تأمُلات
بين عناق يامال… ودموع ميسي
كمال الهِدَي
تواصلت الدروس المستفادة من كأس العالم 2026، التي فاز بها عن جدارة المنتخب الإسباني.
فبعد انتهاء المباراة شاهدنا جميعاً لقطتين تستحقان قليلاً من التأمل.
الأولى تلك التي جمعت بين النجمين المبدعين ميسي ويامال.
وما يستوجب التوقف عند هذه اللقطة الآسرة أن صخب الاحتفالات، وأحداث العنف التي أعقبت إطلاق الحكم السلوفيني صافرة النهاية، لم تحجب عن الموهبة اليافعة لامين يامال إنسانيته؛ إذ سارع إلى مواساة نجم النجوم، وقدوة أجيال المبدعين، ليونيل ميسي، في مشهد اختزل أسمى معاني الاحترام والتقدير. فتوجه نحوه وهو جالس على العشب، وما إن رآه ميسي يتجه صوبه حتى انتصب واقفاً بسرعة، وكأنه يتلقى التحية من ندٍّ له، فتعانقا عناقاً حاراً وطويلاً.
أما لماذا تستوقفنا مثل هذه اللقطة، فالسبب أنها تبدو وكأنها عملية تسليم راية الإبداع. فالمحترفون الحقيقيون يحترمون بعضهم بعضاً، ولا يشعر الكبير منهم، الذي قاربت مسيرته على الانتهاء، بالغيرة من المواهب الصغيرة.
ورغم اقتناع الكثيرين بأن ميسي، تحديداً، ظاهرة يصعب أن تتكرر في ملاعب كرة القدم، فإنه تعامل مع خليفته في برشلونة، وفي محافل كرة القدم العالمية، باحترام كبير، وكأنه يقول له: “عوِّض عشاق الكرة عن شيء مما ظللت أقدمه على مدى سنوات طويلة، فالناس تواقة لنثر المزيد من الإبداع في الملاعب.”
والدرس هنا بالغ الأهمية للاعبين في عالمنا، وخاصة في السودان، لأن تجاربنا تعكس حالة من انقطاع التواصل بين الأجيال؛ فلا الصغار يقدِّرون ما قدمه الكبار، ولا الكبار يحتوون الصغار بمحبة، بعيداً عن الغيرة من نجاحات بعضهم، على قلتها.
وأذكر أنه في الفترة التي ظهر فيها لاعب الهلال النعيم (رونالدينيو)، كنت قد كتبت أكثر من مقال ناشدت فيه قائد الهلال آنذاك، هيثم مصطفى، أن يحتوي الفتى ويرعاه، ويقدم له كل أشكال العون، حتى يذكر له التاريخ لاحقاً أنه أسهم بنفسه في صقل وتطوير موهبة خليفته في الهلال. لكن، للأسف، لم يحدث شيء من ذلك، وضاعت موهبة النعيم، وتنقل بين الأندية، حتى خبا بريق موهبته قبل أن يقدم شيئاً يُذكر.
وهو وضع تكرر مع عديدٍ من المواهب الصغيرة؛ فعندنا، إذا وصل ابن الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة إلى كشف الهلال، نسمع من يقول: “لا يزال صغيراً على اللعب في نادٍ بحجم الهلال، ولا بد من إعارته حتى يشتد عوده.” مع أن العود يشتد بالممارسة، وبمشاركة اللاعبين الكبار تجاربهم وخبراتهم، لكن من يرعى المواهب عندنا؟ ومن يرغب حقاً في أن يخلفه في مركزه من هو أفضل منه؟
حتى ميسي، بكل موهبته، لم ينفجر في برشلونة إلا لأنه وجد كامل الترحيب والتعاون من اللاعبين الكبار، وقد أخذ الفلتة رونالدينيو بيده، وظل يدعمه منذ أول مشاركة له مع الفريق الأول في برشلونة وقدم له تمريرة ساحرة سجل منها هدفاً جميلاً لا أشك في أنه ساهم سرعة اندماجه وسط المجموعة وأزال عنه الرهبة وهو في ذلك العمر الصغير. وبعد أن حمل ميسي الراية، رأينا حجم الدعم الذي قدمه بدوره لكل اللاعبين الصغار والجدد.
أما اللقطة أو المشهد الثاني الذي استوقفني، فهو بكاء ميسي، وتلك الدموع التي افترض البعض أنها دموع الحسرة والفشل، بينما هي غير ذلك تماماً. فكل من تابع عن كثب لا بد أنه لاحظ أن ميسي أجهش بالبكاء مرتين خلال هذه البطولة، وفي المرتين غلبته دموعه بعد هتاف الجماهير باسمه.
فعندما بكى بعد الهزيمة في النهائي، حدث ذلك نتيجة إحساسه العميق بالمسؤولية تجاه تلك الجماهير، ورغبته الجامحة في أن يُفرحها بكأس البطولة. وقد ظهرت هذه الرغبة، وتلك العزيمة، طوال المباريات التي قلب فيها النتائج من التأخر إلى التقدم في الدقائق الأخيرة.
وهذا درس آخر يجب أن يتعلمه لاعبونا، الذين كثيراً ما خذل بعضهم جماهيرهم بتعرضهم لهزائم غير متوقعة، لكننا كنا نراهم، بعد ذلك، يستمتعون بحياتهم ويضحكون، ويتوجه بعضهم إلى أماكن السهر أو محال الشيشة بعد مباراة أقصتهم نتيجتها من بطولة قارية.
kamalalhidai@hotmail.com
