اسماعيل ادم محمد زين
تطرق د.عبدالمنعم العربي لموضوع جد مهم لنهضة البلاد و هو التعليم الصناعي أو التدريب المهني كما عرف أخيرا!نسبة لتجربتي الشخصية في هذا المجال ،يمكنني المساهمة برؤية قد تفضي إلي نتائج مفيدة.
كانت سياسة القبول للمدارس الصناعية الوسطي تعتمد علي قبول الطلاب الذين لا يتحصلون علي نسبة النجاح التي تؤهلهم لدخول المدارس الوسطي. وفي غالب الأحوال كان يتم إستيعاب الطلاب من ذوي البنية القوية و طويلي القامة! مع حافز تلقي الدراسة المجانية،إضافة إلي الزي المدرسي و وجبات الطعام. مع توفير السكن بالداخليات!
كانت تتولي أمر القبول لجنة من أعيان المدن التي يتم فيها إجراء إمتحانات شهادة الأساس..والمعروفة بالمدارس الابتدائية.ولكنهم للأسف أفسدوا تلك السياسة،إذ حدثت تجاوزات من قبل تلك اللجان لإستيعاب أبنائهم و أبناء معارفهم و أرسلوا الطلاب من الحاصلين علي نسب عالية! بالرغم من ضآلة أحجامهم! وقد كنت من بينهم! و أعرف آخرين من دفعني ممن تم الزج بهم إلي المدارس الصناعية! لذلك لم تكن لديهم الرغبة أو الدافعية إلي الدراسة المهنية! وهي في حقيقة الأمر، لا تؤهل الطلاب إلي سوق العمل،كما أن التدريب غير كاف.كانت تلك المدارس تتبع لوزارة التربية و التعليم و ما زالت تتبع لها.
عند إكمال الدراسة يتم تنظيم إمتحان موحد لاستيعاب حوالي 120 طالبا في المدرسة الثانوية الصناعية.وهي موجودة بمباني معهد الخرطوم الفني KTI كما كان يعرف و قتها،حيث يواصلون دراستهم لأربعة 4 أعوام و يتم إستيعابهم في مختلف أقسام المعهد الفني و إستكمال القبول من طلاب الشهادة السودانية.و قد تحول المعهد الفني لاحقا إلي جامعة السودان العلوم و التكنولوجيا.لظروف ساهم فيها خريجي المعهد الفني وذلك لمطالبهم بمساواتهم بخريجي جامعة الخرطوم! وهنا تأتي مشكلة السياسات العامة ،في مجال التوظيف.والتحفيز.وقد تم تخطيها في ألمانيا و الغرب عموما بالرواتب أو المواهي الجزلة.وهو حافز يعوض الطلاب ويدفعهم للدخول في المجال الفني.
عقب عام واحد من دخولنا المدرسة الثانوية الصناعية بالخرطوم ،تم تجفيفها و تحويلها الي ثانوي أكاديمي و إنتقلت إلي مدينة الجيلي و من بعد جلسنا لامتحان الشهادة السودانية في عهد وزير كثير للجدل ،إذ أقدم علي إلغاء إمتحان التربية الاسلامية. بعد حصولنا علي الشهادة السودانية دخل كثير منا مختلف كليات جامعة الخرطوم،من علوم ،الي هندسة أو طب.وقد كنا متميزين لاجادتنا لبعض المواد المهمة،مثل: الرسم الفني،النجارة و البرادة.
الرسم الفني يمنح الطالب خيالا جيدا ،بما يمكنه من تخيل مجسدا من مخطط مسطح! بل تصنيعه! أما النجارة و البرادة فهي تمنح الطالب مهارات يدوية مهمة.لذلك تفوق بعض زملائنا حتي في الطب،وهنا يجدر ذكر بعض الأسماء،مثل : د.الجمري الرضي و د.عبدالملك مهدي..و آخرين في كليات الزراعة و غيرها.
وقد يذكر البعض السياسة التي أتبعت لاستيعاب الطلاب المتميزين في معهد المعلمين العالي لعدة أعوام،حيث كان الطلاب يتلقون راتبا جيدا،إضافة إلي السكن و الاعاشة.لذلك تحصلت البلاد علي معلمين أفذاذ في كافة المجالات الدراسية،مثل : الرياضيات ،العلوم،اللغة الفرنسية..الخ.
تم لاحقا تحويل معهد المعلمين العالي إلي كلية التربية،ففقدنا معهدا متميزا لتأهيل أو تأطير المعلمين ،كما يقول بعض العرب.
وفي ذات الوقت يوجد مساق آخر في التعليم المهني وقد أشار د.عبد المنعم إلي أحد مدارسها وهي تعرف باسم ” مراكز التدريب المهني” مثل : المركز الالماني و غيره من المراكز التي تم تشييدها بدعم من دول صديقة ،أذكر منها: مركز التدريب الصيني بام درمان و المركز الكوري بجبرة.وهي تتبع لوزارة العمل و تتميز بجودة المنهج و هو عملي ،كما يتلقي الطلاب تدريبا عمليا في الورش الخاصة وفقا لعقود تبرم معها ،تحت إشراف الادارة العامة للتلمذة الصناعية و التدريب المهني بالخرطوم.
كما تقوم الدول التي شيدت هذه المراكز بتدريب الخريجين المتميزين و الذين يتم إستيعابهم كمعلمين لمراكز التدريب المهني ،اذ يتم إبتعاثهم الي ألمانيا،الصين،كوريا…و يتم تعيينهم مثل خريجي الجامعات في الدرجة Q!
أيضا لدي هذه الادارة علاقات جيدة مع الجهات النظيرة في دول أخري،مثل : اليابان،عبر الوكالة اليابانية للتعاون الدولي.JICA..و وكالة التعاون الالمانية.GTZ .
أدركت هذه المعلومات يحكم عمل أحد زملائي في المدرسة الصناعية بهذه الادارة عقب تخرجه في جامعة الخرطوم.و تقديمي لخدمة الترجمة لعدد كبير من مناهج التدريب الي وكالة جايكا.
لذلك يمكنني القول بأن مراكز التدريب المهني قد أثبتت جدارتها و تميزها و ولوج غالب خريجيها لسوق العمل.و تجدر الاشارة إلي متابعة هذه الادارة للخريجين ،لمعرفة مدي إستفادتهم من الدراسة عمليا ،عبر بحث ميداني إحصائي،يعرف بدراسة المتابعة Tracer studies.
أيضا هنالك مساق ثالث في مجال التعليم الفني،وهو وجود مدارس تتبع لوزارة الحكم المحلي،تشرف عليها المحليات ويتم فيها تقديم مهارات البناء و النجارة علي مدي أعوام أقل حيث يقبل لها الطلاب من المدارس الوسطي سابقا.وهي لا تجد إقبالا. إضافة الي مراكز التدريب المهني التي تتبع الي القوات المسلحة ،مثل : مركز الكدرو! وهنا علينا التفكير بشكل علمي و عملي،وفي تقديري من الاجدي لوزارة الحكومات المحلية و وزارة الدفاع أو الجيش،إستيعاب منسوبيها من عدد أكبر ليتسني لها حسن الاختيار،بدلا من إنشاء مدارسها الخاصة.
لذلك أدعو الي تحويل كل المدارس الصناعية الي مراكز للتدريب المهني و ضمها الي وزارة العمل ،فهي الانسب لهذا المجال. إذ المال الذي ينفق عليها كلها ،مال عام ولصالح أبناء الشعب السوداني.
كما أدعو الي تبني سياسة تشجع علي الالتحاق بمراكز التدريب المهني وذلك بتحسين شروط الخدمة.مع تقديم نثريات أو رواتب للطلاب ،مثلما هو الحال مع طلاب معهد المعلمين.
اللجؤ إلي التعليم الشامل و ذلك باضافة بعض الموادالمهمة،مثل :الرسم الفني و المعلومات الفنية. أما العلوم الاخري التي تحتاج مواد،مثل :الحديد،اللحام،والاخشاب فهي كما ذكرت تحتاج الي مال كثير و معدات مكلفة و ورش. ويمكن الاستعاضة عنها بزيارات الي الورش و المصانع و ربما الي مواقع الانشاء لرؤية العمال وهم يؤدون أعمالهم المختلفة.وقد تكفي لغرس قيمة العمل اليدوي في أنفسهم…
علي الدولة أن تسعي لدي الدول الغربية التي تستقبل المهاجرين للمساهمة في إنشاء مزيد من مراكز التدريب المهني ،بما يمكن من إرسال أعدادا من الخريجين اليها و هم علي مهارات عالية في مختلف المجالات التي يحتاجها سوق العمل.علي أن يتم إرسال الخريجين بنظام دوري و لفترات محددة،يعودون بعدها الي البلاد.وهم أكثر رغبة في العمل و الانتاج.و بذلك نحصل علي حافز آخر للدراسة المهنية في السودان ،مما يجعله مجالا جاذبا.
ismailadamzain@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم