بقلم: لوال كوال لوال
في الثاني والعشرين من ديسمبر 2026، يقف جنوب السودان أمام محطة توصف بأنها الأكثر أهمية منذ إعلان استقلاله في التاسع من يوليو 2011. فمنذ أن أصبحت الدولة أحدث دولة في العالم، ظل حلم الانتقال من الشرعية الثورية إلى الشرعية الديمقراطية حاضرًا في الخطاب السياسي، لكنه بقي مؤجلًا بفعل الحرب الأهلية والانقسامات السياسية والأزمات الاقتصادية وتكرار تمديد المرحلة الانتقالية. وإذا كان إجراء الانتخابات للمرة الأولى منذ الاستقلال يحمل قيمة رمزية كبيرة، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بإمكانية تنظيم عملية الاقتراع، وإنما بمدى قدرة هذه الانتخابات على إنتاج سلطة تستند إلى إرادة شعبية حقيقية، وتحظى بالقبول الداخلي والثقة الدولية. لقد نشأت دولة جنوب السودان وسط آمال كبيرة بأن تؤسس نموذجًا جديدًا للحكم بعد عقود طويلة من الحرب مع السودان، إلا أن السنوات الأولى للاستقلال سرعان ما كشفت حجم التحديات التي تواجه الدولة الوليدة. فالصراع السياسي الذي اندلع في ديسمبر 2013، ثم الحرب الأهلية التي تلته، أديا إلى انهيار أجزاء واسعة من مؤسسات الدولة، وتسببّا في نزوح ملايين المواطنين داخل البلاد وخارجها، كما أضعفا الاقتصاد وأثرا بصورة مباشرة على قدرة الحكومة في تقديم الخدمات الأساسية. ورغم توقيع اتفاقية السلام المنشط عام 2018، والتي أعادت تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الانتقالية، فإن تنفيذ كثير من بنود الاتفاق ظل يسير بوتيرة بطيئة، الأمر الذي جعل المرحلة الانتقالية تمتد أكثر من مرة، وتأجلت الانتخابات مرات متتالية بحجة عدم اكتمال الترتيبات اللازمة لإجرائها. اليوم، ومع اقتراب الموعد المعلن للانتخابات، يبدو أن جنوب السودان لا يواجه فقط تحدي تنظيم عملية التصويت، بل يواجه اختبارًا يتعلق بمصداقية العملية السياسية بأكملها. فالانتخابات ليست مجرد صناديق اقتراع أو بطاقات تصويت أو إعلان نتائج، وإنما هي منظومة متكاملة تبدأ بتحديد الهيئة الناخبة بصورة دقيقة، وتمر بضمان تكافؤ الفرص بين المتنافسين، وتنتهي بقبول النتائج باعتبارها تعبيرًا عن الإرادة الشعبية. وعندما تغيب إحدى هذه الحلقات، تصبح العملية الانتخابية معرضة للتشكيك، حتى وإن جرت في موعدها المحدد. من أبرز القضايا التي أثارت جدلًا واسعًا في الفترة الأخيرة قرار البرلمان الانتقالي تأجيل إجراء التعداد السكاني واستكمال الدستور الدائم إلى ما بعد الانتخابات. هذا القرار يحمل دلالات سياسية وقانونية عميقة، لأن التعداد السكاني لا يقتصر على معرفة عدد السكان فحسب، بل يمثل الأساس الذي تُبنى عليه عملية توزيع الدوائر الانتخابية، وتقدير عدد الناخبين، وضمان التمثيل العادل للمجتمعات المختلفة. كما أن غياب دستور دائم يحدد بصورة واضحة شكل الدولة وصلاحيات المؤسسات وآليات تداول السلطة يخلق حالة من الغموض القانوني قد تؤثر في تفسير كثير من الإجراءات الانتخابية لاحقًا. قد يشير البعض إلى أن إجراء الانتخابات دون تعداد سكاني حديث ليس أمرًا غير مسبوق في العالم، فهناك دول اعتمدت على سجلات انتخابية سابقة أو على بيانات إدارية عند تنظيم الانتخابات. غير أن المقارنة ليست بهذه البساطة، لأن نجاح مثل هذه التجارب كان مرتبطًا بوجود مؤسسات مستقلة وقوية، وهيئات قضائية قادرة على الفصل في النزاعات، وأنظمة رقابية تضمن سلامة السجل الانتخابي. أما في جنوب السودان، حيث ما تزال المؤسسات في طور البناء، وحيث تعاني الدولة من ضعف القدرات الإدارية والمالية، فإن الاعتماد على تقديرات غير دقيقة قد يفتح الباب أمام نزاعات واسعة حول أهلية الناخبين، وتوزيع الدوائر، ونسب المشاركة، وهو ما قد يؤثر في شرعية النتائج. وتزداد هذه الإشكالية تعقيدًا إذا أخذنا في الاعتبار أوضاع ملايين المواطنين الذين يعيشون خارج مناطقهم الأصلية. فهناك أعداد كبيرة من النازحين داخليًا نتيجة النزاعات، إضافة إلى ملايين اللاجئين المقيمين في السودان وأوغندا وكينيا وإثيوبيا ودول أخرى. وهؤلاء يشكلون جزءًا أصيلًا من الجسم الانتخابي، لكن تسجيلهم وإتاحة الفرصة لهم للمشاركة يطرح تحديات لوجستية وقانونية هائلة. فإذا لم توجد قاعدة بيانات دقيقة توضح أماكن وجودهم وأعدادهم، فقد يُحرم جزء منهم من حقه في التصويت، أو قد تنشأ خلافات حول كيفية إدراجهم في السجل الانتخابي. ولا تقف التحديات عند الجانب الفني، بل تمتد إلى البيئة الأمنية التي يفترض أن تُجرى فيها الانتخابات. فمن أهم بنود اتفاق السلام المنشط لعام 2018 إعادة هيكلة القطاع الأمني، وتوحيد القوات المسلحة، ونزع السلاح من الفصائل المختلفة، وإنشاء جيش وطني مهني يخضع لسلطة الدولة وحدها. غير أن تنفيذ هذه البنود ظل متعثرًا، وما زالت تقارير آليات مراقبة وقف إطلاق النار تشير إلى وقوع اشتباكات وانتهاكات في عدد من المناطق. كما أن الأمم المتحدة حذرت مرارًا من هشاشة الوضع الأمني، ومن احتمالات تصاعد التوتر السياسي مع اقتراب موعد الانتخابات. إن وجود السلاح خارج إطار المؤسسات الرسمية يثير تساؤلات جوهرية حول إمكانية إجراء حملة انتخابية حرة. فالمرشح الذي يخشى على أمنه الشخصي لن يكون قادرًا على مخاطبة الناخبين بحرية، والصحفي الذي يعمل في بيئة غير آمنة قد يتردد في تغطية التجاوزات أو انتقاد أصحاب النفوذ، والناخب الذي يشعر بأن صوته قد يعرضه للخطر قد يختار الامتناع عن المشاركة أو التصويت تحت تأثير الخوف. لذلك فإن البيئة الأمنية ليست مجرد عامل مساعد لنجاح الانتخابات، بل هي شرط أساسي لضمان نزاهتها. إلى جانب التحديات الأمنية، تبرز قضية الحريات العامة باعتبارها عنصرًا لا يقل أهمية. فالانتخابات الديمقراطية لا تُقاس فقط بعدد مراكز الاقتراع أو نسبة المشاركة، وإنما أيضًا بمدى قدرة الأحزاب السياسية على تنظيم اجتماعاتها، وحرية وسائل الإعلام في تغطية الحملات الانتخابية، وحق منظمات المجتمع المدني في مراقبة العملية الانتخابية، واستقلال القضاء في النظر في الطعون والنزاعات. وإذا كانت هذه الضمانات غير متوافرة بصورة كاملة، فإن الحديث عن انتخابات تنافسية يصبح محل نقاش مشروع. ويرى عدد من المحللين أن الانتخابات، في ظل الظروف الحالية، قد تتحول إلى وسيلة لإضفاء شرعية جديدة على السلطة القائمة أكثر من كونها آلية حقيقية للتغيير السياسي. فحين تجرى الانتخابات في ظل اختلال موازين القوة، وغياب مؤسسات مستقلة بصورة كافية، وتأخر تنفيذ الإصلاحات المتفق عليها، فإن النتيجة الطبيعية قد تكون استمرار النخب السياسية نفسها في إدارة الدولة، مع اكتساب شرعية انتخابية جديدة أمام المجتمع الدولي. ولا يعني ذلك بالضرورة أن النتائج ستكون محسومة مسبقًا، لكنه يعني أن البيئة المحيطة بالعملية الانتخابية قد تمنح أفضلية واضحة للقوى الموجودة أصلًا في السلطة. ومع ذلك، فإن هذا التحليل لا يخلو من جوانب تحتاج إلى التوازن. فمنذ عام 2015 تأجلت الانتخابات عدة مرات، وكانت المبررات في كل مرة تدور حول نقص التمويل، وتأخر تنفيذ اتفاقيات السلام، وغياب التعداد السكاني، وعدم اكتمال الدستور، وسوء الأوضاع الأمنية. لكن استمرار التأجيل لم يؤدِّ إلى معالجة هذه المشكلات بصورة كاملة، بل أدى في المقابل إلى إطالة المرحلة الانتقالية وإبقاء مؤسسات الحكم قائمة دون تفويض انتخابي مباشر. ولذلك يطرح بعض الباحثين والسياسيين سؤالًا مشروعًا: إذا لم تتحقق الظروف المثالية خلال السنوات الماضية، فما الذي يضمن تحققها بعد تأجيل جديد؟ من هذا المنطلق، يرى أنصار إجراء الانتخابات في موعدها أن الكمال ليس شرطًا لبدء التحول الديمقراطي، وأن كثيرًا من الدول خرجت من النزاعات عبر انتخابات لم تكن مثالية، لكنها شكلت نقطة انطلاق نحو تطوير المؤسسات وتحسين الممارسة السياسية في المراحل اللاحقة. ووفق هذا الرأي، فإن استمرار التأجيل قد يضعف ثقة المواطنين في العملية السياسية، ويكرس فكرة أن الانتخابات مجرد وعد مؤجل لا يتحقق، بينما قد يؤدي تنظيمها، رغم نواقصها، إلى خلق ثقافة سياسية جديدة تقوم على الاحتكام إلى صناديق الاقتراع بدلًا من اللجوء إلى السلاح. كما أن المجتمع الدولي يمارس ضغوطًا واضحة لدفع العملية الانتخابية إلى الأمام، سواء من خلال الأمم المتحدة أو الاتحاد الأفريقي أو الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد) أو دول الترويكا التي تضم الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والنرويج. وقد أكدت هذه الأطراف مرارًا أن نجاح الانتخابات يتطلب توفير التمويل اللازم للمؤسسات الانتخابية، وتعزيز استقلالية لجنة الانتخابات، وضمان الشفافية في إدارة الموارد العامة، وخاصة الإيرادات النفطية التي تمثل المصدر الرئيسي لتمويل الدولة. كما شددت على أهمية مشاركة المرأة والشباب، وضمان وجود مراقبين محليين ودوليين لمتابعة العملية الانتخابية. غير أن التجارب السابقة تشير أيضًا إلى أن الضغوط الدولية، مهما بلغت قوتها، لا تستطيع وحدها بناء الثقة الداخلية أو تعويض غياب الإرادة السياسية الوطنية. فالانتخابات الناجحة لا تُصنع بقرارات خارجية، وإنما بإجماع وطني على احترام قواعد المنافسة وقبول نتائجها. وإذا لم تتوافر هذه الإرادة، فقد تتحول الانتخابات إلى محطة جديدة في سلسلة الخلافات السياسية، بدلًا من أن تكون بداية لمرحلة أكثر استقرارًا. ويبقى العامل الاقتصادي حاضرًا بقوة في هذا المشهد. فجنوب السودان يواجه تحديات مالية كبيرة نتيجة الاعتماد شبه الكامل على النفط، وتأثر الإنتاج بفترات النزاع، وتقلب الأسعار العالمية، إضافة إلى ارتفاع معدلات التضخم وضعف الخدمات الأساسية. وتنظيم انتخابات على المستوى الوطني يحتاج إلى موارد ضخمة تشمل تسجيل الناخبين، وطباعة المواد الانتخابية، ونقلها إلى المناطق النائية، وتدريب الموظفين، وتأمين مراكز الاقتراع، وإعلان النتائج. وفي ظل هذه الظروف، فإن أي نقص في التمويل قد ينعكس مباشرة على جودة العملية الانتخابية. ولا يمكن إغفال أن نجاح الانتخابات لن يُقاس فقط بما يحدث يوم التصويت، وإنما بما يليها. فإذا قبلت القوى السياسية النتائج، وسلكت الطعون مسارات قانونية وسلمية، فإن ذلك سيشكل خطوة مهمة نحو ترسيخ ثقافة التداول السلمي للسلطة. أما إذا رُفضت النتائج منذ البداية، أو تحولت الخلافات إلى مواجهات مسلحة، فإن الانتخابات قد تصبح عاملًا إضافيًا في تعقيد الأزمة بدلًا من حلها. إن جنوب السودان يقف اليوم عند مفترق طرق حقيقي. فمن جهة، هناك فرصة تاريخية لإجراء أول انتخابات عامة منذ الاستقلال، وهي فرصة قد تفتح الباب أمام بناء مؤسسات أكثر شرعية، وتعزز ثقة المواطنين في الدولة إذا أُديرت العملية بنزاهة وشفافية. ومن جهة أخرى، فإن استمرار التحديات المتعلقة بالتعداد السكاني، والدستور الدائم، والإصلاح الأمني، والحريات العامة، والتمويل، يجعل من الصعب اعتبار الانتخابات، بصيغتها الحالية، تجسيدًا كاملًا للمعايير الديمقراطية المتعارف عليها. لذلك، فإن السؤال الأساسي لم يعد ما إذا كانت الانتخابات ستُجرى في ديسمبر 2026، بل ما إذا كانت ستنجح في تحقيق الغاية التي وُجدت من أجلها، وهي منح المواطنين فرصة حقيقية لاختيار من يحكمهم بحرية، وتجديد شرعية المؤسسات عبر صناديق الاقتراع، وفتح صفحة جديدة من الاستقرار السياسي. وإذا لم يتحقق الحد الأدنى من هذه الأهداف، فإن الانتخابات قد تُسجل في التاريخ باعتبارها حدثًا مهمًا من الناحية الشكلية، لكنها لن تكون بالضرورة نقطة التحول الديمقراطي التي ينتظرها شعب جنوب السودان منذ أكثر من خمسة عشر عامًا. أما إذا تمكنت القوى السياسية من تجاوز خلافاتها، ووفرت الضمانات الأساسية للنزاهة، واحترمت نتائج الصندوق، فقد تكون هذه الانتخابات، رغم كل نواقصها، بداية مسار طويل نحو بناء دولة تقوم على سيادة القانون، والمواطنة، والتداول السلمي للسلطة، وهي الغاية التي لا يزال ملايين الجنوبيين يتطلعون إليها منذ يوم الاستقلال.
lualdengchol72@gmail.com
