علاء خيراوي
■ منذ أن أصبحت نيويورك مقراً للأمم المتحدة عام ١٩٤٧، نشأ التزام قانوني واضح على الولايات المتحدة، بوصفها الدولة المضيفة، بألا تضع عراقيل أمام وصول ممثلي الدول إلى المنظمة الدولية. المواد ١١ و١٢ و١٣ من اتفاق المقر تؤكد هذا الالتزام، وتجعله قائماً بصرف النظر عن طبيعة العلاقات السياسية بين واشنطن والدولة المعنية. لكن الكونغرس الأمريكي، عندما أجاز تنفيذ الاتفاق عبر القانون العام رقم ٣٥٧ (Public Law 357)، أدرج في المادة السادسة نصاً يحتفظ للولايات المتحدة بحق حماية أمنها والسيطرة على دخول الأجانب إلى أراضيها، مع استثناء منطقة مقر الأمم المتحدة ومحيطها والممرات اللازمة للوصول إليها. ومن هنا بدأ خلاف قانوني عمره نحو ثمانين عاماً؛ واشنطن ترى أن اعتبارات الأمن القومي تسمح لها، في حالات محدودة، بالمنع، بينما لم تقبل الأمم المتحدة أن يتحول هذا التحفظ الأمريكي إلى سلطة مطلقة تخول الدولة المضيفة اختيار من يدخل إلى المنظمة ومن لا يدخل. وحتى الوثائق الأمريكية الداخلية في الخمسينيات تكشف أن قانونيي الخارجية كانوا يدركون أن تفسير واشنطن للمادة السادسة قابل للطعن، وأن المسألة لم تكن محسومة قانونياً منذ البداية.
■ أما السجل التاريخي، فيفرض التمييز بين الرفض الرسمي وبين مجرد التأخير أو عدم إصدار التأشيرة. ففي ١٩٥٢ رفضت واشنطن رسمياً تأشيرة الدبلوماسي التشيكوسلوفاكي ييري ستاري (Jiri Stary)، واتهمته بممارسة نشاط تجسسي خلال إقامته السابقة في الولايات المتحدة، واستندت صراحة إلى المادة السادسة؛ وقد رد الأمين العام بأن الجمعية العامة لم تعتمد هذا التحفظ ولم تقبله باعتباره تعديلاً لاتفاق المقر. وفي ١٩٥٣ رفضت الولايات المتحدة طلبَي التأشيرة المقدمين من مارغريت راي لوكوك، ويان ديساو (Margarette Rae Luckock وJan Dessau)، ممثلي منظمتين غير حكوميتين تتمتعان بوضع استشاري لدى الأمم المتحدة، وقال ممثلها في المجلس الاقتصادي والاجتماعي صراحة إن الحكومة استندت إلى حق حماية الأمن الوارد في المادة السادسة. أما ديساو فقد حصل لاحقاً على تأشيرة في طلب لاحق عام ١٩٥٤، ولذلك يجب ألا يُفهم رفض ١٩٥٣ باعتباره حظراً دائماً عليه. وفي ١٩٥٤ رفضت واشنطن أيضاً تأشيرة الإيراني إيراج إسكندري (Iradj Eskandary)، الذي قالت إنه أُدين بالمشاركة في مؤامرة لاغتيال شاه إيران؛ وهذه حالة رفض رسمي موثقة في محاضر المجلس الاقتصادي والاجتماعي. ثم قالت الولايات المتحدة أمام لجنة الدولة المضيفة عام ١٩٨٨ إنها رفضت أيضاً، خلال أعوام ١٩٨١ إلى ١٩٨٨، دخول عدد من الإيرانيين المرتبطين بأزمة احتجاز الرهائن الأمريكيين؛ لكن الأسماء والتفاصيل الكاملة لهذه الحالات ليست جميعها منشورة، كما أن الادعاء الأمريكي بأن الأمم المتحدة “وافقت” على تلك الممارسة ظل موضع خلاف.
■ أما السابقة الأشهر فكانت ياسر عرفات عام ١٩٨٨؛ وهنا نحن أمام رفض رسمي ومعلن لا لبس فيه. فقد قررت إدارة رونالد ريغان رفض تأشيرته لحضور الجمعية العامة وربطت القرار باعتبارات الإرهاب والأمن القومي. اعترض المستشار القانوني للأمم المتحدة، ورأى أن الطلب يخضع مباشرة للمواد ١١ و١٢ و١٣ من اتفاق المقر وأن واشنطن ملزمة بالسماح له بالحضور، كما طالبت الجمعية العامة الولايات المتحدة بالتراجع. وعندما أصرت واشنطن على قرارها، نُقلت مناقشة القضية الفلسطينية إلى جنيف حتى يتمكن عرفات من مخاطبة الجمعية. وفي ٢٠١٠ لدينا أيضاً رفض رسمي موثق لنائب وزير الخارجية الإيراني محمد مهدي أخوندزاده بستي؛ فقد أبلغت الولايات المتحدة لجنة الدولة المضيفة بأن طلبه رُفض على أعلى المستويات بسبب اعتبارات تتعلق بالأمن القومي، مع أن طلبات سابقة له كانت قد ظلت معلقة لفترات طويلة قبل أن يتحول الأمر إلى رفض صريح. وفي ٢٠١٤ كانت حالة حميد أبوطالبي أوضح؛ إذ أعلنت الخارجية الأمريكية للأمم المتحدة وإيران صراحة أنها لن تمنحه التأشيرة بسبب ارتباطه التاريخي بأزمة احتجاز السفارة الأمريكية في طهران، ثم أقر الكونغرس تشريعاً يتعلق بمن تورط في التجسس أو الإرهاب ويمكن أن يشكل خطراً على الأمن القومي. هذه الحالات الثلاث هي من أوضح السوابق التي يمكن وصفها قانونياً بأنها قرارات رفض رسمية.
■ وفي المقابل توجد حالات ينبغي ألا نضعها في الخانة نفسها. ففي ٢٠١٣ تقدم عمر البشير بطلب تأشيرة لحضور الجمعية العامة، وكانت واشنطن قد أعلنت بوضوح رفضها السياسي لزيارته بسبب مذكرات المحكمة الجنائية الدولية، وقالت إن مكانه المناسب هو لاهاي؛ لكنها لم تعلن في السجل الأمريكي المنشور قراراً نهائياً برفض التأشيرة، وظلت تقول إن الطلب قيد الدراسة. ولذلك فالأدق وصف ما حدث بأنه عدم إصدار للتأشيرة في الوقت الذي كان يسمح بالحضور، مع اتهام سوداني رسمي لواشنطن بالرفض، لا “رفض رسمي أمريكي معلن” بالمعنى الذي نراه في عرفات أو أبوطالبي كما أن حالات أخرى، مثل بعض المسؤولين الإيرانيين، شهدت تأخيراً طويلاً انتهى بفوات الاجتماعات، وهو ما اعتبرته طهران بمثابة رفض عملي، بينما أصرت واشنطن أحياناً على أن الطلب لا يزال قيد المعالجة أو أنه سُحب قبل صدور القرار. وهذا التمييز مهم؛ لأن عدم صدور التأشيرة عملياً قد يمنع المشاركة تماماً، لكنه ليس بالضرورة مساوياً قانونياً لقرار رفض رسمي مكتوب.
■ وخلاصة الأمر أن هناك فرقاً قانونياً مهماً بين الرفض الرسمي للتأشيرة وبين عدم إصدارها أو تأخيرها حتى يفوت موعد المشاركة؛ فالرفض الرسمي يعني أن واشنطن اتخذت قراراً معلناً يمكن مساءلته ومناقشة سنده القانوني مباشرة، كما حدث في بعض السوابق التاريخية، أما عدم الإصدار فقد يحقق عملياً النتيجة نفسها من دون أن تكشف الإدارة الأمريكية أساسها القانوني أو تتحمل عبء تبريرها علناً. وفي حالة البرهان، فإن الثابت حتى الآن هو أنه لم يحصل على التأشيرة في الوقت الذي كان مقرراً أن يشارك فيه في اجتماعات الأمم المتحدة، من دون إعلان أمريكي منشور يقرر رفضه رسمياً أو يستند صراحة إلى المادة السادسة أو إلى تهديد مباشر للأمن القومي. ولذلك فإن وصف حالته بأنها “رفض قانوني” يسبق الوقائع المتاحة، بينما الأدق أنها حالة حجب أو عدم إصدار ذي أثر سياسي مباشر؛ وهو تمييز لا يخفف من خطورة ما حدث، بل يزيد السؤال القانوني وضوحاً؛ هل تستطيع الدولة المضيفة أن تمنع المشاركة عملياً من غير أن تصدر قراراً رسمياً قابلاً للمراجعة؟ وهنا تحديداً تبدو قضية البرهان أقل حسماً قانونياً من السوابق الأمنية الصريحة، وأكثر التصاقاً باستخدام التأشيرة كأداة ضغط سياسي. وفي المحصلة؛ تتمسك الولايات المتحدة بالمادة السادسة من القانون العام الأمريكي رقم ٣٥٧ لتبرير المنع في حالات استثنائية مرتبطة بالأمن القومي. وحتى الآن لم تعلن واشنطن أن البرهان يشكل تهديداً أمنياً، ولا أنها رفضت تأشيرته رسمياً استناداً إلى هذه المادة. ذلك فحالة البرهان تبدو حتى الآن حجباً أو عدم إصدار للتأشيرة أكثر منها رفضاً قانونياً محسوم السند.
