بيان موقف من عضو مجلس السيادة الإنتقالي الدكتور الهادي إدريس يحيى

 


 

 

طالعتُ مثل غيري عدداً من القرارات غير المسببة (بتاريخ ٩ يوليو، و ١ نوفمبر، و أخيراً ٣ نوفمبر )، منشورة على وسائط التواصل الاجتماعي، ومذيلة باسم القائد العام للقوات المسلحة تزعم فيها إقالتي من عضوية مجلس السيادة، وقد سبق إصدار كل قرار من تلك القرارات حملةٌ إعلامية منظمة من دعاة الحرب وبقايا النظام البائد موجهة ضد مواقفي المناهضة للحرب والداعية لاستعادة السلام والمسار الديمقراطي.
تشرفتُ بعضوية المجلس السيادي فى مارس ٢٠٢١، وذلك ضمن استحقاقات تنفيذ إتفاقية جوبا لسلام السودان، والتى وُقعت عقب ثورة ديسمبر المجيدة. فقبلنا بموجب الوثيقة الدستورية وشرعيه ثورة ديسمبر المجيدة ذلك التكليف.
الشعب السوداني الأبي
إن دافعي وراء إصدار هذا البيان ليس المنازعة حول أو التمسك بمنصب بات صورياً منذ انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر، وإنما لتوضيح الحقائق ولتأكيد و تجديد مواقفي المنحازة لثورة ديسمبر المجيدة ولخيار و قف الحرب واستعادة التحول الديمقراطي عليه أوضح التالي:
أولاً، تم نشر مرسوم غير مسبب بتاريخ ٣ نوفمبر ٢٠٢٣ صادر من (رئيس مجلس السيادة) يقضي بإعفائي من منصب عضو مجلس السيادة الانتقالي، وهو مرسوم صادر ممن لا يملك سلطة ولا مشروعية لإصداره. إذ تنص المادة ١١، البند ٢ من الوثيقة الدستورية أن "يُشكل مجلس السيادة من أربعة عشر عضواً خمسة أعضاء مدنيين تختارهم قوى الحرية والتغيير وخمسة أعضاء يختارهم المكون العسكري وعضو مدني يتم اختياره بالتوافق بين المكون العسكري و قوى الحرية والتغيير وثلاثة أعضاء تختارهم أطراف العملية السلمية الموقعة علي اتفاق جوبا لسلام السودان، ويجوز للجهات التي قامت بالاختيار حق تعيين واستبدال ممثليهم). وهذا النص الدستوري حدد بوضوح أن الجهات التي اختارت ممثليها في مجلس السيادة هي صاحبت الحق الحصري في استبدال ممثليها وليس لرئيس المجلس أي سلطة لإصدار مرسوم بالإقالة. فاختياري تم بموجب اتفاق جوبا وأي مساس به يعني انهيار اتفاق مرعي من دولة جنوب السودان والشهود والضامنين الدوليين. علاوة على ذلك، فإن المادة ١٤ من الوثيقة الدستورية، التي نصت على حالات فقدان عضوية مجلس السيادة، لم تتضمن الإعفاء بمرسوم صادر من رئيس المجلس كسبب من أسباب فقدان العضوية.
ثانياً، نصت لائحة تنظيم أعمال مجلس السيادة علي أن النصاب القانوني لاجتماعات المجلس ثلثي أعضاء المجلس الحضور، أي ٩ أعضاء علي الأقل من عضوية المجلس المكونة من ١٤ عضواً. أما آليه اتخاذ القرارات داخل المجلس، فوردت في المادة ١٢ البند ٣ من الوثيقة الدستورية، التي تنص على أن "تصدر قرارات مجلس السيادة بالتوافق أو بأغلبية ثلثي أعضائه في حالة عدم التوافق).
استناداً إلى النصوص أعلاه، فإن اجتماع ثلاثة من العسكريين و رابعهم من أطراف السلام في بورتسودان لا يعتبر اجتماعاً قانونياً لمجلس السيادة و ليس له الحق في إصدار أي قرارات بإسم المجلس.
ثالثاً: بعد سبعة أشهر من التكليف أي فى ٢٥ من أكتوبر، قام قائد الجيش بانقلاب عسكرى عطل بموجبه بعض بنود الوثيقة الدستورية. رفضنا الانقلاب، ورفضنا كذلك نحن الأعضاء الثلاثة من الجبهة الثورية الموقعين على اتفاق جوبا اداء القسم للمرة الثانية بموجب إجراءات الانقلاب. وقد أدى قائد الجيش و بقية المكون العسكري اليمن الدستورية للمرة الثانية فى محاولة لشرعنة الانقلاب. أما نحن؛ فقد تمسكنا بالقسم الذي تم بموجب الوثيقة الدستورية قبل الانقلاب. بالتالي فمن الناحية العملية، كان هنالك مجلسين، مجلس يستمد شرعيته من الوثيقة الدستورية وآخر من الانقلاب.
