طاهر عمر
مارسيل غوشيه عالم إجتماع فرنسي و مؤرخ و فيلسوف. أفكاره تكاد تكون نادرة وسط النخب السودانية. و تكاد تكون المكتبة السودانية مفرغة منها و ليس لها عهد بأفكاره لأسباب كثيرة منها أن أغلبية النخب السودانية ترتكز على أفكار فلاسفة ما بعد الحداثة أمثال ميشيل فوكو و جاك دريدا و غيرهم من فلاسفة ما بعد الحداثة.
أفكار فلاسفة ما بعد الحداثة أثرها وسط النخب السودانية واضح و تكاد تكون هي التي تشكل عقل النخب السودانية و خاصة أفكار اليسار الرث في السودان و إصراره على خطاب اليسار المنتهي منذ نهايات الستينيات من القرن المنصرم أي أن أفكار اليسار قد إنتهت منذ أيام ثورة الشباب في فرنسا عام 1968 بفضل فلاسفة ناهضوا فكر فلاسفة ما بعد الحداثة و إنتصروا عليهم منهم على سبيل المثال ريموند أرون.
مارسيل غوشيه جاء فكره بعد إنتشار أفكار ما بعد الحداثة و بالمناسبة كانت لهم شهرة واسعة و حتى بعد نهايتهم ظلت أفكارهم تشوش على أفكار كثير من الفلاسفة و من ضمنهم مارسيل غوشيه. لذلك أحتاج فكر مارسيل غوشيه لزمن طويل حتى ياخذ مكانه كمفكر فرنسي جاء ليشغل الساحة الفكرية بعد فلاسفة ما بعد الحداثة.
هذا ما ذكره عنه كثير من الباحثين الإنجليز أي أن فكر مارسيل غوشيه احتاج لزمن طويل حتى يأخذ حيزه في الساحة الإنجليزية و كله بسبب شهرة فلاسفة ما بعد الحداثة قبل أن ينحسر فكرهم و يتراجعوا عنه في تراجعهم عن هجومهم على فكر عقل الأنوار.
و بالمناسبة إنتشار أفكار فلاسفة ما بعد الحداثة وسط النخب السودانية و حديثهم و إنبهارهم بأفكار ميشيل فوكو و جاك دريدا يمثل ستار حديدي يمنع الساحة السودانية من إرتياد أفكار عقل الأنوار.
و هذا هو سبب سيطرة فكر الشيوعيين السودانيين بنسختهم المتكلسة على الساحة السودانية و كذلك سيطرة فكر الإحياء الديني في السودان و يمثله و يجسده أتباع المرشد الكيزاني و الإمام الأنصاري و الختم و أتباعه و جميعهم يجسدون الخنوع نتاج سلطة الأب و ميراث التسلط و هي تعتبر أكبر مانع للتحول الديمقراطي في السودان.
مارسيل غوشيه له جهود فكرية و قد أصبحت متداولة في كثير من مراكز البحوث و كما قلنا أنه جاء بعد شهرة فلاسفة ما بعد الحداثة إلا أنه إنتبه لشئ مهم جدا لم ينتبه له فلاسفة ما بعد الحداثة. و هو أن هناك فلسفة تاريخ حديثة قد إنبثقت أفكارها منذ بداية ثلاثينيات القرن المنصرم. و للقارئ السوداني نقول أن فلسفة التاريخ الحديثة التي إنتبه لها مارسيل غوشيه الآن قد شارفت على القرن من الزمن.
و أفكار فلسفة التاريخ الحديثة التي إنتبه لها مارسيل غوشيه كانت في صراع لثلاثة عقود مع فلسفة التاريخ التقليدية الى أن إنتصرت فلسفة التاريخ الحديثة في بداية ستينيات القرن المنصرم و أزاحت فكر فلسفة التاريخ التقليدية و هذا هو سر قوة أفكار مارسيل غوشيه أي إنتباهه الى أن هناك فلسفة تاريخ حديثة تدق على أبواب الفكر و عمرها الآن قرن كامل بالتمام و الكمال.
