إبشرْ بطولِ سلامةٍ يا مِرْبعُ:
maryood@gmail.com
يقولون إنّ محمد إبراهيم نقد، سكرتير الحزب الشيوعىّ السودانى السابق، رحمه الله، علّق ساخراً على كتاب د. منصور خالد “النخبة السودانيّة وإدمان الفشل” قائلاً إنّ عنوان الكتاب ينقصه عنوان تفسيرىّ قصير، ليكون مكتملاً، وهو “النخبة السودانيّة وإدمان الفشل : منصور خالد نموذجاً”. ونقد – عليه الرّحمةُ – من الرجال غير المكتشفين سودانيّاً. طغتْ فكرة الحزب السياسيّة ومشروعه “النضالىّ الثورىّ التقدمىّ” على شخصية الباحث المدقّق العميق. ويكفى كتابه عن “الرّق” فى السّودان دليلاً على نباهةٍ ورهافة حسّ.
قد لا يخلو التعديل المقترح من نقد على عنوان كتاب د.منصور خالد من ضغائن صغيرة، يفتأ الشيوعيون يثيرونها ضدّ الرجل. وقد يكون دقيقاً وصائباً أيضاً، وهو يصغى لضغنه، ساخراً من د.منصور. على أنّ النقاش حول إدمان منصور وحده للفشل، ينطوى على تصفية حسابات، حتّى ونقد يتحرّى الصدق، والصدقَ وحده. فمنصور عنوان لجيل من النخبة السودانية المأزومة. تلك التى دخل طريقها الماء، ولم تتبيّنه حتّى الآن، فأصبحتْ العلّة الأولى والداء العضال.
أيّاً يكن رأى د.أحمد الصادق أحمد فى كتاب د. خالد الكّد “الأفنديّة”، فإنّ خالداً لخّص ورطات النّخبة السودانية مبكّراً، وهى تتخلّق فى الصراع بين الأبروفيين ونظرائهم. ومن المفروض انْ توالى النّخبة تلك، ومن سار على هديها، الفشل الذريع، إلاّ أنْ تتفتّق عبقرياتٌ سودانية من خارج الهوس الأمدرمانىّ، “ريفيّة”، نوعاً ما، لتغيّر مسارات السياسة والفكر السودانييْن.
كيف يمكن قراءة حملة” إرحل” التى تنظّمها المعارضة ،الرامية، ليس لمقاطعة الإنتخابات، وإنّما للإطاحة بالنظام جملةً وتفصيلاً؟؟ كيف يمكن لندواتٍ سياسية وحراك فى القاهرة، وبعض عبارات “فيسبوكية” يصّكُّ أغلبها معارضون سودانيون فى كندا، أستراليا، أوربا، أمريكا وغيرها أنْ تقتلع النّظام من جذوره؟؟ وهل يمكن القول بأنّ نظام الإنقاذ عصىٌّ على التفكيك أو الإطاحة به؟؟ ما هى آليات تفكيك بناء الإنقاذ، أو ما هى وسائل الإطاحة به؟؟
لماذا كانت عبارة د.نافع على نافع، مساعد رئيس الجمهورية حينها “لحس الكوع” صادمةً ومستفزّةً للمعارضة، وهى تملك أدوات وإمكانية أنْ تشنّ هجمةً مرتدّةً على الحكومة، وتجعلها “تلحسُ كوعها”، بدلاً من محاولات تخفيف عنفها المتحدّى والمشبّعِ احتقاراً، بأنّها عبارةٌ لا تصدرُ إلاّ عن العامّة ولا تليق بسياسىّ؟؟
هل يمكن إعتبار د.نافع وأمثاله من الريفيين، القوّةَ الجديدة التى يتوّجبُ على النّخبة الأمدرمانية ومن سار على هديها، منازلتها فى معركةٍ جذرية وغير متكافئة؟؟
يحسم محمّد أبو القاسم حاج حمد، رحمه الله، أحلام الثورة على الإنقاذ بصفعةٍ منهجيّة للقوى المعارضة. بعده كان د.حيدر إبراهيم على، الأكاديمىّ ومدير مركز الدراسات السودانية الذى تمّ إغلاقه بفظاظة، ودون ضرورة ولا موجبات، يؤذّنُ للمعارضة فى أذنها وهى نائمة.
