بأيديهم كتبوا: الكيزان في قائمة الإرهاب

أواب عزام البوشي

عندما تُكتب سيرة الأمم، لا تُحفظ أسماء الجماعات في صفحات التاريخ بحسب شعاراتها أو ادعاءاتها، بل بحسب ما تركته من أثر في حياة الناس. فالتاريخ لا يُصنّف البشر وفق ما قالوه عن أنفسهم، بل وفق ما فعلوه بأوطانهم وشعوبهم. وفي الحالة السودانية، تبدو قصة “الكيزان” مثالاً صارخاً لجماعة اختارت بنفسها الطريق الذي قادها إلى قوائم الإرهاب الدولية؛ لا ظلماً من العالم، ولا مؤامرةً من الخارج، بل نتيجةً طبيعية لمسار طويل من الخيارات التي صاغوها بأيديهم.

لقد أرادوا أن يكونوا في القمة، لكنهم أخطأوا فهم معنى القمة. فالقمة الحقيقية لا تُبنى على جماجم الشعوب ولا على قمعها، بل تُبنى على رضا الناس وثقتهم. غير أن هذه الجماعة اختارت طريقاً آخر، طريقاً تشكلت ملامحه من العنف والإقصاء وإغلاق المجال العام. ومع مرور السنوات، لم يكن إدراجهم في قوائم الإرهاب سوى النتيجة المنطقية لمسارٍ سياسيٍ لم يعرف غير أدوات الصراع والتغليب، بدلاً من أدوات الدولة والبناء.

لم يكن السودان، في نظرهم، وطناً يُبنى بجهد أبنائه، بل مساحة تُدار بمنطق الغلبة. ولم يكن المواطن السوداني شريكاً في المشروع الوطني، بل مجرد تابع في معادلة السلطة. وهكذا تحولت الدولة، في ظل هذا المنهج، من مؤسسة لخدمة الإنسان إلى أداة لإخضاعه. ومع توسع علاقاتهم الخارجية، لم يبحثوا عن شركاء في التنمية أو حلفاء في الاستقرار، بل انجذبوا إلى دوائر معزولة دولياً، ارتبطت أسماؤها بالعنف والتنظيمات المتطرفة، فدفع السودان بأكمله ثمن تلك الاختيارات لعقود طويلة.
ولو توقفنا للحظة أمام السؤال الافتراضي البسيط: ماذا لو اختارت هذه الجماعة طريقاً آخر؟ ماذا لو استثمرت الفرصة التاريخية التي أُتيحت لها لبناء الدولة بدلاً من السيطرة عليها؟ ماذا لو توجهت لبناء المدارس والمستشفيات، وتطوير البنية التحتية، والاهتمام بالتعليم والصحة، بدلاً من إشعال الحروب الداخلية التي استنزفت البلاد والعباد؟ لو فعلوا ذلك، لربما حكموا السودان لعقود طويلة بقلوب الناس قبل أصواتهم.

فالشعوب بطبيعتها تنحاز لمن يخدمها، والتاريخ يميل إلى من يبني لا إلى من يهدم.

كان بإمكانهم أن يتركوا أثراً مختلفاً تماماً في ذاكرة الوطن، وأن يُذكروا كبناة دولة لا كصنّاع أزمات. وكان بإمكان السودان، بما يمتلكه من موارد بشرية وطبيعية، أن يكون نموذجاً للاستقرار والتنمية في المنطقة، لا بلداً يثقل اسمه في التقارير الدولية المرتبطة بالإرهاب والعزلة السياسية.

والمفارقة الأكثر إيلاماً أن هذه التجربة ارتبطت بخطاب ديني ظل يرفع شعارات الإسلام. لكن الإسلام، في جوهره، دين رحمة وعدل وبناء. دينٌ يدعو إلى عمارة الأرض، لا إلى تمزيق المجتمعات. ولذلك يبدو التناقض صارخاً حين تتحول جماعة تتحدث باسم الدين إلى عامل انقسام في المجتمع، وإلى مصدر صراعات وحروب واستقطاب دموي. فبدلاً من أن يكون الدين جسراً للوحدة، تحول في تجربتهم إلى أداة للصراع السياسي، وإلى غطاءٍ لممارسات عمّقت جراح الوطن.

لهذا لم يكن ما حدث مجرد تصنيف دولي بارد، بل انعكاساً لمسارٍ كامل من الخيارات السياسية والفكرية. فالتاريخ، في نهاية المطاف، لا يُكتب بالخطابات بل بالنتائج. وما حدث هو أن هذه الجماعة كتبت بنفسها موقعها في السردية السودانية الحديثة، واختارت مكانها في قوائم الإرهاب بقدر ما اختارت مكانها في ذاكرة السودانيين.

ويبقى الوطن أكبر من الجماعات، وأبقى من المشاريع الضيقة. ويبقى الإنسان السوداني، الذي تحمل سنوات طويلة من الأزمات والحروب، يستحق مستقبلاً مختلفاً؛ مستقبلاً تُبنى فيه الدولة على قيم العدالة والحرية والكرامة، بعيداً عن المشاريع التي لا تورث البلاد سوى العزلة والانقسام والدماء.

awabazzam456@gmail.com

عن أواب عزام البوشي

أواب عزام البوشي

شاهد أيضاً

من يملك حق التحدث باسم السودان؟ احتكار الوطنية وصراع الخطاب السياسي

📝 أواب عزام البوشي تنشط بعض المنصات الإعلامية المرتبطة بـ الحركة الإسلامية السودانية في ترويج …