تعقيب على مقال الأستاذ عاطف عبد الله
أتفق مع الأستاذ عاطف عبد الله فى العديد من القضايا المطروحة فى مقاله الذى جاء فى معرض تعقيبه على ما كتبت، بيد انى اسجل إختلافى معه فى حقيقة أن نقده ل«تأسيس» لا يبرر عدم الحوار معها.
رفض التحالف موقف سياسي مشروع، لكن رفض الحوار يحتاج إلى مبرر مختلف.
فالحوار لا يعني الاتفاق، ولا يمنح الشرعية، ولا يلزم صاحبها بالتحالف. وظيفته الأساسية هي اختبار المواقف والحجج ومحاولة التأثير في الطرف الآخر.
وهنا تحديداً تكمن أهمية ما يمكن أن نسميه التواصل العقلاني: أن ندخل في الحوار مع المختلف باعتباره خصماً سياسياً يمكن مساءلته والتأثير عليه، لا باعتباره عدواً يجب استبعاده قبل أن يبدأ الحوار.
أسمرا: هل السلاح يلغي السياسة؟
عندما نستعيد تجربة مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية عام 1995، لا يعني ذلك أننا نريد تكرارها اليوم، وإنما أن نتذكر أن القوى السياسية السودانية لم تعتبر وجود السلاح سبباً كافياً لإلغاء التعامل السياسي مع حامليه.
لقد قبلت آنذاك مبدأ «الانتفاضة الشعبية المحمية بالسلاح» في مواجهة نظام شمولي.
وهذا يكشف أن الموقف من السلاح ليس معياراً أخلاقياً ثابتاً خارج التاريخ والسياسة.
السؤال الأهم هو: لماذا يُستخدم السلاح؟ وما الغاية منه؟ وما المشروع السياسي الذي يقف وراءه؟
ومن هنا لا يمكن أن يكون مجرد ارتباط «تأسيس» بقوة مسلحة سبباً كافياً لإغلاق باب الحوار معها.
الحوار هو وسيلة لاختبار «تأسيس»
يطرح الأستاذ عاطف سؤالاً مهماً حول قدرة القيادة السياسية لـ«تأسيس» على التأثير في القوة العسكرية المرتبطة بها.
لكن إذا كانت هذه القدرة موضع شك، فإن الحل ليس بالضرورة رفض الحوار، بل استخدام الحوار لاختبار هذه القدرة.
يمكن للقوى المدنية أن تقول لـ«تأسيس»: نريد موقفاً واضحاً من حماية المدنيين، ووقف إطلاق النار، ورفض الانتهاكات، ووحدة السودان، وقيام جيش مهني واحد.
ثم نراقب الأفعال.
إذا عجزت «تأسيس» عن تحويل خطابها إلى مواقف عملية، يصبح لدينا أساس أقوى لنقدها.
أما أن نحكم مسبقاً بأن الحوار غير مجدٍ لأن قدرتها على التأثير غير مؤكدة، فهذا يعني أننا استبدلنا اختبار الفرضية بالحكم عليها مسبقاً.
لكن أين المعيار الواحد؟
هنا تكمن المسألة الأكثر أهمية.
إذا كان ضعف السيطرة على القوة المسلحة سبباً لرفض الحوار مع «تأسيس»، فينبغي تطبيق المعيار نفسه على القوى المدنية التي تتعامل مع قيادة الجيش.
هل تستطيع تلك القوى ضمان قرارات الجيش؟
هل تستطيع منع الانتهاكات؟
إذا كانت الإجابة لا، فلماذا يصبح غياب السيطرة مشكلة عندما يتعلق الأمر بـ«تأسيس»، ولا يصبح كذلك عندما يتعلق الأمر بالطرف الآخر؟
هنا تظهر ازدواجية المعايير.
التواصل العقلاني يفترض أن نضع معياراً واحداً أمام الجميع:
لا للحكم العسكري،
لا للدولة الدينية،
لا لتعدد الجيوش،
لا لانتهاكات المدنيين،
ولا لتقسيم السودان.
ومن يقبل هذه المبادئ يمكن الحوار معه، ومن يرفضها نختلف معه ونقاوم مشروعه سياسياً.
