بين الشلهتة والنجومية ..فيصل القاسم نموذجا

 


 

 

بقلم : حسن أبوزينب عمر
كانوا سابقا يسجنون الناس لأنهم يسرقون
أما الآن يسجنونهم لأنهم يقولون الحقيقة
مكسيم جوركي

بصراحة يحسد عليها وجرأة ليست لها ضفاف اختطفنا الاعلامي السوري الأكثر شهرة فيصل القاسم صاحب أكثر البرامج التلفزيونية جدلا (الاتجاه المعاكس) الذي يبث من قناة الجزيرة من أضواء النجومية الساطعة الى أقبية العتمة الدامسة كاشفا اللثام عن تفاصيل حزينة في حياته .. فقد عاش طفولة معذبة في مدينة السويداء جنوب سوريا امتدت حتى الى ما بعد الشباب .. عذابات ورائها الفقر الذي قال فيه الامام على ابن أبي طالب لو كان رجلا لقتلته ..في اعترافاته المثيرة لم يخف القاسم ولم يخجل أنه كان ينتمي الى الطبقات المسحوقة القابعة في قاع المجتمع فالأسرة لم تكن تنتمي حتى لطبقة الفلاحين بل كانت تعيش تحت هذا الخط حيث كان أفرادها يعملون كأجراء للفلاحين في أعمال الزراعة والحصاد دون أية حيازة للأرض ولذلك كان الجميع يستميت في هذا النشاط الزراعي المتدني لتأمين قوت اليوم في أدنى مستوياته في منزل يتكون من غرفة من الجالوص كانت تستخدم للنوم والحمام والطبخ .
(2)
لم يترك القاسم ومنذ الثامنة من العمر فرصة للعمل الا وطرق بابها من الكهرباء الى الحدادة الى النجارة فقد عمل ليس في رصف الطرق وتنظيفها فحسب بل في مهن وضيعة كحمل الزبالة على الأكتاف ..يقول أنه كان يقف على قارعة الطريق مع الباحثين عن العمل وكثيرا ما كان يعود الى البيت دون الحصول على أي فرصة عمل ليستقبله الوالد بالتقريع اللاسع وكلمات اللوم القاسية لعودته خاوي الوفاض رغم حرصه على العمل حتى يساهم في اطعام الأفواه الجائعة ( 13) فردا منهم 9 صبيان وبنتان ..وتتواصل اعترافات فيصل القاسم بطعم الحنظل يقول مرحلة المراهقة والشباب كانت مؤلمة جدا بسبب الوضع المادي المتدهور فقد طلبت منه الأسرة التوقف عن الدراسة للبحث عن العمل .طلب منه والده الالتحاق بالجيش فاجتاز كل المعاينات ولكن تم رفضه بعد سقوطه في مادة (التوازن) فطلب منه والده الانضمام لأبناء عمه للعمل كمتطوعين في الجيش وهناك رفض الحرس السماح له بالدخول فتعاطف لحاله أحد الضباط وقام بتهريبه في الجزء الخلفي من العربة وتمكن من الانضمام الى أقاربه .
(3)
هناك وجد وهو الذي لم يذق طعاما بخلاف (المجدرة) وهي وجبة سورية تتكون من العدس والبرغل مالا رأته عينه ولا سمعت به أذنه من قبل فقد كانت مائدة ممتلئة بكل ما طاب من اللحوم والفواكه والحلويات فتوسل أن يتم قبوله ولكن طلبه قوبل بالرفض بعد المعاينة لصغر سنه فعاد محبطا الى البيت. طلب منه والده التقديم في التمريض ولم يترك واسطة الا ولجأ اليها ولكن الطلب قوبل بالرفض فذهب الى مدرسة صناعية فوجد نفس النتيجة فعاد الى الدراسة التي تركها بعد أن سدت أمامه كل فرص العمل. كانت السنوات الثلاثة من الدراسة أكبر معاناة في مسيرته الحياتية لضيق ذات اليد فقد كان نصيبه من مصروف اليوم ليرة يستلمها من والدته لزوم المواصلات (نصف ليرة ذهابا ونصف ليرة إيابا) ولكن حينما يقرص الجوع معدته يعتدي على ليرة العودة لشراء ساندويتش ثم يقف بالساعات في الطريق حتى يجد سيارة تحمله.
(4)
يقول عن مستواه في الدراسة ان لغته الإنجليزية كانت جيدة ولكن كل مشاكله كانت مع اللغة العربية حتى أن مدرس اللغة بعث بخطاب الى والده يقول فيه ان ابنه لا يصلح الا كماسح أحذية فأحنى الرجل الذي ولج الشهرة من أوسع أبوابها لاحقا رأسه للعاصفة ومضى .. اذا كان خروجه من مشكله وسقوطه في مستنقع مشكلة أخرى أشبه ب(جان فالجان) بطل رواية البؤساء للروائي الفرنسي فيكتورهيجو فان صموده ومثابرته واصراره الى الصعود أشبه أيضا ب(سانتياجو) بطل رواية العجوز والبحر الذي كافح واستمات لجر سمكة ضخمة الى الشاطئ الا ان الأسماك الجائعة التهمت اللحم ولم تترك له سوى حفنة أشواك .. وهي الرواية نال بها الروائي الأمريكي (ارنست هيمنجواي) جائزة نوبل وجائزة بوليتزر الأمريكية .. حصل القاسم على المركز الأول في البكالوريا وهي شهادة الدخول الى الجامعة فدخل كلية الآداب ( ادب انجليزي) ..وبعد الانتهاء من الدراسة متعديا متاريس المعاناة والحرمان تم ترشيحه للتحضير لنيل شهادة الدكتوراه في الادب الإنجليزي من أحد جامعات بريطانيا وكانت تلك نقطة تحول كبرى في حياته من الليرة (أم رمادا شح) الى الإسترليني اللي سيفه (يسوي التح) .
(5)
الأكثر اشراقا والأعمق مضمونا في اعترافات فيصل القاسم أنه يخاطب خلال سرده عن مسيرته في أرض مفروشة بالشوك ومزروعة بالأفاعي السامة (الجيل المعاصر) ليبث الروح في شرايين الاحباط.. فبالإصرار والصبر والجلد تمكن من تحقيق مالم يكن يحلم به .. ليثبت فعلا أن لا مستحيل تحت قرص الشمس ولكن على طريقة أبو القاسم الشابي ينصح ويحذر (ومن يتهيب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر) ..يقول في بداية التحضير للدكتوراه كان ضمن المنهج الدراسي مادة عن المسرح السياسي البريطاني بعدها سألني المشرف عن المادة التي يود التخصص فيها قلت لا أدري قال ما رأيك أن يكون اسم الرسالة (تأثيرات الشيوعية عن المسرح) وحينما شاهد خوفي من ولوج السياسة التي لم أكن أفهم فيها شيئا أعطاني كتب كلها عن الماركسية والصراع الطبقي والبروليتاريا وطلب منى قراءتها فقرأتها واعجبت بها ..بعد أن مكث أربعة أشهر في دراسة الماجستير تم ترفيعه لتحضير الدكتوراه . وكان كل حلمه وقتها انه بعد الحصول على الدكتوراه العودة للعمل في جامعة دمشق ولكن الأقدار كانت لها كلمة آخري.
(6)
التحق بهيئة الإذاعة البريطانية BBC) ) عبر صديق تعرف عليه وهناك تحققت أجمل الاحلام بعد اجتياز العديد من الامتحانات بالعمل مع كواكب ساطعة في سماء الاعلام العربي وقتها منهم ماجد سرحان وسامي حداد وهاني العربي وهشام شبلاق والسوداني أيوب صديق .كان السوداني الثاني هو الروائي العالمي الطيب صالح قد ترك وقتها BBC) ) والتحق باليونيسكو للعمل في قطر.. بعدها انتقل للعمل في قناة MBC المملوكة للشيخ الوليد براهيم ثم عاد ل BBC) ) مجددا هذه المرة بعد تحولها لقناة فضائية ليتحقق حلم العمر للقاسم المهووس منذ الطفولة بالإذاعة والتلفزيون ..ولكن الحلم لم يستغرق أكثر من عامين اذ انفضت الشراكة بين السعودية وبريطانيا فعمل القاسم مديرا لمحطة الفايننشال تايمز في الخليج براتب مفري وقتها 13500 ريال قطري .
(7)
وهنا تبدأ نقطة التحول الكبرى في مسيرة الدكتور فيصل القاسم وكان ذلك عام 1997 باتصال تلقاه من مدير قناة الجزيرة يعرض فيه العمل معهم وكان أول سؤال له ماذا عن هامش الحرية وكانت الإجابة كما تريد ..حدث خلاف بداية على اسم البرنامج ولكن تم الاتفاق على المضمون وكان استضافة شخصيتين في قمة التناقض الفكري ..جمعت الحلقة الأولى الكويتي عبد الله بشارة امين عام مجلس التعاون الخليجي وقتها والناشط الفلسطيني سليط القلم واللسان عبد الباري عطوان عدو الأنظمة العربية وعلى رأسها دول الخليج بتهمة خيانة القضية الفلسطينية ..كانت حلقة ساخنة تفنن فيها عطوان في فتح النار على مجلس التعاون وهو يتساءل مستنكرا أي دور يرجى من دول هم كل شعوبها حيازة السيارات الفارهة والسياحة في منتجعات شرم الشيخ وجزر كناري والريفيرا الفرنسية.. يقول القاسم انه كان خائفا بأن يكون مصيره الطرد من الخدمة بسبب الحلقة ولكن كان لمدير القناة رأي آخر وهو الإشادة الكاملة بالحلقة ..بعدها توالت الحلقات الساخنة وكان من أكثرها سخونة لقاء عالم الدين (القطري المصري الأصل) يوسف القرضاوي والمفكر العلماني السوري صالح جلال العظمي وكانت لها تداعيات عاصفة على الشارع وفي المساجد بين مستنكر ورافض .
(8)
السؤال هنا لماذا الضجيج والصراخ الذي يشتعل عادة بين ضيوف البرنامج والاجابة كما يقول القاسم هو أنه شخصيا يمقت الضجيج وحتى في البيت يميل الى سماع الموسيقي الكلاسيكية الهادئة وهو هنا أشبه ببارون المخدرات الكولومبي بابلو سكوبار فهو رغم أنه أشهر تاجر مخدرات في العالم الا أنه لم يتعاطى حبة في حياته أما الهيجان والصراخ فهو تحصيل حاصل وحصاد لمن يضع الزيت جنب النار فماذا تتوقع حينما يصطدم ممثل جبهة (البوليساريو) بممثل الحكومة المغربية وحينما يواجه معارض سوري مع مؤيد للنظام هل تتوقع ان يتبادل الطرفان ورد الياسمين ..كانت من أكثر البرامج سخونة هي الحلقة التي جمعت بين الكاتبة المصرية صافيناز كاظم والناشطة الأردنية توجان الفيصل في حلقة (حول تعدد الزوجات) اذ ان صافيناز انسحبت في منتصف الحلقة غاضبة محتجة ولم تشفع توسلات القاسم في اعادتها وهو يقول أرجوك (نحن على الهواء مباشرة ) وكان الرد (ان شاء الله نكون على سطح القمر) ..ومن المواجهات الساخنة أيضا حلقة عن الانتخابات الموريتانية طرفاها ممثل للحكومة وآخر معارض تحولت الى معركة كلامية علا فيها الصوت والزعيق والضجيج ولم يتبق من المشهد سوى تبادل اللكمات ..ولكن القاسم يقول أنه بعد أسبوع تلقى اتصالا من ممثل الحكومة يشكره فيه لأن الحكومة كافأته بمنصب وزاري بسبب الحلقة .
(9)
من الحلقات التي علاها اللهب تلك التي كانت بين نصر حامد أبوزيد المطرود من الدين الإسلامي والمفكر الإسلامي محمد عمارة وأيضا الحلقة التي جرت تحت عنوان (أي اسلام نريد) بين الشيخ محمد الفزازي وكان شيخا متعصبا يتولى الدعوة في أحد مساجد مدينة طنجة المغربية حيث مسح الأرض بالضيف العلماني فكان جزائه السجن 30 عاما .. أما الحلقات التي لن تنسى فقد كانت أمام الرئيس صدام حسين وبدعوة منه وكانت المقابلة في أحد قصوره الفارهة فقد تحدث عن الديموقراطية بحرارة وكيف ان الحاكم ينبغي أن يتعلم من راعي الغنم وناشدني بالضرب بيد من حديد على الحكام العرب (الطغاة) حتى انتابني شك عما اذا كنت أتحدث مع صدام ام مع أحد مفكري وفلاسفة الديموقراطية من أمثال مونتسيكيو وجون لوك وسبينوزا ..يقول القاسم ان نفس هذا حدث معه في لقاء مع القذافي داخل خيمته في صحراء ليبيا فقد سأله قائلا .. هل ترى راعي الإبل هناك؟ ..هذا شريك أصيل في الحكم لأن ليبيا جماهيرية وهي حكم الشعب للشعب ..نفس هذا هو الذي رزئنا به في السودان وندفع الآن ثمنه غاليا ..انه منطق راعي الابل (حميدتي) الذي يوجه رجال ميليشياته بالسلب والنهب وانتهاك أعراض الناس ثم يبشرنا بالديموقراطية .
(10)
يقول الدكتور فيصل القاسم ان الاعلام له ثلاثة أذرع هي الكلمة والصوت والحركة وأعلاها الصوت ثم الحركة تليها الكلمة ولكن الألسن اختلفت في تفسيره ففي العالم العربي فهو فعل أمر (أعمل أسمع أفعل أترك) في بريطانيا يطلقون عليه علم الاتصال communication وفي أمريكا يحمل لقب عرض أعمال show business. الرئيس الأمريكي دونالد ريجان كان أحد أنجح رؤساء أمريكا وأكثرهم لفتا للنظر في فن الاتصال والسبب انه كان ممثلا قبل الولوج الى عالم السياسة وله جملة شهيرة it is not important what you say it is important how you say (ليس المهم ما تقوله ولكن المهم كيف تقوله ) . السؤال لفيصل القاسم هل أنت محايد في أطروحاتك في برنامج الاتجاه المعاكس؟ وكان الجواب لست محايدا فلا يوجد حياد في العالم فأمريكا تقدم 76% من المادة الإعلامية وهو ليس اعلام حر بل اعلام موجه ينظر الى الأمور بالزاوية التي تروق له وها هو الأسترالي الأمريكي (مردوخ) رجل صناعة الاعلام الأول في العالم يتحكم في الآلة الإعلامية مما يعني ان الاعلام لا يمثل السلطة الرابعة فالسلطة التي ليست لها آلية لتنفيذ أجندتها ليست سلطة.

oabuzinap@gmail.com

 

آراء