نزار عثمان السمندل
تنتهي الحروب في البيانات العسكرية قبل أن تنتهي في الشوارع. يعلن الجيش السوداني استعادة الخرطوم، وتنسحب المعركة من خرائط العمليات، لكن المدينة لا تستعيد لغتها القديمة. فما تزال المركبات المسلحة تجوب الطرقات، وما تزال البنادق تتحدث بصوت أعلى من مؤسسات الدولة. هنا، لا يصبح السؤال من انتصر في الحرب، وإنما: من يملك الحق في حمل السلاح بعد انتهائها؟
ذلك هو الامتحان الحقيقي الذي يقف أمام القيادة العسكرية السودانية. فالانتصار على قوات الدعم السريع، مهما بلغت أهميته، لا يكتمل إذا أنتج واقعاً تتوزع فيه القوة بين جيوش صغيرة، لكل منها قيادتها وحساباتها ومناطق نفوذها. الدولة لا تُقاس بعدد المدن التي تستعيدها، وإنما بقدرتها على استعادة الاحتكار الشرعي للقوة.
خلال أكثر من ثلاث سنوات من القتال، وجد الجيش نفسه مضطراً إلى توسيع دائرة حلفائه. استعان بالقوة المشتركة المنبثقة من حركات دارفور المسلحة، وبقوات درع السودان بقيادة أبو عاقلة كيكل، وبكتيبة البراء بن مالك، وغيرها من التشكيلات التي امتلكت خبرة قتالية وقدرات عسكرية أسهمت في تغيير موازين الحرب. كان ذلك خياراً فرضته ضرورات الميدان، وأسهم في استعادة الخرطوم ومناطق استراتيجية أخرى.
لكن التحالفات التي تولد تحت ضغط المعارك لا تتحول تلقائياً إلى مؤسسات وطنية. فهي تقوم على تقاطع المصالح أكثر مما تقوم على وحدة المشروع. وكلما تراجع الخطر المشترك، بدأت الأسئلة المؤجلة في الظهور. لكل فصيل قيادته، وقواعده، وروايته الخاصة للحرب، وربما تصوره المختلف لما ينبغي أن تكون عليه الدولة بعد الحرب.
هنا يستعيد السودان ذاكرة لا تزال جراحها مفتوحة. ففي مطلع الألفية، استعان نظام عمر البشير بمليشيات الجنجويد لمواجهة تمرد دارفور. كانت المهمة محددة، والتحالف مؤقتاً في ظاهره. لكن القوة التي نشأت على هامش الدولة سرعان ما تمددت داخلها، وتحولت لاحقاً إلى قوات الدعم السريع بقيادة “حميدتي”، قبل أن تصبح نداً للجيش نفسه، وتدخل معه في الحرب التي مزقت البلاد.
هذه التجربة تجعل السودانيين ينظرون بحذر إلى المشهد الحالي. فالخوف لا يتعلق بالأسماء بقدر ما يتعلق بالآلية التي تعيد إنتاج الأزمة. كل قوة مسلحة تُمنح استقلالاً واسعاً، وكل قيادة تمتلك السلاح والموارد والنفوذ خارج المؤسسات، تحمل في داخلها احتمال التحول إلى مركز قرار مواز، حتى لو بدأت حليفاً للدولة.
لهذا يبدو مشهد المسلحين في شوارع الخرطوم أكثر من مجرد بقايا حرب. إنه مؤشر على معركة جديدة تدور بصمت. فالجيش دعا الفصائل إلى مغادرة العاصمة، لكن وجودها الميداني ما يزال قائماً، بما يعكس حجم التعقيد الذي يحيط بأي محاولة لنزع السلاح أو دمج المقاتلين في مؤسسة عسكرية واحدة. بعض هذه القوى يرى أن مشاركته في الحرب تمنحه حقاً سياسياً لا يمكن تجاوزه، وبعضها يخشى أن يفقد نفوذه إذا تخلى عن سلاحه قبل الوصول إلى تسوية شاملة.
وتتجه الأنظار بصورة خاصة إلى شخصيات وقوى بات حضورها العسكري والسياسي يتعاظم، مثل كيكل، أو القوة المشتركة في دارفور، وسط تساؤلات عن طبيعة الدور الذي قد تلعبه في مرحلة ما بعد الحرب.
وقد تبقى هذه السيناريوهات في دائرة الاحتمال، لكنها تستمد مشروعيتها من تاريخ سوداني أثبت أن التحالفات العسكرية المؤقتة قد تتحول إلى أزمات دائمة إذا غابت الدولة القادرة على تنظيم القوة، إذ لا يكفي أن يصمت الرصاص حتى يولد السلام.
السلام الحقيقي يبدأ عندما يصبح السلاح ملكاً للدولة وحدها. وكل ما عدا ذلك ليس نهاية للحرب، وإنما هدنة مؤقتة تنتظر من يطلق الرصاصة الأولى.