فى كتابه “السودان: المأزق التاريخىّ وآفاق المستقبل” يكشف محمد أبو القاسم حاج حمد، المفكّر السودانىّ المعروف عن عجز القوى المعارضة للإنقاذ عن إستيعاب متغيّراتِ الواقع، وبالتالى عجزها عن إستدراك الثقوب الواسعة فى ثوب التفكير الثورىّ لديها، وخطتها لتغيير الحكومة، حكومة نظام الإنقاذ. يقدّم الآتى:
أولاً : تسكنُ المعارضة إلى ركنٍ مكين هو الجيش. فى حين تنسى أنّ الإنقاذ غيّرتْ تركيبة الجيش بحيث لم يعد ممكناً القيامُ بانقلاب عسكرىّ إلاّ من داخلها (كتب أبو القاسم حاج حمد كتابه فى نهاية التسعينات، أو على الأقل نشره). وقد ثبت أنّ آخر محاولة إنقلابية كان المتهمون فيها هم أبناء الإنقاذ الأوفياء (ود إبراهيم وإخوانه) الذين قال عنهم على عثمان محمد طه، النائب الأول السابق للرئيس “هم أبناءُ الحركة الإسلامية”. الشيئ الذى يعنى انّ على المعارضة السودانية إذا قرّرتْ سلوك هذا الطريق، طريق الإنقلاب العسكرىّ، أنْ تعمد إلى إختراق نظام الدخول إلى الكلية الحربية، وتُخفى كوادرها بمهارة لا تتوفّر لديها، وتنتظر بضعاً وعشرين سنة ليتمكّن ضباطها من القيام بإنقلاب ناجح. أو أنْ “تشترىَ” ضبّاطاً فى أعلى هرم المؤسّسة العسكرية، أو “تجنّدهم”، وهى مسألةٌ مستحيلةٌ فى الواقع.
ثانياً: تبدأ المعارضة بناء كوادرها من طلاّب الجامعات ليكونوا شرارة ووقود ثورة شعبيّة، وفقاً للذاكرة السودانية، فإنّ أكتوبر وأبريل ثورتان لعب طلاّب الجامعات فيها دوراً بارزاً. لكنّ حاج حمد يقرّر أنّ الإسلاميين يعرفون دور الطلاّب فى مثل هذه الثورات ، بل كان طلاّبهم الأبرز فى إنجاح الثورتين، ولذلك فلن تفرّط الإنقاذ فى ملف الطلاّب، ولن تغفل عنه.
ومن طرائف موضوع الطلاب هذا، عقّب رجلٌ حكيم يسارىّ عجوز على المتحدثين فى ندوة بدار “مركز الخاتم عدلان للإستنارة” بالعمارات على أيّام إنفعالات المعارضة السودانية بثورات الربيع العربى، كان أحدُ المتحدّثين د.أمين مكى مدنى أحد الموّقعين على “نداء السودان ” الأخير، قال حكيم اليسار ” إذا كنتم تنتظرون شيئاً من “الشفّع” الذين يلعقون “الدندرمة” فى الجامعات اليوم، فلن تقوم ثورة”. قال الرّجل إنّ الإنقاذ صارتْ تدخل التلاميذ المدارس فى سنّ السادسة، وأنقصتْ عاماً من المرحلة المتوسطة، فصار طلاّب الجامعات مجرّد “شفّع” لا يعرفون كيف تُصنَعُ الثورات.
حتّى ولو لم يكن ذلك كذلك، فإنّ خبرة الإسلاميين فى العمل وسط الطلاب، سواءً أكانوا فى مرحلة الثانوى أو فى الجامعات لا تضاهيها خبرة الأحزاب والتنظيمات المناوئة لهم، لا سيّما وأنّ الحركة الإسلامية تعتبر أنّ من حلقات إنتصاراتها الكبرى هى فى كادرها الطلاّبىّ الذى أشعل ثورة أكتوبر، عبر جامعة الخرطوم، وتفتخر بحلقتها الثانية فى التفوّق التى هى حيازتها لأكثر من 90% من نتائج دوائر الخريجين، فى إنتخابات 1986م. وهو كسبٌ لا يزال محلّ فخرها، بإعتبارها إنتصرتْ فى دوائر الوعى، فيما كان الآخرون يفخرون بكسب الدوائر الجغرافية التى تقوم على الولاء الطائفى، أو القبلىّ.
لذلك فلن يكون رهانها على التغيّرات الكبيرة التى ستطال معاقل فوز الطائفية رهاناً خاسراً، بأىّ حال من الأحوال. غير انّ وعىَّ الإسلاميين بأهمية قطاع الطلاب الذى يعرفونه كما يعرفون ابناءهم، لن يتغيّر لمجرّد تسنّمهم ذروة الحكم، وبالتالى سيكون رهان القوى المعارضة على موضوعة الطلاّب رهاناً خاسراً.
ثالثاً: يبدى حاج حمد أهميّةً ضئيلةً لقدرة المعارضة على تغيير النظام عبر تنظيم وقيادة ما يُسمّى بالعصيان المدنىّ. ذلك أنّه فى حال نجحتِ المحاولات التأريخية – نوعاً ما – فى إحداث شللٍ كلّىّ أو جزئىّ فى سجالات المعارضة مع نظام عبود، ونظام نميرى بدرجة أكبر، من خلال تفعيل الإضرابات النقابية والإعتصامات، فإنّ واحدةً من متاريس حكومة الإنقاذ كانت – وربّما لا تزال – هى تفريغ الخدمة المدنية من كوادر المعارضة من خلال الحركة الكبيرة التى قامت بها لأوّل عهدها، “بتطهير” الخدمة المدنية من المعارضين فيما أسمته بالإحالة ل”الصالح العام”، واحتفظت بالعناصر الموالية، ودرجت على تغذية الخدمة المدنية طوال 25 سنة،بالعناصر الموالية، أو عناصر من الأحزاب الموالية لها.
شيئٌ آخر، غاية فى الأهميّة، هو قانون النقابات، وتجريدها من مخالبها. بحيث لم يعد فى مقدور أيّة نقابة أنْ تخلط العام بالخاصّ. ولم يعد فى مُكنتها انْ تفتح نقاشاً فى أيّ حقّ من الحقوق إلاّ عن طريق المطالبات السلميّة غير المهيّأة، أصلاً، لأنْ تتجاوز خطوطها المرسومة لها، أو أنْ تنفتح على قضايا ذات صلةٍ بالملف، مثلما فعلتْ نقابة الأطباء وغيرها على أيّام منازلة نظام جعفر نميرى.
دفع ذلك كلّه – على نحوٍ ما – د.حيدر إبراهيم على مدير مركز الدراسات السودانية، والأكاديمىّ المعروف، إلى كتابة مقال مطوّل نُشِرَ فى جريدة “الصحافة” عام 2010م، على خلفية الجدالات والحمّى الإنتخابية، يشيرُ فيه إلى أنّ القوى المعارضة لحكومة الإنقاذ، أو نظام الإسلاميين، إذا أرادتْ أنْ تنازلها بأفق وأدوات منازلة عام 1986م، فيما يُعرَفُ بالديمقراطية الثالثة، فإنّها حتماً ستكون واهمةً. لقد تطوّرتْ نظم وطرائق وأدوات المنازلة السياسية. واكتسب الإسلاميون خبراتٍ مهمّةٍ بسبب الحكم والإنفتاح الإقليمىّ والدولىّ، وهى مسائل لابدّ أنْ تدخل فى حسابات المواجهة، إنْ كانت ضروريّة.
فهل بقىَ طريق سالكٌ للمعارضة تسلكه دون أنْ يكون موصداً بالكامل؟؟
أمْ أنّ السؤال هو: هل ما تزال المعارضة لاتجدُ طريقاً إلاّ أسقاط النّظام؟؟
سيتمّ فهم السؤال أعلاه، وإجتراح أفقٍ للإجابة إذا تمّ ربط مشروع الأفندية ذاك، المشروع النُّخبوى الموسوم بالفشل، من قِبَلِ منصور خالد، أو الذى حمّله نُقُد لمنصور، من جهةٍ، وبين مشروع السياسيين الريفيين، الذين تخاموا حوافَّ الحداثة ولم يجدوا حرجاً فى العودة إلى بنية الوعى الريفىّ . لأنّه فى نزال فروقات الوعىّ ستعتمد النُّخبة أدواتٍ مختلفة، أمْيَل إلى المدينة منها إلى الوعىّ الريفىّ، وهى أدوات تتصلُ بمفاهيم الحقوق المدنية، الوسائل الحديثة فى التنافس السياسىّ، التى تشكّلُ أطروحة الإمام الصادق المهدىّ “الجهاد المدنىّ” ذروة سنامها. وعلى حين لم يلتزم الإمام الصادق المهدىّ حتّى نهاية الشوط بالجهاد المدنىّ، إذ فارقه، هوناً ما، بتأسيس “جيش الأمّة” على أيّام التجمّع الوطنىّ الديمقراطىّ، وقاد حرباً بائسةً ما لبث أنْ عاد إلى أطروحته تحت إكراهات الواقع السياسىّ والعسكرىّ. تدور مقطورات الصراع المدنىّ النُّخبوىّ ضدّ حكم الإسلاميين على إيقاعات السيّد الصادق. لكنّها تجدُ نفسها – فى كلّ حين – تصطدم بخطابات البنية الريفية الصادرة عن نافذين إسلاميين، وهم غالبية، تجعل من أسلوب على عثمان محمد طه، والبروف إبراهيم أحمد عمر نشازاً. إذْ أنّها شعراتٌ رفيعات بيضٌ فى ثور ريفىّ حالك السواد.
لكنّ المواجهة الريفية الحقّة تتجلّى فى نزال الهامش المؤسّس لما يُسمّى بالجبهة الثورية، الذى لم تجد النُّخبة حرجاً فى إضطرارها للتحالف معها أو الوقوف فى صفّها، تكتيكياً بلا ريب، للوصول إلى أهدافهم. على أنّ كلّ طروحات ومنهج الجبهة الثورية يناقض الدعاوى الناعمة للنُّخبة الممتلئة هراءً حقوقيّاً، لكنّها طريقٌ ممكنةٌ للذى تعذّر عليه السير، مثلما فعلت النّخبة – مضطرّةً – فى تحالفها المرحلىّ مع قرنق والحركة الشعبية على أيّام التجمّع الوطنىّ، فأسفرتْ وتسفر يوميّاً “عنف البادية” على حدّ عبارة د. حسن الجزولىّ.
حسناً…
سيكون من الملائم والحال هذه، أنْ يستشرف أحدٌ ما، أفق هذا الصراع. فقد ثبت – عمليّاً – إستحالة إحتلال الخرطوم بواسطة قوات الجبهة الثورية. كما ثبت إستحالة تأليب جيران السودان عليه، لتفتح بلدٌ جارةٌ أراضيها لتشنّ قوى مسلحة هجمات منها على السودان. تغيّرت تحالفات الحكومة، ونجحتْ فى توازن الرعب كما أسماه حسن نصر الأمين العام لحزب الله، بحيث لن تغامر جارةٌ بتهديد حكومة السودان.
إذن كيف يمكن ترتيب أوراق اللعبة السياسية السودانية؟ ما هى الخيارات المتاحة؟
تلك بعض أسئلةٌ لا يجيب عنها إلاّ الكهنة.
شاهد أيضاً
السودان بين حروب الموارد وأقنعة الهوية -قراءة لكتاب
زهير عثمانzuhair.osman@aol.comقراءة في كتاب د. محمد سليمان محمد على ضوء الحرب الجاريةفي خضمّ الحرب المدمّرة …
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم