بقلم: كمال أشواك – ألمانيا
هامبورغ – 22 سبتمبر 2026م
تشهد منصات التواصل الاجتماعي في السودان خطاباً اختزالياً يُحمِّل الفاعل الخارجي، وتحديداً دولة الإمارات العربية المتحدة، مسؤولية انهيار النسق السياسي والأمني. ويقوم هذا الخطاب على افتراضين أساسيين: أولهما، وجود تورط إماراتي مباشر في تمويل وتسليح قوات الدعم السريع “الجنجويد”؛ وثانيهما، اعتبار هذا التدخل الخارجي هو العلة الجوهرية للأزمة.
ولا جدال في صحة الافتراض الأول على مستوى الواقع الموضوعي. بيد أن الافتراض الثاني يمثل ما يمكن تسميته بـ”الغباء البنيوي”. ويُقصد به تحوُّل العقل الجمعي إلى آلية اختزال تبسيطي تُعفي الذات الوطنية من المحاسبة. وتعمل هذه الآلية بوصفها دفاعاً نفسياً ومعرفياً مريحاً، إذ توفر “شماعة خارجية” جاهزة يُعلَّق عليها الإخفاق التاريخي والآني، مما يُجنِّب المجتمع مواجهة الأسئلة الصعبة المتعلقة بعسكرة الحياة العامة، وتراكم الفساد المؤسسي، وتفك العقد الاجتماعي.
وإذا ما أسقطنا المتغير الخارجي من المعادلة التحليلية، انكشف السياق الداخلي بوضوح. فَقُوَّاتُ الدعم السريع، بوصفها تشكيلاً عسكرياً ميليشياوياً، ليست منتجاً مستورداً، بل هي نتاج محلي صرف. فقد تشكلت هذه البنية في أحشاء الدولة السودانية الفاشلة، كأداة لإدارة العنف وفضاءات الهامش، وذلك قبل أن تصبح هدفاً للاستثمار الإقليمي.
وتكشف المفارقة البنيوية لهذه العلاقة عن عمق الأزمة. فقد كانت المؤسسة العسكرية الرسمية للدولة هي الوكيل التجاري الأول لهذا التشكيل، بدليل استخدام طائراتها العسكرية في نقل موارد الذهب الخاصة بقائد الدعم السريع إلى الإمارات. وهذه الممارسة تؤشر على انتهازية هيكلية داخل المنظومة الحاكمة، بلغت حد صناعة الكيان وتسمينه، ثم الشكوى من استقلاله لاحقاً.
وبناءً عليه، فإن القصور الحاد في إدراك السببية المركبة في الخطاب العام لا يعدو كونه خللاً معرفياً وظيفياً. وتتمثل وظيفته في حماية النسق السياسي القديم عبر توجيه الغضب الشعبي نحو “عدو خارجي” مجرد، وصرفه بالتالي عن مساءلة البنى المحلية المنتجة للأزمة.
خلاصة القول: إن دولة الإمارات لم تخترع “الجنجويد” كظاهرة. وإنما وجدت بيئة محلية مهترئة المؤسسات، قابلة للاختراق والمساومة، فتعاملت معها وفق منطق المصالح الجيوسياسية. وعليه، فإن الاستغراق في خطاب لوم الخارج مع إهمال التفكيك البنيوي الداخلي هو شكل من أشكال الكسل المعرفي. فتجفيف منابع التمويل الخارجي لن يفضي إلى إنهاء الأزمة، ما دام النسق السياسي والمجتمعي داخل السودان قادراً على إنتاج تشكيلات العنف ذاتها وإعادة إنتاجها تحت مسميات جديدة.
