“كلُّ طاغيةٍ صنم، دميةٌ من خشب”¹
- م. م. الفيتوري.
قبل بضعة أشهر، قامت صفحة (سودان زمان) على إنستغرام بـ”انتخابات”، على نسق (الكأس) الذي يقام في رياضة كرة القدم، فكل مرشحَين يدخلان “مباراة” تصويتية، يخرج بعدها المغلوب فورًا، ويستمر الفائز… كان مرشحوها هم “قادة” السودان منذ الاستقلال، وشارك فيها، على حسب ما أورد صاحب الصفحة، أكثر من مئة ألف مصوت، وكان الفائز فيها -كما كنت أتوقع من البداية-، ولا غرو، جعفر محمد النميري.
والنميري يحظى بشعبية غريبة واعجابٍ كبير في السودان، بين الشيب والشباب، فالأوائل أكثرهم ولدوا وتربوا على أنغام بروباغاندا مايو، “ابوكم مين؟ نميري! قائدكم مين؟ نميري!”، والجيل الحالي نشأة في جو الانقاذ المسموم المدين للنميري بكل شيء… لذا نجد صور النميري في كل مكان، حافلات المواصلات، صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، مرفقًا معها تغزلٌ به وبـ”رجالتو” وترحم عليه وتحسر على أيامه، كما نرى “موناجات” صبيانية كثيرة تسوِّقه وكأنه أعظم من مشى على أرض البلاد، ويرد اسمه في أغنيات راب شبابية كثيرة، ولا ننسى ذلك التسجيل الصوتي من احد خطاباته “سيظل هذا العلم… عاليًا، خفَّاقًا… إلخ” الذي يظهر في كل مكان، ويعلم الله أنه ما نكَّس أحدٌ “ذلك العلم” ولا عرَّضه للتدنيس أكثر من هذا النميري، مسلِّمًا إياه في نهاية المطاف، للكيزان؛ الذين مزقوا العلم إربا ثم حرقوه “بالجاز”، ورماه رئيسهم ذات مرة -حرفيًا- في القمامة، وهي الجماعة الوحيدة التي لا يستغرب المرء أن تسخر ترسانتها الاعلامية الضخمة لتمجيده وتلميع صورته القبيحة.
النميري، كصدام حسين، وغيرهما من الدكتاتوريين القتلة، هم شخصيات نرجسية، مصابة بأقصى درجات جنون العظمة، ومثل هذه الشخصيات، تجذب البسطاء والجهلة، والمراهقين فكريًا (أيًا كان عمرهم)، كما يجذب الضوء الذباب… ولا يمكن -حقيقةً- أن تطلع على تاريخ السودان المعاصر، أو سيرة الرجل، ولو بصورة عابرة، وتظل تعجب به، وتظنه رجلا خيِّرًا أو نظيفًا أو محسنًا للبلاد والعباد… ولأن ذكر المجازر -مهما تعاظمت أعداد الموتى فيها- التي اقترفها النميري، واعادة إشعاله للحرب الأهلية -في الجنوب- وبصورة أكثر وحشية وتمزيقه لاتفاقية أديس أبابا (وكانت تلك الاتفاقية انجازه -ذا البال- الوحيد إن صح التعبير)، وذكر صور تخريبه للبلاد، وتحطيمه للمؤسسات، وعرقلته لمشاريع التنمية وبرامجها، وضربه للنقابات، وتدميره لسكة حديد السودان، وتجاوزه وخرقه المستمر لدستور السودان “الدائم” الذي أنجزته مايو، حتى كاد النميري يقول للدستور “إذا ما جئت ربك يوم حشرٍ، فقل يا رب مزقني العقيدُ” الذي أمسى مشيرًا ثم أميرًا للمسلمين في أواخر عهده، يسكب الخمرة في النيل، ويصعد المنابر خطيبًا على الناس، مرهبًا ومنكلًا ومتوعدا، ومقارنًا نفسه برسول الاسلام… بما أن ذكر كل هذه المصائب التي جرها على هذه الرقعة الجغرافية وأهلها لا يعني للأغلبية شيئًا، فسأنزل بمستوى النقاش إلى مرتكز أسطورة النميري؛ ألا وهي أنه على الأقل “كان راجل… وكان زول نضيف” وسنرى سويًا إن كان ذلك حقيقة أم محض وهم.
وسأستند في مقالتي هذه -بشكل أساسي- على كتاب د. منصور خالد، المهم، (السودان والنفق المظلم)*
وحقيقةً، سيرةُ النميري مأساوية، ففي البداية يبدو لك شديد الازعاج، هذا الرجل المتجرد من أي فضيلة، ثم ينتهي به الحال -في آخر سني حكمه المضطرب- مثيرًا للشفقة والغثيان. ولكن، الأكثر مأساوية من سيرته -في نظري- هو أن يُعجب به -بل ويَعبده- شاب، وبالأخص شابٌ خرج في ديسمبر!!! “طيب طالع ليه أصلا!!!”.
متلازمة الارتخاء المزمن في الركب:
لم ينقد منصور خالد، في كتابه هذا، النميري بالأخلاقيات العليا والمبادئ المثلى للإنسانية، بل حاكمه بما وضع النميري، لنفسه ولغيره، من مقاييس أخلاقية ومبادئ ثورية… وما أقساها من محاكمة! تبين نفاق الشخص ومخالفة قوله لفعله، بل وأيضا لقوله، وكيله بأكثر من مكيال، وما أعدلها في الوقت نفسه!
