أخبار عاجلة

بنية العقل السياسي السوداني: من سيادة “المشافهة” إلى فخ “بكاء النخب

زهير عثمان

حكاية عقلٍ يعشق الذاكرة ويهرب من الواقع
تتشكل الذهنية السياسية السودانية داخل دائرة مغلقة من التكرار
حوار يبدو جديدًا في ظاهره، لكنه يعيد إنتاج الإجابات القديمة نفسها حول المسؤولية والسبب والأزم
في مقهى بوسط المدينة، يتكرر المشهد كأنه شريط سينمائي قديم
رجلان، فنجانان من الشاي، وجدال لا ينتهي
أحدهما يرمي باللائمة على “الاستعمار”، والآخر يتحدث عن “ظروف أكبر من الجميع
لكن الاتفاق الضمني بينهما كان أهم من الخلاف أن الإجابة دائمًا في الخارج، وأن المسؤولية ليست هنا

وهذا ليس مجرد حوار، بل هو صوت العقل السياسي السوداني؛ عقل يعشق الاجترار، ويتقن تحويل التبرير إلى استراتيجية
اللوح والمشافهة.. أين بدأ الخلل؟
تأسس الوعي السياسي في السودان داخل مدارين متوازيين
“اللوح والدواية” حيث الحفظ والتلقين، و“المشافهة” حيث تُنقل المعرفة والسلطة بالسماع
النتيجة أن تحولت ااسياسة إلى نص يُحفظ ولا يُناقش
نشأنا على التبجيل بدل النقد، فصار السياسي “شيخًا” يُطاع، لا موظفًا يُحاسب
عقلية “المركز”.. الاستعمار بملابس وطنية

النخبة التي ورثت الدولة من المستعمر لم تغيّر المنهج، بل غيّرت الوجوه فقط
آمنت بأن الخرطوم هي السودان، وأن ما سواها هامش ينتظر الأوامر
فكانت النتيجة , إقصاء الأطراف ثقافيًا وسياسيًا
استنساخ النخبة عبر الأحزاب الأسرية
عجز عن رؤية التنوع كقوة
فتحوّل السودان في الوعي السياسي إلى “دولة مركز واحد” في بلد متعدد ومترامي
“بكاء النخب”.. الحزن حين يصبح وظيفة
خلف خطاب “الوطن الجريح” يختبئ عجز معرفي عميق
النخبة تمارس البكاء كآلية دفاعية بكاء على ماضٍ متخيل استدعاء الثورات القديمة للهروب من حاضر معقد
بكاء الضحية إحالة الفشل إلى المؤامرة وإعفاء الذات من المسؤولية
بكائيات شعرية تحويل الكوارث إلى مراثٍ بدل برامج وحلول
وهكذا يتحول البكاء من شعور إلى بديل عن السياسة

البداوة السياسية.. الدولة كغنيمة
السياسة في السودان غالبًا موسمية
الأحزاب لا تظهر إلا في الانتخابات أو الأزمات، وسلوكها قطيعي يتحرك بالولاءات لا بالبرامج
وتُرى الدولة كغنيمة لا كمشروع – تُقسم و لا تدر ولا تُبنى
وهذا النمط هو العدو المباشر للمؤسسية والمحاسبة
مأزق الحرب.. سقوط الجغرافيا وبقاء الفكرة
في حرب (2024–2025)، تدمرت الخرطوم ماديًا، لكنها ظلت حية كفكرة متسلطة في عقول النخب
نخب مدنية وعسكرية تتقاتل على شرعيات في فراغ، وتعيد إنتاج اللغة نفسها تبرير، اجترار، وغياب كامل لأي مشروع وطني
الخطاب السياسي تحوّل إلى مأتم كبير،
لا يقدم خطة للخروج من النفق، بل يصفه فقط
الرهان الأخير هل نجرؤ على المراجعة؟
الخروج من هذه الدائرة لا يتم عبر اتفاقات هشة، بل عبر قطيعة معرفية شجاعة الاعتراف بأن السودان دولة أطراف لا مركز واحد
تحويل الخطاب من بكاء إلى سياسات ومؤسسات
وبناء نخبة تستمد شرعيتها من الحلول لا من التوارث أو الشعارات

وحتى يحدث ذلك، سيظل “بكاء النخب” هو الضجيج الأعلى، يغطي على واقع يحتاج إلى فعل لا إلى رثاء.

zuhair.osman@aol.com

عن زهير عثمان حمد

زهير عثمان حمد

شاهد أيضاً

الذكاء الاصطناعي والموسيقى السودانية

زهير عثمان في زمن تتسارع فيه قدرات الذكاء الاصطناعي لتشمل الكتابة والتلحين وحتى تقليد الأصوات …