قد يسأل سائل بل له الحق أن يتعجب من أني أتحدث له عن تاريخ فكر لفلسفة تاريخ تقليدية مندحرة من قبل فلسفة تاريخ حديثة و كله صراع أفكار في ساحة الفكر الاوروبي و له الحق أن يقول و ما لنا بفكر مارسيل غوشيه.
و نقول له بكل سهولة و يسر أن الإجابة من داخل فكر مارسيل غوشيه تقول لك أنه يعتبر أن تاريخ البشرية و لأول مرة يصبح تاريخ للبشرية كافة أي تاريخ واحد و صالح للبشرية كافة منذ بداية الثورة الصناعية.
و ما يشغل ضمير الفلاسفة و المفكريين و علماء الإجتماع و الإقتصاديين الآن أن تاريخ البشرية يسير نحو مجتمعات ما بعد الثورة الصناعية أي قد أصبح تاريخ للبشرية كافة و لم يعد خاصة بأوروبا لوحدها. و هذا هو البعد الفكري الذي لا يريده أتباع الخطاب الديني من كيزان و غيرهم و كذلك أتباع اليسار الرث في السودان لأنهم يرتكزوا على رأسمال رمزي و هو كراهية الغرب و إعتباره عدو أبدي لا يمكن التصالح معه على الإطلاق.
و هنا قد يسأل القارئ ما هو فكر مارسيل غوشيه الذي تتحدث عنه؟ و نقول له أن فكر مارسيل غوشيه الذي أتحدث عنه هو فكر قد إستلفه مارسيل غوشيه من فكر ماكس فيبر و هو يتحدث عن زوال سحر العالم أي لم يعد للخطاب الديني و لا للدين أي دور بنيوي لا في السياسة و لا في الإقتصاد و لا في الإجتماع و بعد كل ذلك لم يكون ذلك دعوة للإلحاد لأن الدين عنده شأن فردي و أفق الرجاء للفرد بلا وساطة رجال الدين و تجّاره و إستثمارهم في فكرة صكوك الغفران و شهادات الهلاك.
و كذلك أتحدث عن فكر مارسيل غوشيه لأن الفكر الديني و خطابه ما زال يمثل سحر العالم للكوز كما ظن أيضا ذات يوم ميشيل فوكو بأن الخمينية قد أعادت سحر العالم بنجاحها و زار ميشيل فوكو إيران و بعدها قد تراجع عن أفكاره بسبب النقد الذي تعرض له من فلاسفة فرنسا. إصرار الكيزان على أن الدين ما زال يمثل سحر العالم قد أوردهم موارد الهلاك و ها هو العالم يشهد على أنهم إرهابيين لم ينتصروا يوما للحياة.
أتحدث دوما عن فكر مارسيل غوشيه لأن فكره ليس له مثيل و لا شبيه في ساحتنا السودانية فهو كعالم إجتماع تتبع تاريخ البشرية و علاقته بالدين منذ ليل الحياة و أكد أن السلطة في ظاهرة المجتمع البشري كانت سابقة للدين و جاء حين من الدهر بأن أصبح الدين يمثل دور السلطة و تطور العقل البشري و تجاوز فكرة أن الدين يمثل سلطة و بعدها جاءت فكرة النزعة الإنسانية أي إعادة بناء المجتمع البشري على ضؤ مجد العقلانية و إبداع العقل البشري.
و بالتالي يصبح عالم و مجتمع ما بعد الثورة الصناعية مجتمع متكون من أفراد و كل فرد يتصف بالعقلانية و الرشاد و عقلانيته الفرد و رشده تجعلانه يؤمن بحرية الآخر المختلف و يحس بأنه متساوي معه و هذا هو البعد الغائب من وعي الكوز في عدم إيمانه بالمساواة مع الآخر المختلف بل يستخدم الفكر الديني كسلاح لقهر الآخر المختلف و لهذا السبب نجد أن فكر مارسيل غوشيه يؤكد بأن الفكر الليبرالي و ديمقراطيته هي بديل للفكر الديني.
