باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الأحد, 20 سبتمبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
معاوية ماجد
معاوية ماجد عرض كل المقالات

الوطن الذي يجلس بين المختلفين

اخر تحديث: 20 سبتمبر, 2026 9:45 مساءً
شارك

ربما لا يحتاج المرء إلى كثير من الخيال ليتصور تلك اللحظة التي تسبق بدء الحوار، حين تصل الوفود تباعًا، ويتبادل القادمون التحية، وتوضع الأوراق أمام أصحابها، وتستقر الأجساد في مقاعد اختيرت لها بعناية، بينما تظل في داخل كل واحد منهم أشياء كثيرة لم تجد بعد مكانًا على الطاولة؛ ذاكرة مدينة خرج منها، وقرية تركها خلفه، ورفاق فقدهم في طريق طويل، وموقف سياسي دفع ثمنًا له، أو مظلمة ظل يحملها سنوات، أو خوف لم يجد له اسمًا واضحًا، وربما صورة خاصة للسودان يعتقد، بحكم ما عاشه ورآه، أنها أقرب إلى الحقيقة من الصور الأخرى التي يحملها الجالسون في الجهة المقابلة.

وفي مثل هذه اللحظة قد تبدو الطاولة مكتملة، لأن المقاعد مشغولة والأسماء معروفة والكلمات الأولى جاهزة، لكن شيئًا واحدًا يظل غائبًا رغم أنه المفترض أن يكون أكثر الحاضرين: الوطن نفسه، لا باعتباره اسمًا يتكرر في الكلمات الافتتاحية، ولا باعتباره علمًا معلقًا في مكان قريب، وإنما باعتباره المعنى الذي ينبغي أن يجعل كل هؤلاء المختلفين قادرين على الجلوس معًا من غير أن يتحول اختلافهم إلى سؤال عن من يستحق السودان ومن لا يستحقه.

ومن هنا يبدأ السؤال الذي أراه أعمق من كثير من الأسئلة التي يمكن أن توضع على مائدة الحوار السوداني السوداني: ماذا يثبت الحوار بمرجعية الانتماء للوطن؟

قد تبدو الإجابة جاهزة، لأن السودانيين الذين يجلسون إلى بعضهم ينتمون إلى وطن واحد، ولأن السودان هو القضية التي جاءوا من أجلها، غير أن الاتفاق على العبارة لا يعني بالضرورة الاتفاق على ما تستلزمه؛ فالإنسان يستطيع أن يحب وطنه بصدق، ثم يختلف اختلافًا عميقًا مع غيره في معنى مصلحته، وقد يعتقد كل واحد منهما أن موقفه هو الذي يحمي السودان من الخطر، حتى يصبح الدفاع عن الوطن، من حيث لا يشعران، وسيلة لإقصاء الوطن الآخر الذي يسكن في وعي خصمه.

وهنا تكمن واحدة من أعقد مسائل الحوار، لأن الانتماء إلى الوطن لا يثبت أن رؤيتي هي رؤية الوطن، كما أن صدق شعوري تجاه بلدي لا يمنحني حق احتكار تعريف مصلحته، ولذلك فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: من ينتمي إلى السودان؟ وإنما كيف يتصرف من ينتمي إليه عندما يكتشف أن السودان الذي يحمله في داخله ليس هو السودان كله؟

فكما أن الإيمان بأن الحكم لله لا يكفي وحده لإثبات كل حكم ينسبه الإنسان إلى الله، لأن المسافة بين المرجعية وبين فهم الإنسان لها تحتاج إلى دليل واجتهاد وتعيين للمحل وحدود للتطبيق، فإن الإيمان بأن السودان وطن الجميع لا يكفي وحده لإثبات أن كل موقف يرفع اسم الوطن يمثل بالضرورة مصلحة الوطن، ولا أن كل من تحدث باسمه امتلك وحده حق تعريفه، ولا أن كل تسوية تتم تحت عنوان المصلحة الوطنية تصبح عادلة لمجرد أنها حملت هذا الاسم.

والفارق هنا بالغ الأهمية، لأننا إذا لم نميز بين الوطن بوصفه مرجعية مشتركة وبين التصور البشري لمصلحة الوطن، فإننا نكون قد نقلنا خلافنا من مجال السياسة إلى مجال المقدس، فيصبح من يعترض على رأيي كأنه يعترض على السودان نفسه، ويصبح التنازل عن موقفي تنازلًا عن الوطن، ويصبح قبول الآخر تهديدًا لما أراه أنا جوهر الدولة.

وليس في هذا مجرد خلل لغوي، لأن الحروب الطويلة كثيرًا ما تبدأ من اللحظة التي يعجز فيها المختلفون عن الفصل بين القضية التي يدافعون عنها وبين أنفسهم، فيصبح نقد الفكرة نقدًا لصاحبها، ونقد الجماعة عداء لها، وعداء الجماعة عداء للمنطقة التي جاءت منها، ثم يصبح الاختلاف مع المنطقة اختلافًا مع الوطن، حتى لا يبقى في النهاية وطن يتسع للاختلاف، وإنما روايات متنافسة يدعي كل منها أنه السودان الذي ينبغي أن ينتصر.

والحرب التي عاشها السودانيون جعلت هذا الأمر أكثر تعقيدًا، لأنها لم تترك المجتمع في نقطة واحدة من الذاكرة، وإنما دفعت كل جماعة وكل فرد إلى حمل زمنه الخاص معه؛ فمن عاش القصف ليس كمن سمع عنه، ومن فقد بيته ليس كمن ظل بيته قائمًا، ومن خرج نازحًا من دارفور أو الجزيرة أو الخرطوم أو كردفان لا يحمل صورة المكان بالطريقة نفسها التي يحملها من بقي فيه، ومن عاش سنوات من التهميش لا يستطيع أن يتحدث عن الدولة باللغة نفسها التي يتحدث بها من كانت الدولة حاضرة في حياته، ومن فقد عزيزًا في هذه الحرب لا يستطيع أن يسمع بعض الكلمات السياسية من دون أن تمر أولًا عبر ذاكرة الفقد.

ولهذا فإن الحوار الذي يأتي بعد الحرب لا يجمع فقط مشاريع سياسية متعارضة، وإنما يجمع ذاكرات وطنية متعارضة، وهذه الذاكرات لا يمكن أن تذوب في عبارة عامة عن المصالحة أو الوحدة، لأن كل ذاكرة تحمل سؤالًا عن العدالة والاعتراف والمسؤولية والمستقبل، وبعضها يريد أن يعرف أولًا هل ما عاشه الآخرون من أذى قد أصبح مرئيًا، قبل أن يطلب منه أن يجلس معهم ليتحدث عن السودان الذي سيأتي.

وهنا لا ينبغي أن نخشى من حضور هذه الجراح إلى الحوار، بل ينبغي أن نخشى من حضورها من دون لغة تستطيع تحويلها من وقود للصراع إلى معرفة بالمشكلة؛ فالعدالة لا تعني أن نغلق الباب أمام المستقبل، كما أن المصالحة لا تعني أن نغلق ملف الماضي، والمساءلة لا ينبغي أن تتحول إلى انتقام، والسلام لا ينبغي أن يصبح مجرد اتفاق بين الذين استطاعوا الوصول إلى الطاولة بينما يظل المجتمع الذي دفع الثمن خارجها.

ولهذا فإن الانتماء إلى الوطن، إذا أخذناه بجدية، لا ينبغي أن يكون مجرد شرط للدخول إلى قاعة الحوار، وإنما ينبغي أن يتحول إلى قاعدة تضبط طريقة الجلوس والكلام والاختلاف، بحيث يأتي كل طرف حاملًا تجربته كاملة، لكنه لا يأتي حاملًا معها ادعاء امتلاك السودان كله؛ فالذي يحمل قضية دارفور لا ينبغي أن يطلب من الآخرين إنكار قضاياهم، والذي يدافع عن وحدة الدولة لا ينبغي أن يطلب من الآخرين الصمت عن المظالم التي جعلت الدولة في نظرهم بعيدة أو منحازة، والذي يحمل ذاكرة الثورة لا ينبغي أن يجعلها وحدها معيار الوطنية، والذي يحمل تجربة الإسلاميين لا ينبغي أن يتعامل مع تاريخهم باعتباره خارج المساءلة، كما أن من يختلف معهم لا ينبغي أن يجعل اختلافه معهم سببًا كافيًا لإخراجهم من المجال الوطني كله.

لكن ثمة سؤالًا آخر يسبق كل ذلك، وربما كان من الضروري أن يجد مكانه على الطاولة قبل أن تبدأ الطاولة نفسها في استقبال المختلفين: من الذي دعا إلى هذا الحوار، ومن أين جاءت فكرته الأولى، وكيف انتقلت من مبادرة قيل إنها جاءت من «ثلة من الوطنيين» إلى لجنة تتولى الإعداد والتهيئة والتواصل مع القوى السياسية والمجتمعية؟ فالبرهان تحدث عن مجموعة من السودانيين طرحت فكرة الحوار، وأعضاء اللجنة يؤكدون أنهم لم يتلقوا تكليفًا حكوميًا وأن اللجنة تشكلت من أعضائها، لكن هذه الرواية تترك سؤال البدايات مفتوحًا، ومن حق الرأي العام أن يعرف كيف ولدت الفكرة ومن كان وراء هندستها الأولى وكيف جرى اختيار الذين تولوا تحويلها إلى مسار سياسي. وليس المقصود هنا التشكيك في وطنية أحد، ولا تحويل الانتماء السياسي لمن اقترح الفكرة إلى تهمة تمنح أو تسحب حق الحوار، وإنما العكس تمامًا؛ فكلما كان الحوار يريد أن يقدم نفسه بوصفه سودانيًا سودانيًا، كان كشف مصدر الفكرة وطريق تشكلها ومعايير اختيار القائمين عليها جزءًا من طمأنة السودانيين إلى أن الوطن هو الذي يقود الطاولة، لا أن الطاولة قد أعدت أولًا ثم طلب من الوطن أن يجلس حولها.

وهنا يصبح معنى «عدم استثناء أحد» أكثر دقة من مجرد توسيع قائمة المدعوين، لأن الشمول لا يعني أن كل القوى متساوية في المسؤولية أو النفوذ أو الشرعية، ولا يعني أن المشاركة شهادة براءة لأحد، وإنما يعني أن الوطن لا ينبغي أن يتحول إلى مساحة مغلقة يحدد أصحابها مسبقًا من يحق له أن يكون جزءًا من مستقبله، ثم يطلبون من الآخرين الاعتراف بأن تعريفهم للسودان هو التعريف الوحيد الممكن.

فالحوار الحقيقي لا يبدأ عندما يتفق الناس، وإنما عندما يقبل المختلفون أن يكون اختلافهم داخل وطن واحد، وأن تكون نتيجة الحوار قابلة لأن تحمل شيئًا من أفكارهم وشيئًا من أفكار الآخرين، وأن يعرف كل طرف، وهو يدافع عن حقه، أن هذا الحق لا يصبح أكثر وطنية لمجرد أنه صادر عنه، ولا يصبح أقل وطنية لمجرد أن خصمه هو الذي يطالب به.

وقد يكون هنا واحدًا من أهم الدروس التي ينبغي أن نتعلمها من تاريخنا السياسي، إذ كثيرًا ما تعاملنا مع الدولة كما لو كانت جائزة تنتقل من يد إلى يد، ومع المعارضة كما لو كانت مرحلة مؤقتة قبل الوصول إلى السلطة، ومع السلطة كما لو كانت ملكية تبرر لأصحابها أن يحددوا وحدهم شكل الوطن، ثم اكتشفنا في كل مرة أن تغيير الجالس على المقعد لم يغير بالضرورة طبيعة المقعد نفسه.

ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح على الحوار ليس فقط: من سيحكم السودان؟ وإنما ما السودان الذي سيجعل الحكم فيه شأنًا عامًا لا ملكية خاصة؟

فإذا كانت الدولة ملكًا لمواطنيها، فإن السلطة تصبح وظيفة وليست غنيمة، والجيش يصبح مؤسسة للدولة لا مالكًا لها، والحزب يصبح وسيلة للمنافسة السياسية لا بديلًا عن المجتمع، والحركة المسلحة لا تظل صاحبة امتياز دائم لأنها حملت السلاح في لحظة من التاريخ، والقوى المدنية لا تكتسب حق الوصاية على المجتمع لمجرد أنها رفعت شعارات مدنية، كما لا يصبح المواطن في الأطراف مواطنًا من الدرجة الثانية لأن المركز اعتاد أن يتحدث باسمه.

هذه ليست تفاصيل منفصلة عن معنى الانتماء للوطن، وإنما هي الترجمة العملية له؛ لأن الوطن الذي نتحدث عنه في القاعات لا يستطيع أن يصبح وطن الجميع إذا ظل المواطن في حياته اليومية يشعر بأن الدولة لا تراه إلا من خلال جماعة ينتمي إليها أو منطقة جاء منها أو موقف سياسي يتبناه.

ولذلك فإن الحوار الذي يتحدث عن المواطنة من دون أن يناقش توزيع السلطة والثروة والفرص والخدمات والحقوق سيكون قد احتفظ بجمال الكلمة وأضاع معناها، لأن المواطنة ليست شعورًا رومانسيًا بالانتماء إلى خريطة، وإنما علاقة قانونية وسياسية بين الإنسان والدولة، وكلما اختلت هذه العلاقة أصبح الانتماء نفسه موضع سؤال.

وقد يبدو هذا الحديث اقتصاديًا أو دستوريًا أو إداريًا، لكنه في جوهره حديث عن الوطن؛ لأن المواطن الذي لا يجد أثرًا للدولة في حياته قد يسمع كلمة «الوحدة» بطريقة مختلفة عن المواطن الذي عاش دائمًا داخل مؤسساتها، والمواطن الذي ظل يشعر بأن ثروة منطقته تخرج منها من دون أن تعود إليه قد يسمع كلمة «المصلحة الوطنية» بطريقة مختلفة عن الذي لم يحتج يومًا إلى السؤال عن نصيبه منها.

ومن هنا لا يمكن أن يكون الحوار السوداني السوداني مجرد مناسبة لإعادة توزيع المقاعد السياسية، بحيث يتغير من يجلس في السلطة بينما تبقى العلاقة بين المركز والمواطن على حالها، أو تتغير أسماء القوى المشاركة بينما تظل القواعد التي صنعت الأزمة كما هي؛ لأن الحوار الذي لا يصل إلى هذه المنطقة العميقة قد ينتج اتفاقًا سياسيًا، لكنه لن ينتج بالضرورة عقدًا وطنيًا جديدًا.

والعقد الوطني لا يعني أن نتفق على كل شيء، بل يعني أن نتفق على شيء يجعل اختلافنا ممكنًا، وهذا الشيء هو أن السودان ليس ملكًا للأكثر عددًا، ولا للأقوى سلاحًا، ولا للأعلى صوتًا، ولا للأكثر تنظيمًا، ولا للأسبق تاريخًا، وإنما هو ملك مواطنيه جميعًا، وأن حقوقهم لا تتوقف على انتصار جماعة على أخرى.

وحين نصل إلى هذه النقطة يصبح الحوار أكثر من مجرد تفاوض بين النخب، لأنه يبدأ في استعادة المواطن الذي غاب طويلًا خلف أسماء القوى السياسية ومشاريعها؛ ذلك المواطن الذي لا يريد أن يعرف فقط من انتصر في النقاش، وإنما يريد أن يعرف إن كان يستطيع أن يعود إلى بيته، وأن يجد مدرسة لأطفاله، ومستشفى حين يمرض، وقانونًا يحميه، واقتصادًا يسمح له بأن يعيش، ودولة لا تسأله أولًا إلى أي جماعة ينتمي قبل أن تسأله ما حقه.

وهذا هو المكان الذي ينبغي أن تلتقي فيه السياسة بالفلسفة، لأن السؤال عن الوطن ليس سؤالًا عن الأرض وحدها، وإنما عن المعنى الذي يجعل الناس مستعدين للعيش معًا رغم اختلافهم؛ فإذا لم نستطع أن نجد هذا المعنى، فإن كل ترتيب سياسي سيظل قابلًا لأن يتحول إلى صراع جديد، أما إذا وجدناه، فإن اختلافنا حول شكل الدولة والدستور والاقتصاد والسلطة يمكن أن يصبح اختلافًا سياسيًا قابلًا للإدارة بدلًا من أن يصبح سببًا جديدًا للقتال.

ولذلك فإن الحوار السوداني السوداني لا ينبغي أن يبحث عن سوداني واحد يتحدث باسم السودان، وإنما عن نظام سياسي لا يحتاج فيه السودان إلى شخص واحد أو جماعة واحدة كي تتحدث باسمه؛ وهذه نقلة مهمة، لأنها تنقلنا من سؤال «من يمثل الوطن؟» إلى سؤال «كيف يصبح الوطن قادرًا على تمثيل جميع مواطنيه؟».

وعندها فقط يمكن أن نفهم لماذا لا يكفي أن يكون الحوار سودانيًا من حيث المشاركون، بل يجب أن يكون سودانيًا في مرجعيته أيضًا، بمعنى أن يكون الوطن هو السقف الذي يحد الاختلاف، والمواطنة هي القاعدة التي تمنح الحقوق، والقانون هو الوسيلة التي تضبط السلطة، والحقيقة هي المجال الذي لا يخاف الحوار من الاقتراب منه، والعدالة هي الطريق الذي لا يضطر الضحايا فيه إلى الاختيار بين إنصافهم وبين بقاء الوطن.

فالسلام الذي يجعل طرفًا يشعر بأنه انتصر على وطنه ليس سلامًا مكتمل المعنى، والوحدة التي تطلب من طرف أن ينسى مظلمته حتى تستمر ليست وحدة مستقرة، والدولة التي تحفظ حدودها ولا تحفظ كرامة مواطنيها تظل دولة في الخرائط أكثر مما هي دولة في الوجدان، كما أن الديمقراطية التي تتغير فيها الوجوه من دون أن تتغير علاقة السلطة بالمواطن قد تغير الحكومة ولا تغير طبيعة الحكم.

ومن هنا ربما ينبغي أن نعيد النظر في العبارة نفسها، لا «السودانيون يتحاورون حول وطنهم»، وإنما «السودانيون يتحاورون لكي يعرفوا كيف يمكن أن يعيشوا في وطن واحد رغم اختلافهم».

هذه الصياغة تبدو أكثر تواضعًا، لكنها في الحقيقة أكثر عمقًا، لأنها لا تفترض أن الحوار قادر على صناعة وطن من الصفر، وإنما تطلب منه أن يعيد بناء العلاقة بين مواطني وطن أنهكته الحرب والانقسامات، وأن يضع قواعد تمنع اختلاف المستقبل من أن يتحول إلى حرب جديدة.

ولعل أجمل ما يمكن أن يحدث في أي حوار سوداني ليس أن يخرج الجميع وهم يرددون العبارة نفسها، وإنما أن يخرج المختلفون وهم يعرفون أن السودان يستطيع أن يحمل اختلافهم؛ لأن الاتفاق الكامل ليس شرطًا لبقاء الوطن، أما قبول المختلف بوصفه شريكًا كاملًا في الوطن فهو الشرط الذي يجعل الاختلاف نفسه ممكنًا.

وهنا يعود المشهد الأول إلى مكانه.
المقاعد مشغولة، والأوراق أمام أصحابها، والكلمات تتحرك بين الجالسين، لكن هناك مقعدًا لا يجلس عليه أحد، ولا ينبغي لأحد أن يجلس عليه، لأنه ليس مقعد حزب أو حركة أو جيش أو مدينة أو نخبة، وإنما هو المقعد الذي ينبغي أن يبقى للوطن نفسه؛ ذلك الوطن الذي جاء الجميع ليتحدثوا باسمه، لكن لا أحد منهم يملك حق الجلوس مكانه.

فإذا بقي هذا المقعد خاليًا، وظل السودان أكبر من المتحاورين، أمكن أن يتحول الحوار من معركة أخرى على من يملك البلاد إلى بحث جاد عن الطريقة التي يستطيع بها الجميع أن يعيشوا فيها.

أما إذا جلس كل طرف على ذلك المقعد، وبدأ يتحدث باسم الوطن كما لو كان الوطن هو، فلن تكون المشكلة في نقص الحوار، وإنما في أن الحوار نفسه لم يبدأ بعد.

م. معاوية ماجد

muawiyamag@gmail.com

Author
معاوية ماجد

معاوية ماجد

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
استعادةُ المواطن، كمرحلةٍ ثانيةٍ من الحرب عليه
منبر الرأي
جرحى ومصابي المشتركة يستغيثون… فلا مغيث!-05
منبر الرأي
فيلم الخرطوم والطريق إلى نادي السينما … تورنتو: بدرالدين حسن علي
منبر الرأي
قناة طيبة والحكومة الكافرة!! .. بقلم: طه مدثر
منبر الرأي
د. غازي يدشن الحملة الانتخابية بواشنطن … بقلم: عاصم عطا صالح

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

انفصال السودانيين من البلاد .. بقلم: صلاح شعيب

صلاح شعيب
منبر الرأي

من عبيد إلى عُمال .. التحرير والعمالة في السودان المُستَعمَر

الرشيد خليفة
منبر الرأي

رحم الله المحامي هاشم إبراهيم أحمد عبد الله (تصويب رثاء) .. بقلم: الأستاذ حسن تاج السر – لندن

طارق الجزولي
منبر الرأي

تركوا الصلاة على عاكف: علمانية من حيث لا تحتسب .. بقلم: د. مجدي الجزولي

د. مجدي الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss