بقلم: هشام الحلو
حين يتصدع الكيان الأبستمولوجي للوطن، وتتحول الجغرافيا من كونها حاضنةً للذاكرة إلى مجرد مسرحٍ عبثي لتناسخ العنف، يفقد التاريخ صوته العالي، ويتحول السرد إلى ما يشبه التشريح الباثولوجي للروح السودانية. هذا ما تنجزه ببراعة مذهلة رواية «حصار الغزالة واو» للروائي مهند رجب الدابي، المتوجة باستحقاق رفيع بجائزة كتارا للرواية العربية (2026)، إذ لا تقف عند حدود التسجيل الصحفي أو التوثيق الفوتوغرافي للمجزرة، بل تغوص في البنيات التحتية للوجع الإنساني حين تنهار عقود الاستقرار في ومضة عين.
ينزاح النص بمعمارية سردية صارمة عن هوس التقاطعات السياسية المباشرة، ليؤسس أطروحته على ثيمة السقوط الكبير؛ سقوط الإمبراطوريات الصغيرة، ويوميات الإنسان العادي الذي وجد نفسه مجرداً من أي دروع واقية أمام هطول الكارثة. تبدأ الأوديسة من شقوق انهيار نظام البشير عبر رمزية “الحاج درديري”، لتستدرجنا إلى المفارقة التراجيدية العميقة المتمثلة في عودة الابنة “وصال” من دبلن، محملةً بحنين جذري مزيف، ومصحوبة بطفلتين غريبتين عن جغرافية الدم واللغة. وهنا تنفتح بوابات الجحيم؛ فالعودة المرجوة تحول رحلتها إلى صندوق باندورا يعيد إنتاج أطياف الشر المطلق، لتجد نفسها في قلب الحرب، مضطرةً إلى الدفاع عن نفسها وطفلتيها في واقع لم تختر أن تكون جزءًا منه، حيث تطبق رحى الحرب الأهلية على العذريات المحلية باسم الهوية والغنيمة.
تتلاقى عوالم الرواية مع ما صرح به الكاتب في حوار قصير أجرته معه مجلة “الترا سودان” الكاتب والروائي المخضرم منصور الصويم، إذ يؤكد الدابي أن الرواية تتناول في جوهرها قصص الحرب، مع التركيز على واقع النساء والأطفال الذين لا يصارعون الرصاص والدانات وحدها من أجل البقاء، بل يواجهون أيضًا الأعراف والتقاليد والنظام الأبوي والاجتماعي المخيف. إنه نظام لا يكترث بنجاة المرأة عاريةً من كل شيء، بقدر ما يحتفي بموتها وهي ترتدي ما يستر عورة موتها، ما يعكس تفكيراً جذرياً لأنطولوجيا العنف التي تتآكل فيها المعايير الأخلاقية الحاكمة للوجود الاجتماعي؛ كالأسرة، والرحمة، والتضامن، لتتلاشى أمام هيمنة الغريزة الحيوانية الصرفة. لا يقدم الكاتب هنا بطولات مزيفة أو طوق نجاة رومانسياً، بل يضع شخوصه —بما في ذلك الرموز التقليدية والاجتماعية— تحت مطرقة التحول القسري والانطواء النفسي دفاعاً عن البقاء العضوي، محولاً القرية إلى مختبر قاسي لاختبار هشاشة القيم أمام هبوب العواصف العبثية.
في قلب هذا المشهد الذكوري المحموم بالبارود والتوحش، ينحاز النص كلياً إلى الجانب الأضعف ظاهرياً والأصلب جوهرياً: الأنثى. يرتكز عنوان الرواية على استعارة عميقة وموجعة؛ فـ«الغزالة واو» ليست سوى تجسيد رمزي لروح المرأة السودانية —وصال ومن معها— وهي تواجه بمفردها صيادي الموت من كافة الميليشيات والأطراف. وبينما يستغرق الرجال في تدمير ما تبقى من شروط العيش، تتكفل المرأة بإعادة تدوير الحياة؛ تطبخ باللاشيء، تداوي بالدموع، وتحتمي بالرموز البسيطة —كأحلام الفتيات المرسومة على الحائط بشمعة خافتة— لتصنع من رماد اليأس جدار صدٍ أخلاقي يحرس ما تبقى من كرامة الإنسان، مهدية هذا الصمود إلى نساء السودان في مختلف أقاليمه؛ في الفاشر ومدني، وسنار والأبيض والخرطوم، وكامتداد جريح لصرخات الأرواح المعلقة على رمال نيالا، ووجع الأسوار المنسية في الضعين والجنينة، حيث تتكسر مرايا الوجود اليومي تحت وطأة الغياب.
إن فوز «حصار الغزالة واو» بجائزة كتارا للرواية العربية لعام 2026، والتي تبلغ قيمتها 30 ألف دولار إلى جانب ترجمة الرواية إلى اللغة الإنجليزية، يفتح للحرب السودانية صوتًا يصل إلى مسافات بعيدة. وفي هذا السياق، يشير الدابي في حواره مع “الترا سودان” إلى أن الترجمة تعيد تقديم الرواية السودانية إلى متلقٍ جديد، وتمنح حكاياتنا فرصة للوصول إلى قراء ربما لا يعرفون ما يجري في السودان، أو لا تصلهم أصوات المتأثرين بالحرب بصورة كافية، فالرواية ليست مجرد حكاية تُروى، بل نافذة على حياة الناس وآلامهم وأسئلتهم.
ولم يسقط المؤلف في فخ النهايات الهوليوودية أو التنفيس العاطفي السهل؛ بل أبقى على جرح السرد مفتوحاً على مصراعيه. فحين تظن “وصال” أنها بلغت بر الأمان النسبي، تصعقها الممرضة التي كانت تداوي جراحها، بسؤال النهاية لتجيبها ببرود قاسي: «لقد بدأت الحرب للتو»، مؤكداً أن التاريخ لا يعيد نفسه فحسب، بل يكرر وجعه بصيغ أكثر رعباً. إن تألق هذه الرواية يعكس انتصاراً للأدب السوداني الرفيع حين يتحول إلى ضمير يقظ يوثق لحظة الانهيار الكلي، ويخلد صمود الروح النسوية في وجه عتمة الطوفان، لتظل الحقيقة الأبدية التي اختصرها الدابي بقوله: “الفوز الأكبر سيكون يوم تنتهي الحرب، حينها تفوز المرأة السودانية، ثم نفوز نحن”.