ومن أول المقاييس التي وضعها النميري لنفسه هي بقاء القائد مع رجاله عندما يحمى الوطيس، حين قال، بعد أحداث الجزيرة أبا، عن الامام الهادي المهدي، الذي قُتل قرب الحدود الأثيوبية، أنه “ليس أهلًا للإمامة لأنه هرب من الجزيرة تاركًا أتباعه وراءه” “فقد كان رعديدًا جبانًا… ولم أر قائدًا أو رئيسًا يهرب من رجاله ساعة القتال”… وسنرى ماذا سيفعل قائدنا المغوار النميري في ٧٥، و٧٦ مع رجاله… ولكن دعونا أولًا نحكي أولى لحظات “سيحان” ركب سعادة العقيد، والتي حكاها للصحافة الدولية -وبلا خجل-، متحدثا عن أحداث انقلاب ٧١، وكيف أنه أعتقل من غرفة نومه، حافي القدمين، وكيف اقتيد إلى خارجها بعد أن وجه العساكر فوهات أسلحتهم إلى رقبته وأجبروه على وضع يده فوق رأسه لساعة كاملة. وغريبٌ كيف أن هذا النميري “أرجل راجل” خرج مُهانًا ولم يملك الشجاعة ليصر على ارتداء زيه العسكري ليخرج بشموخ كما فعل اللواء الخوّاض محمد أحمد القائد العام للجيش ليلة انقلاب مايو ٦٩، وواصل النميري وصف حاله في معتقله وقال “أنه خشي على حياته وحياة من معه عندما كانت القوات المضادة والموالية له تقترب من القصر فراح يناشد معتقليه الخروج في وجه الدبابات والطلب إليها إيقاف القصف… وإلا سنموت جميعًا”. وكان له ذلك، بعد لأي، وبعد أن تجاهلوه لردح من الزمن.
وفي عام ١٩٧٥، كانت هناك محاولة انقلابية بقيادة العقيد حسن حسين، شارك فيها بعضُ ممن شاركوا في انقاذ حياة النميري في انقلاب ٧١، وكان هذا دليلًا على فقدان عناصرٍ من الجيش للثقة فيمن أنقذوا، أي قائد البلاد، النميري…
وقد تم اجهاض الانقلاب بسبب تحركات رئيس الاستخبارات العسكرية، العميد محمد يحيى، وقائد سلاح المظلات، العميد يوسف أحمد يوسف، الذي حاول بعض جنود الانقلاب اقناعه بالانضمام اليهم لظنهم أنه قد تم اعتقال النميري بواسطة رفاقهم، وأن الأمر قد قضي… لكن الحظ والصدف قد حالفت النميري، كونه لم يكن في مكان تواجده المعتاد في ليالي الخميس، فنجى من الاعتقال… سرب العميد يوسف رسالة للقيادة العامة فقام زميلاه محمد يحيى والسر محمد أحمد بالتوجه لمنزل النميري لإبلاغه بأمر الانقلاب ومعرفة خططه لمعالجة الموقف… لكن السيد القائد الأعلى للقوات المسلحة، والعسكري المهني المرموق، جعفر النميري، لم يهتم إلا بسلامته الشخصية، وأمر حرسه الخاص ليسرع به وزوجته لمنزل صديق له بضواحي العاصمة، تاركًا رجاله -ويا للعار!- وحدهم ليقودوا العمليات المضادة. وقد فعلوا… أنقذوه وأنقذوا الموقف. بينما لاذ “أرجل راجل” بالفرار.
ومجددا في ٧٦، نرى عودةً لمتلازمة ارتخاء ركب النميري، عند الأحداث التي عرفت بالغزو الليبي، حين قامت المعارضة السودانية، بهجوم مسلح على العاصمة، بدعم من النظام الليبي. وخُطط للحركة أن تتزامن مع عودة النميري من رحلة رسمية، لكن وصول طائرة الرئيس بنصف ساعة قبل موعدها الأصلي أنجاه ومن معه من وزراء.
وحين أُعلم النميري بالأحداث من مستقبليه في المطار، أصابه الهلع والتوتر الشديد، وارتخت ركبه كما ترتخي دائما عند الملمات، ولم يكن في ذهنه -كالعادة- إلا سلامته الشخصية، وأُخِذ بسرعة إلى منزل شقيق رئيس جهاز الأمن القومي بالامتداد الجديد بالخرطوم ليختبئ هناك. تاركًا الجميع وراءه، وفيهم ضيفٌ كبير؛ هو مدير عام هيئة اليونسكو. “ومرة أخرى تسلل الرجل لواذا. بقي في منزل بشير حتى سحق الآخرون التمرد وأصبح الرجوع إلى القصر عملًا مأمونا. نعم مرة أخرى اختار القائد أن يلحق العار بشرفه العسكري واختار الاختباء بدلًا من التصدي، مجفلًا من المعركة على شط النيل الشرقي كما أجفل بالفرات بنو نمير.” وبدلا من أن يذهب لمقر القيادة، ليشرف على عملية المقاومة من هناك كما هو مفترضٌ أن يكون فعل القادة.
“رجالة شديدة”.
(يتواصل.)
- صدر الكتاب قبل أيام من سقوط نظام جعفر النميري الدكتاتوري الباغي، وهو تحليل لشخصية النميري، وسرد لأحداث تلك الفترة المظلمة التي ما تزال تداعياتها تؤثر على حيواتنا. أما د. منصور خالد، لمن لا يعرف، هو سياسي سوداني وأحد أهم الرموز في المكتبة السودانية، ولا يمكن تخطي كتابته لكل من أراد التعرف على تاريخ السودان السياسي، خصوصًا الحقبة المايوية.
¹ قصيدة لا تحفروا لي قبرًا، للفيتوري.
KAMAL HAFIZ kamaldxc3@gmail.com
كمال حافظ
