثل الهند نموذجاً لتحولات عصر ما بعد الحرب الباردة. فقد تغيب رئيس وزرائها ناريندرا مودي عن قمة الحركة في فنزويلا عام 2016 — وهو أول رئيس وزراء هندي يتغيب عن قمة الحركة — في إشارة إلى إعادة ترتيب الأولويات. وقد انضمت الهند إلى حوار الأمن الرباعي (Quad) مع الولايات المتحدة واليابان وأستراليا، وهو تحالف أمني يتناقض صراحةً مع مبدأ الحركة الرافض للأحلاف العسكرية.
لكن التناقض هنا ليس انتهاءً لروح الحركة، بل تحولاً في أدواتها. فالهند التي تسعى لعالم متعدد الأقطاب — وهو هدف قريب من مبادئ الحركة — تستخدم الآن «تحالفات قائمة على المصلحة» بدلاً من الانحياز المطلق. وهو ما يعكس إدراكاً بأن الذئاب لم تعد قطبين فقط، بل أصبحت متعددة الأشكال والألوان.
التعددية القطبية: ذئاب جديدة، وملاذ قديم
اليوم، يتغير النظام العالمي من جديد. الصين تتصاعد كقوة عظمى، وروسيا تعيد تموضعها، والهند والبرازيل وإندونيسيا ونيجيريا وجنوب أفريقيا تطالب بمقاعد على طاولة الكبار. في هذا السياق، يبدو مبدأ عدم الانحياز — الرفض القاطع للهيمنة الأحادية — أكثر صلةً بالواقع من أي وقت مضى.
لكن السؤال المطروح: هل يمكن للحركة أن تكون ملاذاً في عالم متعدد الأقطاب، كما كانت في عالم ثنائي القطبية؟
الإجابة المعقدة هي: الملاذ لم يعد كافياً. ففي السبعينيات، كان عدم الانحياز يعني الابتعاد عن فكي قطبين. أما اليوم، فالتحدي ليس الابتعاد عن القطبية، بل التفاوض مع تعددها. الدول النامية لا تبحث الآن عن «حياد» يحميها من الاختيار، بل عن رافعة تمنحها نفوذاً في نظام يتشكل من جديد.
إعادة الاختراع: من «عدم الانحياز» إلى «الجنوب العالمي»
في السنوات الأخيرة، حاولت الحركة إعادة صياغة نفسها كمنتدى للتعاون الجنوب-الجنوب، ومنصة للدول النامية في مفاوضات منظمة التجارة العالمية، وصوتاً في إصلاح مجلس الأمن الدولي. وقد أظهرت جائحة كوفيد-19 قدرة الحركة على التحرك السريع حين أنشأت «فريق عمل» للتصدي للجائحة في مايو 2020.
لكن التحديات البنيوية تبقى:
- الانقسام الداخلي: تباين المصالح بين الأعضاء — من السعودية إلى فنزويلا، ومن مصر إلى كوبا — يجعل التوحد صعباً.
- غياب القيادة: لا تزال الحركة تعتمد على دورة رئاسية جغرافية، لكن الأعضاء الأقوى (الهند، إندونيسيا، البرازيل) يفضلون منصات أخرى مثل مجموعة العشرين أو بريكس.
- غياب المخرجات: الحركة تنتج بيانات طويلة، لكنها نادراً ما تترجم إلى سياسات ملموسة.
الخلاصة: هل نحن أمام هروب من الذئاب، أم أمام ذئاب جديدة؟
العنوان «الهروب من الذئاب» يحمل في طياته إشكالية عميقة: في السبعينيات، كانت «الذئاب» واضحة المعالم — الكتلة الغربية والكتلة الشرقية. أما اليوم، فالذئاب تتكاثر: هيمنة اقتصادية، وعقوبات أحادية، وتغير مناخي، وإرهاب عابر للحدود، ونزاعات إقليمية. وفي عالم متعدد الأقطاب، لم يعد هناك «ملاذ» واحد يحمي الدول من كل هذه التهديدات.
حركة عدم الانحياز لم تمت، لكنها تحتاج إلى إعادة ولادة. فالدول التي كانت تبحث عن حياد آمن في السبعينيات، تبحث اليوم عن نفوذ فعال في نظام عالمي يتشكل. والسؤال ليس إن كانت الحركة ستبقى، بل إن كانت ستبقى حركة، أم ستتحول إلى ذكرى من حقبة ولى زمانها.
في النهاية، قد يكون «الهروب من الذئاب» ممكناً فقط إذا تحولت الحركة من «ملاذ» سلبي إلى «رافعة» إيجابية رافعة تمنح أعضاءها القدرة على التفاوض مع الذئاب، لا الهروب منها.
د.عوض النقر بابكر محمد
السعودية- الرياض-966537626864