رابعاً: بموجب أحكام الوثيقة الدستورية كل أعضاء السيادي مجتمعين يمثلون رأس الدولة، ورئيس المجلس تنحصر مهامه فى إدارة الاجتماعات، وذلك وفقاً لأحكام اللائحة الداخلية المنظمة لأعمال للمجلس، التي تنص على أن النصاب القانونى لأي اجتماع هو على الأقل ٩ أعضاء من جملة ١٤ عضواً. بعد الانقلاب، حاول قائد الانقلاب إدخال أعضاء جدد. وقد اعترضنا على ذلك، لكنه مضى فى التعيين، ثم تراجع باقالتهم فى أقل من ٦ شهور. منذ ذلك الحين لم يجتمع المجلس ولم يتخذ أي قرار لأنه فاقد للأهلية القانونية. و نسبة لهذا التعطيل الذي أحدثه الانقلاب ظللنا متمسكين بعضوية المجلس الشرعي دون أن ينعقد أي اجتماع لمدة عام قبل إشعال زعيم الانقلاب وحلفائه الحرب في ١٥ ابريل؛ فمن يقيل من؟
خامساً، برغم الانقلاب و تداعياته، حاولنا جاهدين التواصل مع المكون العسكري بغرض إصلاح ما أفسده الانقلاب واستعادة مسار التحول الديمقراطي. فقدمنا مبادرة من الدمازين باسم الجبهة الثورية، وأثمرت مجهوداتنا مع الآخرين فى التوقيع على الاتفاق الاطاري، الذي شكل أساساً لخروج البلاد من الأزمة الدستورية، التي أحدثها الانقلاب. لكن من قاد الانقلاب فى ٢٥ أكتوبر، ٢٠٢١ قاد انقلاباً آخر فى ١٥ ابريل ٢٠٢٣ بالتعاون مع عناصر النظام البائد لقطع الطريق أمام استقرار البلاد والتحول الديمقراطي.
سادساً، اتساقاً مع مواقفنا السابقة رفضنا التماهي مع دعاة الحرب، ورفضنا الذهاب إلى بورتسودان حيث حكومة الحرب التي يهيمن عليها الفلول، وعملنا مع قوى الثورة والتغيير لوقف الحرب واستعادة التحول الديمقراطي، وشاركت الجبهة الثورية بفعالية في الاجتماع التحضيري في أديس أبابا، هذه المواقف هي التي دفعت بالنظام البائد لإصدار أكثر من قرار بإقالتي باسم القائد العام للجيش، ودفع زعيم الانقلاب ومشعل الحرب بإقالتي بقراره الأخير.
سابعاً، إنني أقول بكل ثقة إنني غير معنى بأي من القرارات، التي صدرت ممن لا يملك الحق الدستوري في إصدارها. ولسوف أواصل جهودي لوقف الحرب مع القوى التى تؤمن بالديمقراطية وبوحدة و استقرار السودان. وأقول للقائد العام للقوات المسلحة: لقد منحك التاريخ والشعب السوداني ثقة كبيرة وعظيمة، عندما تم تكليفك برئاسة المجلس السيادي الانتقالي عقب ثورة ديسمبر الظافرة. و كانت أمامك فرصة تاريخية بأن تحول السودان إلى دولة مستقرة مزدهرة، ومحررة من قبضة الفلول، الذين دمروا السودان. لكنك اخترت الطريق المناهض للثورة، وتحالفت مع من قسموا البلاد إلى شمال وجنوب ويريدون مزيداً من التقسيم الآن، وارتكبوا حرب الإبادة الجماعية فى حق الشعوب السودانية الأصلية فى أطراف البلاد، ودمروا مؤسسات الدولة. إنك بتحالفك الخاطئ، المدمر هذا أدخلت بلادنا فى حرب عبثية ومحنة كبرى، يدفع الشعب السوداني كله ثمنها القاسي معاناة وتشرداً وتمزقاً.
أقول للقائد العام للقوات المسلحة عليك أن تنظر لأربعة سنين للوراء لترى كيف صار الحال والمآل، جاء ملايين السودانيين والسودانيات لأسوار القيادة العامة رافعين شعارات السلمية والمصالحة بين الجيش والشعب، طلبوا الحرية والسلام والعدالة، فصار الحال الآن على النقيض، حرب وقتل وتشريد وظلم ولجوء ونزوح. كنت رئيس مجلس سيادة من ١٤ عضواً من كل أرجاء السودان وقواه المدنية وحركات الكفاح المسلح، فانتهى الحال لاجتماع ٣ عسكريين ورابعهم من أطراف السلام، فهل أخذت العبرة مما مضى وعلمت في أي مسار تقود البلاد وما هو مستقبلها في ظل نهجك الذي اخترته واختاره فلول النظام السابق؟
أخيراً، أقول بأننا قد حاولنا بعد الانقلاب وبعد الحرب مساعدتك للخروج من الأزمة، التى خلقتها. لكننا تفاجأنا بانشغالك بمعارك صغيرة للغاية، وبالاستماع إلى دعاة الحرب من الفلول ومن شايعهم، ربما لا زالت أمامك فرصة ضئيلة للارتقاء إلى مستوى الأزمة وذلك بأن تختار العمل لوقف الحرب فوراً والاتجاه نحو سلام شامل وعادل من أجل السودان وشعبه الذي يموت ويعاني ويتشرد بالأخطاء المدمرة التي ارتكبتها. وعلى الرغم من القتامة التي تعيشها بلادنا، إنني على ثقة بأن بلادنا سوف تخرج من هذة الأزمة قوية وموحدة. وسوف تكون هذه الحرب هي آخر الحروب، ويعم السلام والاستقرار أرضنا. ويومئذٍ سوف يحاسب شعبنا من قتلوا أحلامهم فى الاستقرار والتحول المدنى الديمقراطي.
الدكتور الهادي إدريس يحيى
عضو مجلس السيادة السوداني الإنتقالي
رئيس الجبهة الثورية السودانية
رئيس حركة تحرير السودان المجلس الإنتقالي
٥ نوفمبر ٢٠٢٣

 

آراء