مارسيل غوشيه في كتبه يشير الى أن سنوات سبعينيات القرن المنصرم آخر أمواج فكر الإصلاح الديني في إزاحته للفكر الديني و إبداله بفكر النزعة الإنسانية القائم على فكرة مجد العقلانية و إبداع العقل البشري.
و المحزن و مضحك في نفس الوقت أن سنوات السبعينيات في العالم العربي هي بداية حشود الإسلاميين و أتباع الخطاب الديني و هوسهم الذي قد إنتهى بالفكر الداعشي و وهم حماس و وهم يحى السنوار و أوهام حسن نصر الله كأذرع لإيران و ها هي النتيجة و هي هزيمة حماس و قتل حسن نصر الله و عودة إيران و محاصرتها في داخل إيران و أخيرا إعتبار كيزان السودان منظمة إرهابية و ذات خطر على العالم.
و هذا دليل على زوال سحر العالم و أن الدين لم يعد له دور بنيوي يلعبه على صعد السياسة و الإجتماع و الإقتصاد و أي إصرار أو أي مغالطة و مكابرة من الكيزان لا تزيدهم إلا غوص في وحل الفكر الديني. و كالعادة فهم أي الكيزان أتباع الفكر الديني هم أسيري فكر اللاهوت الجدلي فأتباعه يتصفون بالحدة و العنف و العدائية و المكابرة و المغالطة و لا تساعدهم إلا على البقاء خارج مجرى التاريخ.
بعد إعلان أن كيزان السودان منظمة إرهابية تأتي دعوتنا للنخب السودانية بأن الفكر الليبرالي و نمط الإنتاج الرأسمالي هما بديلان للفكر الديني من كل شاكلة و لون و نقولها للنخب السودانية التي كانت تحت أسر محاباة الفكر الديني قد آن أوان إختفاء الفكر الميعة أي الفكر المحابي للفكر الديني كما رأيناه في طرح فكرة المؤالفة بين العلمانية و الدين أو طرح فكرة المساومة التاريخية بين اليسار السوداني الرث و أتباع الفكر الديني.
و كذلك نقول لمن يتحدث عن العلمانية و الايمان و من يتحدث عن الحداثة و الصوفية و السبحة ها هو العالم يقول لكم بأن الفكر الديمقراطي قد أصبح بديلا للفكر الديني و ها هم الكيزان يعلنهم العالم بأنهم إرهابيين و كذلك يلعنهم العالم أجمع بسبب أفعالهم فلا تهابوهم. و خاصة و قد ظهر خوفكم منهم في حديثكم معهم عن مؤالفة و مساومة و ايمان و علمانية و سبحة و حداثة و صوفية و كله حديث مجافي لمجد العقلانية و إبداع العقل البشري.
في ختام هذا المقال نرجع لعنوان المقال هو تاريخ الذهنيات و هو نتاج جهود مدرسة الحوليات الفرنسية و قدم لنا كيفية تمحيص العقل الجماعي و تمحيص علم النفس الجمعي و بالمناسبة هذه أفكار كانت لها أثر كبير في مفكري أجيال الستينيات من القرن المنصرم و لهذا يمكننا القول أن مارسيل غوشيه إستفاد من إنتصار أفكار فلسفة التاريخ الحديثة و هي مجموع أفكار لكل من مؤرخي مدرسة الحوليات و دراساتهم للتاريخ الإجتماعي و الإقتصادي على المدى الطويل و أثرها في أجيال الستينيات و بالتالي كانت لهم القاعدة التي إنطلقوا منها و أزاحوا منها فكر فلاسفة ما بعد الحداثة. ربما أعود في مقال قادم أتحدث فيه عن تاريخ الذهنيات كمقال منفصل.
taheromer86@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم