خالد ابواحمد
السودان لا يحتاج إلى من يرثيه، يحتاج إلى من يفهمه، والفرق بين الاثنين شاسع – فالرثاء سهل ومتاح لكل من يملك قلباً رقيقاً ولساناً طليقاً، أما الفهم فيحتاج إلى شيء أصعب وأندر، يحتاج إلى من عاش الجرح من الداخل ولم يفقد بصيرته فيه، ومن يملك الشجاعة على تسمية الأشياء بأسمائها في زمن يُكافأ فيه التمييع ويُعاقب فيه الوضوح، الاخت الفضلى الكاتبة الاستاذة رشا عوض واحدة من هذا النوع النادر، لكن قبل الحديث عنها لا بد من الحديث عن المشهد الذي تكتب فيه وعنه، لأن الظاهرة لا تُفهم بمعزل عن اللحظة التي أنتجتها.
ما يعيشه السودان اليوم من تمزق وحرب وانهيار في جوهره فوضى مُصنَّعة بعناية فائقة، أراد لها أصحابها أن تكون على هذه الشاكلة بالضبط، فالإسلامويون الذين حكموا السودان لثلاثة عقود لم يبنوا دولة بالمعنى الحقيقي، بل بنوا منظومة تبعية وولاء وتحكّم، وحين أحسّوا بأن الأرض تهتز تحتهم لجأوا إلى ما هو أخطر من السلاح صنعوا الفتنة القبلية والعرقية، وجيّشوا الإثنيات بعضها ضد بعض، وأوجدوا واقع تعدد الجيوش والميليشيات، ليس عجزاً أو إهمالاً، بل حساباً مدروساً يعرف أصحابه تماماً ما يفعلون ولماذا يفعلونه.
ورقة ضغط
الهدف من كل ذلك كان واضحاً في ذهن مهندسيه هو أن يُقنعوا السودانيين بأنهم وحدهم أهل الحل والعقد، وأن أي محاولة لمحاسبتهم أو تجاوزهم ستجرّ البلاد إلى الهاوية، وهكذا حوّلوا جريمتهم إلى ورقة ضغط، وحوّلوا الفوضى التي اخترعوها إلى درع يحتمون به، ولتسويق هذا الوهم في أوساط البسطاء والمغرَّر بهم، جنّدوا ضعاف النفوس ليرسّخوا هذا الفهم المقلوب في العقول، أن المشكلة ليست فيهم، بل في من يريد محاسبتهم، وأن السودان بغيرهم لا يقوم.
ومن أخطر أدواتهم في هذه المعركة محو الذاكرة الجماعية وتصفير العداد السياسي، هكذا قالت يريدوا للناس أن يتصوروا أن التاريخ بدأ يوم 15 أبريل 2023، وأن ما نزل على السودان في ذلك اليوم كان شيئاً جاء من فراغ، أما ما سبق ذلك من جرائم في جنوب السودان قبل الانفصال، وفي جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق، وفي دارفور التي راح ضحيتها مئات الآلاف وأفضت إلى مطالبة المجتمع الدولي بمحاكمة رأس النظام، كل ذلك يُراد له أن يُنسى أو يُهمَّش، وكأن الجنجويد نزلوا من السماء فجأة دون أن يكون لهم أب ولا أم ولا تاريخ كما ذكرت ذلك في إحدى المقاطع المصورة.
الظاهرة والمنظومة..!!
في مواجهة هذه المنظومة من التضليل ومحو الذاكرة وتجنيد ضعاف النفوس، سخّر القدر الأستاذة رشا عوض قلماً يأبى الصمت والمجاملة، حتى أصبح من أكثر الأقلام أثراً في المشهد السوداني الراهن، وحين نقول إنها ظاهرة فنحن لا نُجامل ولا نُبالغ، بل نستخدم الكلمة بمعناها الدقيق، الكاتب الذي يتجاوز حدود موهبته الفردية ليصبح تعبيراً عن حاجة جماعية كامنة، حاجة المجتمع إلى من يقول ما يفكر فيه كثيرون لكنهم لا يجدون له لساناً ولا يملكون له عبارة. والظاهرة لا تُصنع بالجهد وحده، بل تصنعها اللحظة التاريخية حين تجد فيمن ينهض لها من هو في مستوى ثقلها، ولحظة السودان اليوم بكل ما تحمله من مأساة وتعقيد وجدت في رشا عوض من يكون في مستواها.
ما يجعلها ظاهرة لا مجرد كاتبة موهوبة هو ذلك الجمع النادر بين ثلاثة أشياء قلّما اجتمعت في كاتب واحد. الأول هو الحضور الصحفي اليومي المتواصل – فهي لا تكتب من بُعد آمن ولا تنتظر أن تترسّب الأحداث قبل أن تتناولها، بل هي في قلب اللحظة تتابعها وتواكبها وتشتبك معها يوماً بيوم. والثاني هو الموقف الفكري المتسق – فلا تجد في كتاباتها ذلك التذبذب الذي يُصيب كثيراً من الكتّاب حين تتبدل الأحوال وتتغير موازين المصالح، إذ تكتب رشا عوض من بوصلة ثابتة لا تتحرك مع الريح ولا تنحني أمام الضغط. والثالث هو القدرة على التبسيط دون الإخلال بالعمق وهذه هي الموهبة الأصعب والأندر، فكثير من المفكرين يفهمون لكنهم لا يُبسّطون، وكثير من الصحفيين يُبسّطون لكنهم لا يفهمون بعمق، أما من يفهم عميقاً ويوصل ببساطة فذلك هو الكاتب الذي يصنع أثراً حقيقياً في الوعي الجمعي ويفتح عيون من لم تكن مفتوحة.
النموذج الحي للطغيان
لعل مقالها المنشور في صحيفة التغيير الإلكترونية في أكتوبر 2025 بعنوان “الطغيان عندما يصل مرحلة التعري” خير نموذج على ما نقول. تبدأ المقال بشخصية من رواية “الحرافيش” لنجيب محفوظ – فتوة طاغية انتهى به الأمر إلى الخروج على الناس عارياً – وهذا المدخل ليس زينة أدبية ولا استعراضاً للثقافة، بل هو سلاح مُحكم الصنع، إذ لا تقول مباشرة إن الإسلامويين وصلوا إلى مرحلة الانهيار، بل تدعك ترى ذلك بنفسك من خلال صورة إنسانية مألوفة في الوجدان العربي، وحين تنتقل إلى الواقع السوداني يكون القارئ قد رسم الصورة في ذهنه قبل أن تُصرّح بها. ثم تبني حجتها بتسلسل لا مفرّ منه – من الفتوة في الرواية إلى مقطع فيديو لعنصر في كتائب الظل يتفاخر بقتل الناس دون تحقق، إلى صحفيي السلطة الذين يتبارون في ذبح المنطق – وفي كل خطوة تضغط على المفتاح ذاته: التفاخر بالجريمة دليل سقوط لا دليل قوة، ولا تتهرب من التسمية المباشرة “الصحافة الأمنوعسكركيزانية”، “كتائب الظل الكيزانية” – لأنها تُدرك أن التلطيف في توصيف الجريمة هو شراكة فيها، وتختم بجملة تجمع بين الواقعية والإصرار، تعترف بعبثية الحوار مع هؤلاء لكنها تُعلن أن الصمت ليس خياراً، لأن معركتها الحقيقية ليست مع الكيزان أنفسهم بل مع السودانيين الطيبين الذين قد يُخدعون.
التنوير بمعناه الحقيقي
رشا عوض لا تكتفي بنقد الإسلامويين، بل تذهب إلى ما هو أعمق وأخطر عليهم إنها تُعلّم قراءها كيف يفكرون وكيف يعملون وكيف يُموّهون، رشا تفكّك أدواتهم وتكشف آلياتهم وتُسمّي ما يُحجمون عن تسميته، بلغة واضحة لا تحتاج إلى قاموس ولا إلى خلفية أكاديمية لفهمها. وهذا هو التنوير بمعناه الحقيقي ليس نشر المعلومة فحسب، بل فتح البصيرة، وتحرير العقل من أوهام زرعها أصحاب السلطة بعناية وبمهارة على مدى عقود طويلة، وهنا يكمن سرّ خطورتها على منظومة التضليل الإسلاموي، ليس لأنها تهاجمهم بعنف، بل لأنها تجعل القارئ العادي يراهم بوضوح، ومن رآهم بوضوح لن يُخدع بهم مرة أخرى.
بصمة لا يتجاوزها التاريخ
لعل من أبرز ما يُميّز رشا عوض أنها لم تنتظر أن يكتب عنها التاريخ لاحقاً، بل هي من يكتب التاريخ الآن، توثّق وتحلل وتكشف في الوقت الذي تجري فيه الأحداث، وهذا أصعب بكثير من التحليل البعدي المريح. وبهذا تكون قد وضعت بصمتها الحقيقية في تاريخ السياسة السودانية، لا من خلال موقع سياسي أو منصب رسمي، بل من خلال قلم صادق لم يُساوم ولم يتراجع. بصمة في مواجهة آلة التضليل الإسلاموي بأدوات فكرية لا عاطفية، وبصمة في الحفاظ على الذاكرة الجماعية السودانية في زمن يُراد فيه محوها، وبصمة في إيصال الحقيقة السياسية المعقدة إلى القارئ البسيط بلغة لا تُعقّد ولا تُنفّر.
الاستاذة رشا تكتب عن السودان من داخل الجرح لا من خارجه، وتستمر على هذا المستوى رغم كل ما يعيشه السودان من تمزق وانقسام دون أن تنجرف مع تيار أو تفقد بوصلتها، وهذا في حد ذاته إنجاز يستحق التأمل، ولهذا كله وليس لسبب واحد تستحق رشا عوض أن نقول عنها بثقة واطمئنان: إنها ظاهرة.
حفظها الله ورعاها ومتعها بالصحة والعافية.. وحفظ كل أقلامنا الوطنية الشريفة..
ليلة الأحد 17 مايو 2026
khssen@gmail.com