الحكومة الموازية: نرفضها، لكن لا نقاطع أصحابها
إعلان «تأسيس» عن حكومة موازية يستحق النقد الجاد، خصوصاً إذا كان يهدد وحدة الدولة ويكرس واقعاً موازياً.
لكن يجب ألا نخلط بين رفض الفكرة ورفض الحوار مع أصحابها.
إذا كنا نخشى تقسيم السودان، فإن الحوار مع القوى التي يمكن أن تؤثر في هذا المسار يصبح أكثر أهمية.
يمكن أن نرفض الحكومة الموازية بوضوح، وفي الوقت نفسه نقول:
نرفض تقسيم السودان، لكننا مستعدون للحوار حول إنهاء الحرب وبناء دولة مدنية موحدة.
هذا ليس تناقضاً.
بل هو بالضبط معنى التواصل السياسي: أن نحافظ على مواقفنا ومبادئنا، وفي الوقت نفسه لا نغلق الباب أمام إمكانية تغيير مواقف الآخرين
التواصل العقلاني لا يعني الحياد
وهنا ربما يكون الخلاف أعمق من مسألة «تأسيس».
التواصل العقلاني لا يعني أن نساوي بين جميع الأطراف، ولا أن نتجاهل الانتهاكات، ولا أن نتخلى عن الحكم الأخلاقي والسياسي.
إنه يعني ببساطة ألا نجعل الاختلاف سبباً كافياً لإلغاء إمكانية التواصل.
فإذا كنا لا نحاور إلا من نتفق معهم، فنحن لا نمارس حواراً حقيقياً، بل نتبادل التأييد.
الحوار الحقيقي يبدأ عندما نواجه من نختلف معه، ونضع أمامه حججنا وشروطنا، ونطالبه بتبرير مواقفه، ثم نحكم على النتائج.
وهذا هو الفارق بين التواصل بوصفه أداة سياسية، والتواصل بوصفه مجرد مجاملة بين المتفقين.
منطق هابرماس في السياق السوداني
الفكرة الأساسية عند هابرماس أن التواصل لا يكتسب قيمته من اتفاق الأطراف مسبقاً، وإنما من إتاحة المجال أمام الحجج والمواقف لكي تُختبر في فضاء تواصلي يسمح بالمراجعة والنقد.
وبالطبع، لا يمكن نقل هذا التصور الفلسفي حرفياً إلى واقع حرب مثل السودان.
لكن يمكن الاستفادة من مبدئه الأساسي:
لا نحتاج إلى الاتفاق لكي نبدأ الحوار؛ نحتاج إلى الحوار لكي نختبر إمكانية الاتفاق.
ومن هذه الزاوية، فإن عزل طرف سياسي مسبقاً بسبب ارتباطه بطرف مسلح قد يكون عكس المطلوب تماماً.
فبدلاً من أن نسأل: «هل يستحق هذا الطرف الحوار؟»، يمكن أن نسأل:
ماذا يمكن أن ننتزع منه عبر الحوار؟
هل يمكن دفعه إلى موقف أكثر وضوحاً تجاه حماية المدنيين؟
هل يمكن التأثير في موقفه من وحدة السودان؟
هل يمكن دفعه نحو قبول جيش مهني واحد؟
هل يمكن اختبار مدى استقلال قراره السياسي عن القوة العسكرية؟
هذه أسئلة سياسية عملية، وليست دعوة إلى التحالف.
الواقعية ليست الاستسلام للواقع
قد يقول البعض إن السياسة تحكمها موازين القوى، وإن الحوار مع طرف لا يملك السيطرة الكاملة على الأرض قد يكون قليل الجدوى.
لكن الواقعية السياسية لا تعني فقط التعامل مع الواقع كما هو، وإنما البحث عن الوسائل التي يمكن أن تغير الواقع.
القوة العسكرية تستطيع فرض واقع ميداني، لكنها لا تستطيع وحدها إنتاج مشروع سياسي مستدام.
أما القوى المدنية، فميزتها الأساسية ليست امتلاك السلاح، وإنما قدرتها على إنتاج مشروع سياسي يتجاوز أطراف الحرب.
ولهذا فإن دورها ليس أن تصبح طرفاً ثالثاً في الحرب، وإنما أن تستخدم وزنها السياسي للتأثير على جميع الأطراف.
أنا لا أدافع عن «تأسيس»، ولا عن الدعم السريع، ولا عن الحكومة الموازية.
أنا أدافع عن مبدأ أبسط:
لا تجعلوا الاختلاف سبباً لإلغاء الحوار، ولا تجعلوا الحوار سبباً للتحالف.
يمكن أن نرفض «تأسيس» سياسياً، وننتقد ممارساتها، ونرفض الحكومة الموازية، وفي الوقت نفسه نتحاور معها.
ويمكن نظريا أن نتحاور مع الجيش دون أن نقبل الحكم العسكري.
ويمكن أن نتحاور مع الإسلاميين دون أن نقبل الدولة الدينية. لكن بعد كل ماشهدناه من ممارسات قيادة الجيش التى استهدفت إعادة النظام القديم الى احتكار السلطة وادعاء غير ذلك أمر يؤكد ان لقيادة الجيش اجندة غير معلنة وغير جادة فيما تعلنه.
المعيار يجب أن يكون واحداً.
حوار بلا تحالف،
تواصل بلا تبعية،
نقد بلا شيطنة،
ومعيار واحد لجميع الأطراف.
لذلك فإن السؤال الأهم ليس: هل نحب «تأسيس» أم نكرهها؟
ولا حتى: هل نتحالف معها أم لا؟
السؤال هو:
هل نملك الشجاعة السياسية للتواصل مع من نختلف معهم، ومحاولة تغيير مواقفهم، ثم الحكم عليهم من خلال ما يقولون ويفعلون؟
إذا كنا نريد فعلاً إنهاء الحرب وبناء دولة مدنية ديمقراطية موحدة، فلا ينبغي أن يكون هدفنا اختيار الطرف الذي نتحالف معه داخل الحرب، وإنما خلق شروط الخروج من منطق الحرب نفسه.
وهنا يصبح التواصل العقلاني ليس ترفاً فكرياً، وإنما ضرورة سياسية.
الحوار السوداني السوداني: كيف يمكن أن يبدأ؟
إن لجنة الحوار السوداني التي اقترحها البرهان قد تكون مناورة جديدة من الحركة الإسلامية للعودة إلى السلطة وشرعنة تلك العودة. ويبدو ان الشخصيات التى قبلت ترشيح اابرهان لها فى لجنة الحوار قد تقمصتها روح هيجيلبة نقيضة حينما توهمت ان جيش الحركة الاسلامية جاد فى الحوار من اجل وقف الحرب بينما هو من اشعلها!. Negotiating in bad faith
وفي المقابل، أرى أن الخروج العملي من الحرب يمكن أن يبدأ بحوار بين «تأسيس» و«صمود»، ثم يتوسع ليشمل قوى وجماعات وطنية أخرى.
ولا يشترط أن يبدأ الحوار بمؤتمرات كبيرة أو مفاوضات رسمية، بل يمكن أن يكون غير رسمي وسرياً، لتوفير مساحة آمنة للحديث بصراحة وكسر الحواجز وبناء الثقة. ومن الأفضل أن يقوده أشخاص وطنيون يحظون باحترام الأطراف، ويعملون كميسّرين لا كممثلين لأي جهة.
ينبغي أن يبدأ الحوار بمحاولة فهم الآخر، لا بإقناعه، لأن كثيراً من مواقفنا قد تقوم على صور ذهنية أو سوء فهم. وهذا لا يعني التخلي عن المواقف أو تجاهل الانتهاكات، بل التمييز بين الحقائق والاعتقادات والتصورات.
الهدف الأول ليس الوصول إلى اتفاق شامل، وإنما بناء فهم متبادل، ثم الانتقال تدريجياً إلى القضايا الأساسية، مثل وقف الحرب، حماية المدنيين، وحدة السودان، مستقبل القوات المسلحة، وشكل الدولة المدنية الديمقراطية.
فالحوار لا يبدأ بعد الثقة، بل قد يكون وسيلة لاختبار إمكانية بنائها. وقد لا ينتهي باتفاق، لكنه يساعد الخصوم على رؤية بعضهم كما هم، لا كما تصوّرهم الصور المتبادلة perceptions ، ومن هنا يمكن أن يبدأ ردم الهوة.
طلعت محمد الطيب
