باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الثلاثاء, 23 يونيو 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
الرشيد خليفة
الرشيد خليفة عرض كل المقالات

من عبيد إلى عُمال .. التحرير والعمالة في السودان المُستَعمَر

اخر تحديث: 23 يونيو, 2026 10:44 صباحًا
شارك

من عبيد إلى عُمال .. التحرير والعمالة في السودان المُستَعمَر
قراءة نقدية في كتاب أحمد العوض سيكنجة
Ahmad Alawad Sikainga, Slaves into Workers: Emancipation and Labor in Colonial Sudan
مطبعة جامعة تكساس، أوستن، ١٩٩٦م، صفحات: xvii + 276
 
د. الرشيد خليفة
التعريف بالكاتب والكتاب
  لا يُولد كلُّ كتابٍ تاريخي من رحم الإشكاليات الكبرى وحدها، بل كثيراً ما يُولد من غياب — من الفراغ المُريب الذي يتركه المؤرخون حين يتجاهلون فئةً بأسرها من البشر، أو حين يرفعون إلى مقام الحدث ما ليس سوى إعلانٍ رسمي، ويسدلون الستار على ما جرى بعده. في هذا السياق تحديداً جاء كتاب المؤرخ السوداني أحمد العوض سيكنجة، الصادر عن مطبعة جامعة تكساس عام ١٩٩٦م باللغة الإنجليزية، الذي اختار له عنواناً يختزل الأطروحة بأكملها وعرَّبته أنا بعنوان:” من عبيد إلى عُمال، التحرير والعمالة في السودان المُستَعمَر”.
  وسيكنجة، وهو أستاذ التاريخ في جامعة أوهايو ستيت، ليس وجهاً غريباً عن هذا الميدان؛ فقد أعقب هذا الكتاب بدراسةٍ لا تقلُّ أهميةً عنه، هي تاريخ مدينة عطبرة عاصمة سكك الحديد في السودان [1]، ليُثبت مرةً أخرى أن اهتمامه يصبُّ في العمق الاجتماعي للتاريخ السوداني، في الطبقات التي لم تُكتب عنها المذكرات، ولم تُحفظ لها الوثائق في دواوين النخبة.
  يقع الكتاب في مئتين وستٍّ وسبعين صفحة، يسبقها ترتيبٌ يعكس دقةً منهجية: قائمة بالجداول والخرائط، وتعليق على نظام النقحرة الأكاديمية الحديثة (Tansliteration)، وقائمة بالاختصارات المستخدمة، قبل أن تبدأ المقدمة التي يُحدِّد فيها المؤلف موقعه من الجدل العلمي السائد. ويمتد الكتاب عبر ستة فصول مُنظَّمة في قوسين زمنيين متكاملين: الأول يمتد من مرحلة ما قبل الاستعمار حتى عام ١٩١٩م، والثاني يغطي المرحلة الممتدة بين عامَي ١٩٢٠ و١٩٥٦م، تاريخ استقلال السودان. أما الملاحق، وهي تسعة في مجموعها، فتحتوي على وثائق نادرة من السجلات الاستعمارية البريطانية، بما فيها عرائض من أعيان أمدرمان، ومذكرات سرية لحكومة السودان، ونماذج من عقود العمل، وهي وثائق يمكن القول إنها تمثل وحدها قيمةً أرشيفية مستقلة.
  وقد أوجز لي المؤلف مؤخراً أهداف أضافية لدراسته بجانب إنهاء ممارسة الرق وتبعاته الأجتماعية الأخرى. تهدف الدراسة ايضاً إلى تفصيل وتوضيح تاريخ العمل في المجتمع السوداني وتكوين الطبقة العاملة فيه. ففي حين ركزت معظم الدراسات الأخرى على الحركة النقابيّة وتاريخ نضال العمال، يهتم مؤَلفه هذا بطبيعة وتركيب الطبقة العاملة نفسها وكيف إنّ المسترقين قد شكلوا النواة الأساسية لهذه الطبقة. ثم كيف ساهم الاسترقاق السابق في الصراعات الدائرة في السودان حالياً، وكيف خلّف وراءه إرثاً إجتماعياً متمثلاً في الاستعلاء العرقي والاجتماعي.
 
