بشرى الفاضل: الاستلهام من معاني الحرية، والحداثة، والتراث

صلاح شعيب
في بداياتِ التسعينات التقيته في رحلة ثقافية جمعتنا إلى مدينة الدامر لحضور مهرجان العنادل السنوي. تلك الرحلة ضمت أكابرَ المبدعين – من بينهم مصطفى سند، وخورشيد، ومحيي الدين فارس، وخليل عبدالله الحاج، ومهدي محمد سعيد، ويحيي فضل الله، والسر السيد، وآخرون. في تلك الفترة كانت “حكاية البنت التي طارت عصافيرها” قد خلقت مساحة كبيرة من الترحيب، والنقد، وشكلت إضافة معتبرة لمجهودات كتاب القصة السودانيين.
وبعد هذه السنوات من العطاء الأدبي أوجد بشرى لنفسه مكاناً علياً في المشهد الثقافي، وصار رمزاً مهماً في حركة الحداثة الإبداعية السودانية. وظلت مساهماته المتصلة لما يقارب نصف قرن في حقول الأدب، والكتابة الدرامية، والنقدية، مثيرة للجدل، وغنية بالرمز، والتجديد في الأسلوب. فضلاً عن ذلك عُرف بدوره كمبدع نصير للتيار النضالي وسط المشهد الثقافي لتوطين الحرية، والديمقراطية. ويأتي تكريمُ الجالية السودانية لبشرى في تورنتو بكندا في الثاني من مايو الجاري عرفاناً بما قدم من عطاء فني ثر جعله في مقدمة المبدعين الطليعيين في بلادنا.
ولد بشرى الفاضل بخيت في قرية أرقي الواقعة شرقي الدبة، في شمالي السودان، عام 1952. ونشأ أديبنا المتميز في القرية، ولاحقاً عاش في ولاية الجزيرة بقرية “ود البر الخوالدة”. درس المرحلة الأولية بمدرسة “ود رحمة”، ثم انتقل إلى المرحلة المتوسطة بمدرسة “المدينة عرب” بالجزيرة. هناك في حنتوب الثانوية بدأ كتابة الشعر، وسرعان ما فاز بجائزة الشعراء الشباب التي نظمتها المدرسة. كذلك انضم إلى مجموعة طلائع الهدهد بقيادة أستاذه آنذاك التشكيلي الراحل عبدالله بولا. في المدينة عرب الوسطى زامل الشاعر محجوب شريف، الذي كان في الصف الرابع بينما كان بشرى في الصف الأول. والشاعر الراحل محمد طه القدال كان من مجايليه، إذ يتقدمه بشرى بعام دراسي في مدرسة حنتوب الثانوية.
-٢-
التحق بشرى بكلية الآداب في جامعة الخرطوم عام 1971، والتي فيها نال البكالوريوس، ثم حصل على الماجستير في علم اللغة الروسية في ليننغراد فيما حصل على الدكتوراة في موسكو في ذات التخصص. وحين عاد إلى السودان عمل أستاذاً بجامعة الخرطوم في عام 1985 محاضراً، وترقى أستاذاً مساعداً إلى أن أحيل إلى الصالح العام في يونيو عام 1992، حيث فُصل مع عدد من الطلاب والأساتذة في أعقاب احتجاجات على انقلاب الحركة الإسلامية عام 1989. انتقل بعدها للعمل باحثاً، ومترجماً، ومحرراً، بمؤسسة المدينة للصحافة والنشر في جدة بالمملكة العربية السعودية. كذلك انضم لعضوية اللجنة التنفيذية لاتحاد الكتاب السودانيين الذي تم حله بعد انقلاب الحركة الإسلامية في يونيو 1989.
النتاج الأدبي لبشرى الفاضل غزير فكتب رواية “سيمفونية الجراد” في عام 2016، و”تعيسة” عام 2016. ومن المجموعات القصصية لديه – “حكاية البنت التي طارت عصافيرها” 1990، و”أزرق اليمامة” عام 1994، وفزيولوجيا الطفابيع” 2007، و”فوق سماء بندر” عام 2013، و”أشرقت في ظلام” و”ستاة وتلي”.
وفي مجال الشعر أصدر ديواني “قصائد في الظل”، و”هضلبيم – عن الأنهار وضفافها” 2013 عن دار “مدارات” السودانية، وتضم مجمل أشعاره بالفصحى من أيام الجامعة،
كذلك عرف د بشرى الفاضل كاتباً في الملاحق الثقافية فأصدر “كتاب تضاريس” الذي يضم مقالات في النقد الأدبي عام 2016.
-٣-
وكذلك قدم مساهمة في أدب الأطفال فأصدر – “الحصان الطائر” قصص أطفال” وظهور السندباد، مسلسل للأطفال عام 2013، وفي مجال الأعمال التلفزيونية قدم مسلسل “حوش ناس عجبنا” لتلفزيون السودان القومي عام 1988، ومسلسل “طلعت القمرا” من ثلاثين حلقة للقنوات السودانية عام 2009.
ونتيجة لإبداعيته المشهودة نال عدداً من الجوائز، والتكريم.
ففي عام 1988 فاز عمل “حوش ناس عجبنا” في مسابقة للمسلسلات التلفزيونية. وفي عام 2011/2012 فازت مجموعته القصصية “فوق سماء البندر” بالجائزة الأولى للقصة القصيرة في “جائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي”. وفي عام 2017 نال “جائزة كين للكتابة الأفريقية” عن قصته “حكاية البنت التي طارت عصافيرها”. وتعد جائزة كين من أرفع الجوائز الأدبية، وتُعرف باسم “البوكر الأفريقي”.
ارتبط الشاعر بشرى الفاضل بعدد من الفنانين، إذ غنى مصطفى سيد أحمد من أعماله اربعة أعمال من ضمنها “الجبال قالت غروب” و”متخبية وشايفنك” و”نفسي في داخلك أعاين” و”إنسان عجيب الزاوية”. أبو عركي غنى له “بنو السودان” و”الفرح الدخلتيهو علي”. أما الموصلي فغنى من أعمال بشرى “إلى داري”. وكان من نصيب سيف الجامعة “الرياحين” وأغنية أخرى. كذلك قدم له الفنان طارق أبو عبيدة “ضامي حزني علي قليبي ومترمي”.
المشروع الإبداعي المتنوع لبشرى – وهو بهذا الإثمار الغني –
ظل متصلاً بمحور هموماته الثقافية لنشر الاستنارة، وتناول القضايا المستعصية المرتبطة بطبيعة الوجود السوداني في جوانبه السياسية، والاجتماعية، والثقافية. ويقول عنه زميله المبدع يحيي فضل الله: “عالم القاص بشرى الفاضل عالم يختلط فيه الواقع بالفنتازيا الشاعرية، بالكلام المجرد. يضج هذا العالم بكل التفاصيل الدقيقة و من خلال هذه الضجة يصلنا صوت القاص متمكناً من أدواته، و يجعلنا نفرح بهذا الخيال الممتع”.
وهكذا هو بشرى ذو القدرة على استيلاد العناوين المدهشة لإعماله الإبداعية، والتي تتراوح بين الغرابة، واللغة الشاعرية. بل إن هذه الميزات تنتقل للعبارات التي يحيك بها قصته، وروايته، وقصيده.
عند غربته في كندا ما يزال د. بشرى حريصاً على شحذ وجوده بالكتابة، والتواصل مع قرائه، وأصدقائه، السودانيين حول العالم. وبروحه الآملة في غدٍ زاهر – رغم تحولات الحرب التعيسة – لم تنطفيء جذوة حلم بشرى في العودة إلى الوطن، والذي يرى أنه سيخرج من صراعه الوجودي مثل طائر الفينيق الذي يخرج من رماد جسده المحترق.

عن صلاح شعيب

صلاح شعيب

شاهد أيضاً

لماذا فشلت مواكب الثلاثاء في محو ثورة ديسمبر؟

رغم قدرة الحركة الإسلامية في التحشيد الجماهيري والإعلامي لعضويتها ما قبل – وبعد الحرب – …