بين الجينوم والفقر:
كيف حاولت جائزة نوبل أن تعالج الإنسان من الداخل والخارج؟
منبر نور – مقالات من بطون الكتب و نبض الواقع
في مطلع القرن الحادي والعشرين،
شهد العالم ثورتين هادئتين لم تصاحبهما أصوات المدافع
ولا ضجيج الثورات السياسية،
لكن أثرهما قد يمتد لعقود وربما لقرون.
الثورة الأولى
حاولت أن تقرأ الإنسان من داخله،
من أعماق خلاياه وجيناته.
أما الثانية
فحاولت أن تفهم الإنسان
من خارجه،
من ظروف معيشته وفقره
وتعليمه
وصحته.
ومن المفارقات أن الجائزتين اللتين نناقشهما اليوم تنطلقان من سؤال واحد:
لماذا تتفاوت حياة البشر إلى هذا الحد؟
أولاً:
الطب يقرأ كتاب الحياة
عندما اكتشف العلماء البنية الجزيئية للحمض النووي DNA في منتصف القرن العشرين،
بدأ فصل جديد من تاريخ الطب.
لقد أدرك الإنسان لأول مرة أن داخل كل خلية كتابًا هائلًا مكتوبًا بأربعة أحرف كيميائية فقط،
لكنها تكفي لتحديد:
لون العينين
قابلية الإصابة ببعض الأمراض
النمو والتطور و
كثيرًا من خصائص الحياة
ومع مشروع الجينوم البشري الذي اكتمل مطلع الألفية الجديدة، أصبح العلماء قادرين على قراءة هذا الكتاب بدرجة غير مسبوقة.
ماذا تغير؟
بدأ الطب ينتقل من:
علاج المرض بعد ظهوره
إلى:
توقع المرض قبل حدوثه
وأصبح الحديث عن:
العلاج الجيني
الطب الشخصي
تعديل الجينات
جزءًا من الواقع لا من الخيال العلمي.
لكن السؤال الأخلاقي ظهر سريعًا:
إذا استطعنا تعديل الإنسان، فمن الذي يضع الحدود؟
ثانياً:
الاقتصاد يقرأ كتاب الفقر
بينما كان علماء الطب يدرسون الجينات،
كان اقتصاديون آخرون يدرسون القرى الفقيرة في آسيا وإفريقيا.
الفائزون بنوبل الاقتصاد عام 2019 لم ينطلقوا من نظريات ضخمة عن الاقتصاد العالمي.
بل بدأوا بسؤال بسيط:
لماذا تفشل بعض برامج مكافحة الفقر؟
بدلاً من الافتراضات العامة، استخدموا التجارب الميدانية المباشرة.
تمامًا كما يفعل الطبيب عندما يختبر دواءً جديدًا.
ولهذا اعتُبرت أعمالهم ثورة في علم الاقتصاد التنموي.
الفكرة المزلزلة
وجد هؤلاء الباحثون أن الفقر ليس مشكلة واحدة.
بل مجموعة من المشكلات الصغيرة المتشابكة:
نقص التعليم
ضعف التغذية
غياب الرعاية الصحية
محدودية التمويل
ولذلك فإن الحلول الكبرى غالبًا ما تفشل، بينما تنجح التدخلات الصغيرة الدقيقة.
أين يلتقي الجينوم بالفقر؟
قد يبدو أن بين المختبر الطبي وقرية فقيرة آلاف الأميال.
لكن الحقيقة أن الرابط بينهما عميق.
فالطفل الذي لا يجد غذاءً جيدًا:
يتأثر نموه الجسدي
ويتأثر نموه العقلي
وتتأثر فرصه الاقتصادية مستقبلاً
وهكذا يصبح الفقر قضية بيولوجية بقدر ما هو قضية اقتصادية.
وهنا تكمن أهمية الموضوع بالنسبة لنا.
ما زالت دول كثيرة في إفريقيا والعالم العربي:
مستهلكة للتقنيات الطبية الحديثة
ومستقبلة لوصفات التنمية القادمة من الخارج
بينما تظل مساهمتها في إنتاج المعرفة محدودة.
والفجوة الحقيقية ليست فجوة دخل فقط.
بل فجوة معرفة.
الدرس الذي ينبغي أن نتعلمه
تكشف لنا هاتان الجائزتان حقيقة عميقة:
مستقبل الأمم لن تحدده الثروات الطبيعية وحدها.
بل سيحدده:
الاستثمار في الإنسان
البحث العلمي
التعليم
الصحة
فالنفط يمكن أن ينضب.
والمعادن يمكن أن تنفد.
أما المعرفة فكلما استُخدمت ازدادت.
خاتمة
لو سُئل مؤرخ بعد مائة عام:
ما أهم ما حاول الإنسان إنجازه في بدايات القرن الحادي والعشرين؟
فربما تكون الإجابة:
أنه حاول أن يفهم الشفرة التي تصنع الإنسان،
وأن يفهم الظروف التي تصنع فقره.
وبين الجينوم والفقر، وبين المختبر والقرية، وبين الطب والاقتصاد، تواصل البشرية رحلتها القديمة:
البحث عن حياة أطول… وأكثر صحة… وأكثر كرامة.
و المقال القادم بإذن الله سيكون حول
نوبل الفيزياء والطاقة النووية
مع
نوبل السلام وحركات الحد من التسلح
بعنوان:
«الذرة بين الضوء والدمار:
كيف صنعت البشرية أعظم نعمة وأخطر تهديد؟
عبد العظيم الريح مدثر
اقتصادي
متقاعد من
المصرف العربي للتنميه الاقتصاديه في افريقيا
مؤسس منبر نور البحثي
sanhooryazeem@hotmail.com