الرق في السودان قبل الاستعمار، تاريخٌ متشعب الجذور
  من الأخطاء الشائعة في الكتابة الغربية عن الرق في أفريقيا جنوب الصحراء، وفي السودان تحديداً، الآتي: إما اختزاله في نموذج العبودية المزرعية الأمريكية، وإما تنزيهه وتلطيفه بذريعة أنه «رق منزلي» أو «تبنٍّ بالاختطاف». يبدأ سيكنجة بمواجهة هذا الخطأ من الصفحات الأولى، مؤسساً فصله الأول على رسم صورة تاريخية متشعبة الجذور لمنظومة الرق في السودان قبل الفتح التركي المصري عام ١٨٢١م.
  لم يكن الرق في السودان ما قبل الاستعمار ظاهرةً هامشية؛ بل كان متشابكاً مع بنية الاقتصاد والسلطة والبنية الاجتماعية برمّتها. كانت سلطنتا الفونج وسنار تعتمدان الرقيق في الزراعة والجيش والخدمة المنزلية. وحين جاء الأتراك المصريون بجيوشهم وطموحاتهم، أضفوا على الرق طابعاً مؤسسياً أشمل وأوسع: فالتجارة اتسعت، ومسالك الاصطياد الجنوبية تحولت إلى مشاريع حرب وتجارة منظَّمة، ولعب تجار من أمثال الزبير رحمة منصور أدواراً مزدوجة بين سلطة الدولة ومنطق الشركة التجارية [2].
  ثم جاءت المهدية (١٨٨١-١٨٩٨م) لتُقلِّب المعادلة دون أن تُلغيها؛ فبينما أطلق المهدي شعارات تحريرية بالمعنى الديني، استمر الرق بأشكاله المختلفة، وإن تبدّلت بعض ملامحه. وقد أشار المؤلف إلى مفارقة وصفتها جانيت إيوالد في دراستها عن مملكة تقلي باعتبارها سمةً بنيوية في منطقة وادي النيل الأوسع: كانت الحرب والتجارة والعبودية ثلاثة وجوه لعملة واحدة في هذا الفضاء الجغرافي بأسره. [3]
التحرير الرسمي والكذبة الكبرى، بريطانيا والرق في السودان ١٨٩٨-١٩١٩م
  دخل البريطانيون الخرطوم عام ١٨٩٨م وهم يحملون راياتٍ من بينها راية «إلغاء الرق»؛ ذلك الشعار الذي رفعوه في الهند وأفريقيا الشرقية وسواهما من مستعمراتهم. غير أن سيكنجة — وهنا تكمن قيمة كتابه الجوهرية — يُثبت بالوثائق والأرقام أن هذا الإلغاء كان إلغاءً من ورق. فقد آثر الحكام الجدد، بقيادة اللورد كيتشنر ثم لورد كرومر، الحفاظ على «الاستقرار الاجتماعي» على حساب الحرية الفعلية للأرقاء.
  وتفصيل ذلك أن الإدارة البريطانية أصدرت عام ١٨٩٩م مرسوم إلغاء الرق، لكنها في الوقت ذاته رفضت إعطاء الأرقاء سنداتٍ بالعتق إلا من ثبت إساءة أسيادهم إليهم، فضلاً عن أنها عاقبت العبيد الفارّين من أسيادهم بتهمة «التشرد»، وأرسلتهم إلى معسكرات العمل. وقد أفضت هذه السياسة المتناقضة إلى نتيجة فاضحة: ظل ما بين عشرين وأربعين ألفاً من الأرقاء في الخرطوم وأمدرمان وحدهما في العقدين الأولين من الحكم الثنائي، يعملون في شروط لم تختلف كثيراً عن العبودية.
  ولم يكن تردد البريطانيين نابعاً من جهل؛ بل كان نابعاً من حسابات اقتصادية صريحة. فالسودان كان في بدايات إعادة بنائه بعد الخراب المهدوي، والخرطوم كانت تحتاج إلى يد عاملة لبناء المكاتب والطرق والثكنات. وكانت الإجابة جاهزة: الأرقاء السابقون هم اليد العاملة الرخيصة التي لا تحتاج إلى استيراد. وهكذا التقت مصلحة المستعمِر باستمرار التبعية، ولو تحت مسمياتٍ جديدة.
  وفي هذا يتقاطع سيكنجة مع الأطروحة التي طوّرها فريدريك كوبر في دراسته الرائدة عن ساحل أفريقيا الشرقي، حيث أثبت كوبر أن التحرر الرسمي من العبودية في أفريقيا الشرقية لم يُفضِ إلى حريةٍ فعلية، بل حوّل العبيد إلى «مستقطنين» [squatters] لا حولَ لهم ولا قوة، وظلوا زارعين لنفس الأرض مقابل السكن فيها دون ملكيتها أو حتى إمتلاك عقد بإيجارها [4]. غير أن الحالة السودانية تنفرد ببُعدٍ مدني وحضري جعلها مختلفةً جوهرياً عن نموذج المزرعة الساحلية. وذلك بمغادرتهم الريف إلى المدينة ودخولهم في علاقة عمل مأجور، وإن كانت مجحفة، مع جهاز الدولة الإستعمارية، وبناء فضاءََ مدنياً جديداً بالكامل.
الخرطوم مدينةً للعمال المحرَّرين، من التشريد إلى الانتماء
  من بين فصول الكتاب الستة يحتل الثالث مكانةً خاصة، إذ يرصد سيكنجة بعين الاجتماعي المدقق تحوّل الخرطوم في المرحلة ١٨٩٨-١٩١٩م إلى مدينة تُعيد تشكيل هويات سكانها بالقوة. فالرقيق المُعتَق الذي فرَّ من سيده في كردفان أو دارفور أو بحر الغزال وجد نفسه في مدينةٍ لا قبيلة له فيها ولا شبكة دعم؛ فكان أن اضطر إلى قبول ما أتاحه الاستعمار: العمل في مشاريع البنية التحتية — الأرصفة، والطرق، وبناء المباني الحكومية — مقابل أجور يصفها المؤلف بأنها كانت تتراوح بين المجحفة والهزيلة.
  ومع ذلك، فإن المدينة، ويا للمفارقة، لم تكن سجناً محضاً. يكشف الفصل السادس، الذي يعالج مرحلة ١٩٢٠-١٩٥٦م، أن العمال المحرَّرين طوّروا في الأحياء الشعبية لأمدرمان والخرطوم شبكات اجتماعية جديدة لم تقم على أساس القبيلة أو المنطقة، بل على أساس الحرفة والجوار والخبرة المشتركة. وظهرت تنظيمات غير رسمية كـ«الصندوق»، وهو نوعٌ من جمعيات الادخار الدوارة، وأدّى الأرقاء السابقون فيها دوراً محورياً تأسيسياََ بحكم الحوجة أكثر من غيرهم من المواطنين، وذلك لفقدهم للدعم الإقتصادي العائلي أو القبلي. إذ كان الرقيق المُعتَق في الغالب مقطوع الصلة بأهله وقبيلته الأصلية، إما لأنه أُقتلع منها قسراً في عمليات الاصطياد قديماََ، وإما لأنه نزح إلى أم درمان والخرطوم بحري فرداً بلا سند. وقد لاحظ المؤلف، في إشارة ذكية، أن خلفيتهم من التنقل والإزاحة والإلمام بتنوع البيئات البشرية جعلت منهم روّاد ثقافة شعبية حضرية حيّة.
  هذا التحول من الرقيق إلى العامل ثم إلى الفاعل الاجتماعي، حتى لو ظل في القاع الاقتصادي، هو ما يُشكّل العمود الفقري للأطروحة: إن التاريخ الاجتماعي للعمال السودانيين المحرَّرين ليس تاريخ هزيمة صامتة، بل تاريخ تكيّفٍ فاعل وبناء ذاتي بطيء. لماذا؟ لأنه في زعمنا، أن سيكنجة بهذا التدرج الثلاثي، من رقيق إلى عامل ثم فاعل إختماعي، يرفض في آن واحد موقفين متطرفين شائعين في الكتابة عن العبودية وما بعدها:
  • موقف يرى التحرير الاستعماري إنجازاً تحررياً كاملاً (وهذا ما يفنّده في الفصلين الثاني والثالث بإثبات استمرار الاستغلال)
  • وموقف مضاد يرى المُعتَقين مجرد ضحايا سلبيين لا حول لهم (وهذا ما يفنّده في الفصلين الخامس والسادس بإثبات فاعليتهم الاجتماعية)
