🖊بقلم/ محمد عبدالرحيم أبوه
حين كانت بلادنا محاطة بالحروب، لم نملك ترف الدول الغنية ولا حصانة الدول المستقرة، لكننا امتلكنا ما هو أندر من المال : إنسانية لم تغلقها الحدود. أستقبل السودان الإثيوبي والإريتري والمصري والسوري وغيرهم، لا كأعباء أو مخاطر، بل كبشر دفعتهم الحروب إلى الفرار. لم نسأل يومها : ماذا سنجني منهم ؟ فمن يفر من الموت لا يحتاج إلى مرافعة تبرر حقه في النجاة، ومن تهدم بيته لا ينبغي أن يستقبل عند الحدود كمتهم. لم يكن السودان غنيًا، لكنه كان كريمًا، ولم يكن مستقرًا، لكنه كان مأوى. وتلك ليست أسطورة لتجميل الماضي، بل صفحة من تاريخ المنطقة. والمفارقة اليوم أن من عرفوا بالأمس معنى اللجوء، بات بعضهم يتعامل مع السوداني الهارب من الحرب كعبء ينبغي دفعه بعيدًا، لا كإنسان تستوجب مأساته النجدة وتصان كرامته. لقد تبدلت المواقع، لكن الإنسان لم يتبدل؛ فالنازح ليس رقمًا ولا ملفًا أمنيًا، بل إنسان يبحث عن مكان آمن لا يُساوم فيه على نجاته ولا تنتقص فيه كرامته.
وحين أصبح السوداني هو اللاجئ، انكشفت حقيقة كانت تختبئ خلف شعارات الجوار والأخوة والتضامن، فمن كان يُستقبل بالأمس باسم الإنسانية، صار اليوم يُقابل باللوائح والتأشيرات والإقامات وحسابات الكلفة والمخاوف الأمنية. وصار السؤال : كم عدد السودانيين ؟ يسبق السؤال الأهم : ماذا فعلت بهم الحرب ؟ هنا يصبح الغضب مشروعًا، لأن السياسة لا تقاس بما تقوله الحكومات في المؤتمرات، بل بما تفعله حين يقف المنكوب على أبوابها. نحن لا نرفض سيادة الدول ولا حقها في حماية أمنها وتنظيم حدودها، لكننا نرفض أن تتحول السيادة إلى ستار للقسوة، وأن تصبح القوانين أداة لتجريد اللاجئ من إنسانيته. فالسوداني الذي خرج تحت القصف لم يصنع الحرب، ولم يختر المنفى، ولم يحمل معه سوى ما نجا به من حياته، ومع ذلك يطلب منه أحيانًا أن يدفع ثمن حرب لم يبدأها مرتين : مرة حين فقد وطنه، ومرة حين يقف على أبواب الآخرين ليعامل كعبء. والأسوأ أن يتحول الإنسان إلى رقم وإلى ملف، والمأساة إلى حسابات اقتصادية وأمنية، بينما خلف كل رقم أسرة اقتلعت من جذورها، وأم تركت بيتها، وطفل لا يفهم لماذا أصبح فجأة أجنبيًا. لذلك فالقضية ليست هجرة فحسب، بل امتحان للأخلاق السياسية وصدق التضامن، فالقيم لا تختبر حين تكون بلا كلفة، وإنما حين يطرق المنكوب أبوابنا طالبًا شيئًا من الأمان.
ولا نحتاج إلى تعميم الغضب على الشعوب، فذلك ظلم لا يشبه السودان ولا أهله، فقد فتح كثيرون بيوتهم، وتقاسموا ما لديهم، ووقفوا إلى جانب السودانيين في محنتهم، وهي مواقف تحفظ في الذاكرة ولا تنكر. لكن الامتنان للشعوب لا يمنح الحكومات حصانة أخلاقية، واحترام الأفراد لا يعني الصمت عن السياسات، فمن حقنا أن نسأل : أين الجوار حين يصبح الجار هو المنكوب ؟ وأين الأخوة حين يصبح السوداني هو المحتاج إلى الحماية ؟ وأين تذهب شعارات المصير المشترك حين يتحول اللاجئ إلى ملف أمني ؟ نحن لا نطلب منة ولا صدقة سياسية، ولا نحول ما قدمه السودان للآخرين إلى دين مستحق، لكننا نرفض أن تمحى الذاكرة أو يجرم النقد، فالذاكرة ليست ابتزازًا، واستحضار التاريخ ليس خصومة، والنقد ليس كراهية. والمشكلة ليست في القانون حين يكون منصفًا، بل في اللحظة التي يستدعى فيها القانون ليستر غياب الرحمة، فالدولة التي تحسن حراسة حدودها ولا تحسن صون الإنسان قد تنجح في إدارة الجغرافيا، لكنها تخفق في إمتحان التاريخ.
ولهذا، لا يحتاج السودانيون اليوم إلى خطاب توسل، بل إلى خطاب كرامة، لا نطلب امتيازًا ولا منة، ولا حدودًا بلا ضوابط، وإنما نطلب ألا يعاقب الإنسان لأنه سوداني، وألا تختزل مأساته في جنسيته أو يختزل اللاجئ في رقم اقتصادي أو هاجس أمني. فالحرب لا تهدم الأوطان وحدها، بل تعيد ترتيب مواقع البشر أمام الأبواب، فمن كان يفتح المأوى بالأمس قد يجد نفسه اليوم طالبًا له. وهنا يحق لنا أن نسأل: إذا كانت الإنسانية مبدأً، فلماذا تتبدل بتبدل الجنسية ؟ وإذا كان الجوار أخوة، فلماذا تصبح الأخوة عبئًا حين يأتي دور الأخ في طلب النجدة ؟ نحن لا نريد انتقامًا ولا رد القسوة بالقسوة، لكننا نرفض أن نمحى ذاكرة السودان الإنسانية لمجرد أن موازين القوة تبدلت. فقد كان السودان مأوى للآخرين في أزمنة لم يكن فيها قادرًا على أن يكون مأوى لنفسه، وتلك حقيقة لا تحتاج إلى تصفيق. واليوم، حين يقف السوداني على عتبة العالم بلا نفوذ ولا ثروة، يصبح الامتحان امتحانًا لمن يقف خلف الأبواب، فالتاريخ لا يحفظ ما قيل عن الإنسانية، بل ما فعل حين جاء المنكوب خالي اليدين، ولم يكن يملك سوى إنسانيته. عندها يسقط القناع : فإما أن تكون الإنسانية مبدأً ثابتًا، وإما أن تكون ترفًا تمارسه الدول حين توافق مصالحها.
abohmohammed123@gmail.com