  فالمراحل الثلاث مجتمعة هي الإطار الذي يفسر لماذا أفرد لكل فصل من فصول الكتاب موضوعه، ولماذا لا يمكن قراءة أي فصل بمعزل عن الآخر: فصول الرق والتحرير تثبت زيف الانعتاق القانوني (المرحلتان الأولى والثانية)، وفصول المدينة والعمل تثبت أن الفاعلية الإنسانية تُولَد حتى من رحم الاستغلال (المرحلة الثالثة). هذا بالظبط ما جعلني أصفه بـ” العمود الفقري”، فهو الخيط الذي يجمع شتات الكتاب في أطروحة واحدة متماسكة.
  وفي الفصل الخامس المعنون بتطور قوة العمل ١٩٢٠-١٩٥٦م، يُقارب سيكنجة الموضوع من الزاوية الهيكلية: كيف بنت الإدارة الاستعمارية سوق العمل؟ وكيف أسهم قانون العمل الصادر في الثلاثينيات في صياغة علاقة غير متكافئة بين العامل، في الغالب الأعم من أصول عبودية أو جنوبية، والمُعلِن عن الوظائف، وهو في الغالب الحكومة أو المشاريع الكبرى كمشروع الجزيرة؟ إن الإجابة ليست مفاجئة: سوق عمل يُنتج التبعية مرة أخرى ويُعيد توزيع الفقر من جديد.
 نقد المنهج، القوة والحدود
  لا يصحُّ الإطراء المُطلق على عملٍ علمي مهما بلغت قيمته، وكتاب سيكنجة، رغم رصانته وجرأته، يستحق التأمل النقدي.
أما قوة الكتاب فتتجلى في ثلاثة محاور: أولها توظيفه لمصادر متعددة التنوع جمع فيها بين أرشيف سودان جورج دورهام الاستعماري، والسجلات الوطنية في الخرطوم، والمصادر الشفهية من شهادات حية، والوثائق المحلية العربية؛ وهو مزجٌ منهجي نادر في تاريخيات السودان في ذلك الحين، إذ كانت الكتابة السائدة، ممثلةً بهولت ودالي [5] وغيرهما، تميل إلى التمركز حول التاريخ السياسي والإداري. وثانيها وعيه الحادُّ بأن التحرير الرسمي لا يعني التحرر الفعلي، وهي فكرة دقيقة لم تكن شائعةً في الأدبيات الاستعمارية. وقد كان لكتاب ميرز وروبرتس عن نهاية العبودية في أفريقيا [6] أثرٌ واضح في صياغة هذا الوعي لديه. وثالثها مقاومته لإغراء التنميط: فلم يقدّم العمال المحرَّرين ضحايا سلبيين لآلة الاستعمار، بل فاعلين في تشكيل بيئتهم الحضرية رغم ضيق هامش الفعل.
  أما حدوده فتبدو في ثلاثة مواضع على الأقل: أولاً: يغلب على الكتاب التركيزُ المكاني شبه المطلق على الخرطوم وأمدرمان وما جاورهما، مما يُبقي في الظل تجربة الرقيق المُعتَق في الأرياف والسودان الجنوبي والأطراف الغربية. وقد أشار المؤلف نفسه إلى هذا القصور، إلا أنه أراحه إلى المستقبل. وثانياً: تبقى المرأة حضوراً بارداً في أغلب فصوله رغم أن الرقيق الإناث كنّ الغالبية في تجارة الرق السودانية، وقد نبّه على هذا التغييب المزمن كلٌّ من مايرز وكلاين في أعمالهم على أفريقيا جنوب الصحراء، غير أن الكتاب لم يُعالجه بما يكفي. وثالثاً: يميل سيكنجة في بعض المواضع إلى عرض البنية الهيكلية على حساب التفاصيل الحياتية الفردية؛ فمع وجود الوثيقة والرقم والنص الأرشيفي، يبقى صوت الرقيق الفرد بصيرةً خافتة في متن أكاديمي رصين.
وتجدر الإشارة إلى أن المؤلف لم يُخفِ تأثره بفريدريك كوبر الذي خصّه بحضور لافت في مقدمته، ولعل الكتابين معاً، كوبر عن زنجبار [4] وسيكنجة عن الخرطوم، يُشكِّلان نموذجاً تاريخياً مُقارناً عن أفريقيا الشرقية في لحظة التحول من الرق إلى العمالة المأجورة. وقد أثبت مؤرخون لاحقون أن هذا النموذج المُقارن خصب المنهج وممتد الأثر في أدبيات تاريخ العمل الأفريقي.
 الكتاب ومعادلة الراهن السوداني
  ثمة جملة في الكتاب تكاد تُوجِزه بأسره، وهي أن إرث العبودية لا يزال يُغذِّي الصراعات الإثنية والإقليمية في السودان. وقد كتب سيكنجة هذه الجملة عام ١٩٩٦م، أي قبل أن تتفجر دارفور وقبل استقلال الجنوب، كأنه كان يقرأ ما سيأتي. فإذا أضفنا إلى هذا ما فصّله وربورغ في تحليله للطائفية السياسية السودانية [7] وما أكدته هذر شاركي في تأريخها للوطنية والهوية تحت الاستعمار الثنائي [8]، تتشكّل أمامنا خريطة تفسيرية متكاملة لجذور الأزمة السودانية المتواصلة حتى يومنا هذا.
وسيكنجة في هذا يُحقق ما عجزت عنه كثيرٌ من الدراسات: الربط العضوي بين الماضي العبودي والحاضر المتشظي. فالتهميش الذي عاشه الرقيق المُعتَق في الخرطوم الاستعمارية لم يُوضع حدٌّ له بمجرد رفع العلم الوطني عام ١٩٥٦م؛ بل أُعيد إنتاجه في بُنى اقتصادية واجتماعية ظلّت تتوارثه جيلاً بعد جيل.
  في هذا السياق جاء تقدير جاي ل. سبولدينق، أستاذ التاريخ والمتخصص في تاريخ السودان والأستاذ الزائر بجامعة الخرطوم في الستينيات والسبعينيات، دقيقاً حين وصف الكتاب بأنه «دراسةٌ رائدة بالغة الأهمية، ستفرض مراجعةً فورية ودائمة لهذا الحقل بأسره»؛ إذ كانت العبودية قبل هذا الكتاب تُناقَش في الكتابة الغربية باعتبارها رذيلةً شرقية غريبة وعابرة اختفت بسحرٍ أوروبي. وعبارته الأصلية باللغة الإنجليزية على غلاف الكتاب الخلفي كانت “an exotic oriental vice”، فجاء سيكنجة ليُفنِّد هذه الصورة من أساسها.
ما الذي نقرأه حين نقرأ هذا الكتاب؟
يُعلّمنا هذا الكتاب درساً منهجياً يتخطى حدوده الموضوعية: التاريخ الاجتماعي لا يُكتب في أرشيف الحكومات وحده، بل يُكتب في ملفات الشكاوى ووثائق المحاكم وعقود العمل والشهادات الشفهية. والعبد المُعتَق الذي لا يرد اسمه في أي وثيقة رسمية يُمكن استعادته بالصبر والمنهج والإصغاء إلى الصامت في النص.
أما المقولة التي يُبنى عليها الكتاب بأسره فهي: إن التحرير الذي تمنحه الإدارة الاستعمارية ليس تحريراً لصاحبه، بل هو تحريرٌ للمُستعمِر من تبعةٍ أخلاقية يريد نسيانها. وإن العمل المأجور الذي يُعقبه ليس انعتاقا, بل هو استمرارٌ للاستخراج بأدواتٍ مدنية أكثر لباقة. وهذه، في نظر القارئ، ليست استنتاجات متطرفة، بل هي قراءة موثّقة لما تقوله الوثائق بلغتها الصريحة التي لا تُخطئ.
  يبقى كتاب سيكنجة بعد ثلاثة عقود من صدوره مرجعاً لا يُستغنى عنه لكل من يتعامل مع تاريخ السودان الحديث؛ ليس لأنه أجاب على كل سؤال، بل لأنه طرح الأسئلة الصحيحة في وقتٍ كان فيه طرحها بحد ذاته شجاعةً أكاديمية، ولأن واقع السودان الممزق اليوم ترجع أسبابه إلى ماضيه الذي لم يعالج.
 
المصادر والمراجع
[1] Sikainga, Ahmad Alawad. “City of Steel and Fire”: A Social History of Atbara, Sudan’s Railway Town, 1906–1984. Portsmouth: Heinemann; Oxford: James Currey, 2002.
[2] Holt, P.M., and M.W. Daly. A History of the Sudan: From the Coming of Islam to the Present Day, 6th ed. London: Routledge, 2011.
[3] Ewald, Janet J. Soldiers, Traders, and Slaves: State Formation and Economic Transformation in the Greater Nile Valley, 1700–1885. Madison: University of Wisconsin Press, 1990.
[4] Cooper, Frederick. From Slaves to Squatters: Plantation Labor and Agriculture in Zanzibar and Coastal Kenya, 1890–1925. New Haven: Yale University Press, 1980.
[5] Holt, P.M. The Mahdist State in the Sudan, 1881–1898. 2nd ed. Oxford: Clarendon Press, 1970.
[6] Miers, Suzanne, and Richard Roberts, eds. The End of Slavery in Africa.Madison: University of Wisconsin Press, 1988.
[7] Warburg, Gabriel R. Islam, Sectarianism and Politics in Sudan since the Mahdiyya. London: C. Hurst & Co.; Madison: University of Wisconsin Press, 2003.
[8] Sharkey, Heather J. Living with Colonialism: Nationalism and Culture in the Anglo-Egyptian Sudan. Berkeley: University of California Press, 2003.
rkhalifa747@gmail.com

الكاتب
الرشيد خليفة

الرشيد خليفة

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منشورات غير مصنفة
اليوناميد تواصل إتخاذ إجراءات وقائية حيال الإيبولا
منبر الرأي
فى ذمة الله أحد قدامى الرياضيين … بقلم: عثمان الطاهر المجمر طه / لندن
لماذا تفشل ثورات السودان؟
منبر الرأي
محنة العرب .. بقلم: حماد صالح
منشورات غير مصنفة
مذكرة من لجنة التضامن إلى مفوضية حقوق الإنسان بالخرطوم تطالب بإطلاق سراح المعتقلين ابوعيسي وأمين مكي مدني

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

حميدتي وبنيامين ينعي ولده ويصلح ثلاجات؟! .. بقلم: طه مدثر

طارق الجزولي
منبر الرأي

هل السودان قابل للحكم؟ (2) .. ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي

بدر الدين حامد الهاشمي
منبر الرأي

(ثورة مُضادّة)..! .. بقلم: عبد الله الشيخ

طارق الجزولي
منبر الرأي

19 ديسمبر لاستعادة الديمقراطية والثورة والوطن .. بقلم: تاج السر عثمان

تاج السر عثمان بابو
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss